خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 18 محرم 1440 هـ

خطبة الجمعة 18 محرم الحرام ، للعام 1440 ه

الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهيّة) (التوكّل)

عباد الله،أوصیکم ونفسي بتقوى الله واتباع أمره ونهیه وأحذركم من عقابه.

مع التقدّم المادّيّ الهائل الذي يشهده العالم، سادَ شعورٌ لدى كثيرٍ من البشر بانتفاء الحاجة للارتباط مع السماء والقيم الإلهيّة، اتّكالاً على قدراتهم التكنولوجيّة وإنجازاتهم العلميّة في سبيل تحقيق السعادة البشريّة.

هذا هو الأمر الذي خلق ثقافةً “استعلائيّةً” كما استعرضها القرآن الكريم في آياته الكريمة عن قارون:

Pقَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَO [القصص : 78]، فما كان من هذا العلوّ والاستعلاء نتيجة سوى ما ذكر القرآن:Pفَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَO [القصص: 81]، وأمّا العبرة من هذه النهاية المأساويّة فهي قوله تعالى:P فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَO.ليتبيّن لنا أهمية التوكّل على الله تعالى وحده في حياة الإنسان، وعدم الاغترار بإمكاناته مهما عظُمَت، فلن تغني عنه من الله شيئاً.

وقبل الدخول في صُلب الموضوع، ينبغي التأكيد على ضرورة تقديم تعريف واضح للتوكّل يرفع الشبهات ويعطيه مكانته الواقعيّة في حياتنا؛ إذ ما من أحدٍ منّا إلا ويدّعي توكّله على الله، فلماذا لا نلمس ثمراته عملياً؟ وما أركان التوكّل وثمراته؟

تعريف التوكّل

هو الثقة بالله وفيما عنده، وتفويض الأمور إليه وحده بالتبرؤ من حولك وقوتك وحول مثلك وقوة مثلك، ثقةً بحسن تدبيره في استجلاب المصالح ودفع المضارّ من أمور الدنيا والآخرة كلها، وذلك بقطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب، مع الرضى بما يتم من ربح أو خلافه ونجاح وغيره.

فالتوكل على الله جوهر حقيقة الإيمان، وما أجمل قول أمير المؤمنين (ع) أشار إلى حقيقة التوكّل في وصيته الخالدة:Sوَأَلْجِىءْ نَفْسَكَ فِي الأمورِ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ، فَإِنَّكَ تُلجِئُهَا إِلَى كَهْف حَرِيز، وَمَانِع عَزِيز، وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَR (نهج البلاغة، الرسالة 31).

و ما أجمل قول جبرئيلA لَمّا سألَهُ النّبيُّ 9عنِ التَّوكُّلِ علَى اللّه سبحانه فقال: Sالعِلمُ بأنّ المَخلوقَ لا يَضُرُّ و لا يَنفَعُ ، ولا يُعطي ولا يَمنَعُ ، واستِعمالُ اليَأسِ مِن الخَلقِ، فإذا كانَ العَبدُ كذلكَ لَم يَعمَلْ لأحَدٍ سِوَى اللّه ِ، ولَم يَرْجُ ولَم يَخَفْ سِوَى اللّه، ولَم يَطمَعْ في أحَدٍ سِوَى اللّه، فهذا هُو التَّوكُّلُR. (بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ٧٤ ص٢٠)

فإن كان الإنسان في معاملاته الدنيويّة لا يتّخذ لنفسه وكيلاً إلا إذا تمتّع بأربعة شروط هي: العقل والعلم، والأمانة، والقدرة، والحرص، فما أجدرَ بالعبد الضعيف الفقير المسكين المستكين، أن يوكّل أموره كلّها إلى جبّار السماوات والأرض. ولنعم ما قاله الإمام الخمينيّH في كتابه “الأربعون حديثاً” عند الحديث عن التَّوكُّل، بأنه أربعة أركان للتَّوكُّل وهي:

1- أنّ الحقّ تعالى عالمٌ بحاجات العباد.

2- أنّه تعالى قادرٌ على تلبية تلك الحاجات.

3- أنّه ليس في ذاته المقدّسة بخل.

4- أنّ الله رحيم بالعباد رؤوفٌ بهم.

فلذلك نردّد كلّ ليلة جمعة في دعاء كميل شعارَ التوكّل متضرّعين إلى الله بالقول:

Sهَيْهاتَ!.. أنْتَ أكْرَمُ مِنْ أنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ، أوْ تُبَعِّدَ مَنْ أدْنَيْتَهُ، أَوْ تُشَرِّدَ مَنْ آوَيْتَهُ، أَوْ تُسَلِّمَ اِلَى الْبَلاءِ مَنْ كَفَيْتَهُ وَرَحِمْتَهُR

وقد قال الإمام الجوادA‏: Sكَيْفَ يَضِيْعُ مَنِ اَلْلَّهُ كافِلُهُ؟! وَكَيْفَ يَنْجُو مَنْ اَلْلَّهُ طالِبُهُ؟! وَمَنْ اِنْقَطَعَ إِلى غَيْرِ الْلَّهِ وَكَلَهُ الْلَّهُ إِلَيْهِ، وَمَنْ عَمِلَ عَلى غَيْرِ عِلْمٍ، أَفْسَدَ أَكْثَر مِمَّا يُصْلِحُR. (بحار الأنوار:ج1 208).

أيها المؤمنون والمؤمنات

للتوكّل بهذا المعنى أهمية كبرى، يمكن استعراض بعض أبعادها كما يأتي:

  • التوكّل معيار تقويم الإيمان وأساسه:

وقد أكّد القرآن الكريم على ذلك في العديد من آياته؛ يقول تعالى:P وَعَلَى‏ اللَّهِ‏ فَلْيَتَوَكَّلِ‏ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران: 122] ما يبيّن الصلة العضويّة بينهما. فلا يستقيم إيمان عبد حتى تتحقّق حقيقة التوكّل فيه قولاً وعملاً.

ويقول أمير المؤمنين عليA: Sلاَ يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْد، حَتّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللهِ سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ مِنهُ بِمَا فِي يَدِهِR (نهج البلاغة- الحكمة 310). فالإيمان كالبناء الذي يقوم على أركانٍ أحدُها التوكّل على الله؛ فقد روي عن عليA:Sالإيمان له أركان أربعة: التوكل على الله، وتفويض الأمر إلى الله، والرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر اللهR (بحار الأنوار:ج68- ص157).

  • التوكّل وسيلة العبوديّة لله والغنى عمّن سواه:

على كلّ من اختار سبيل السلوك إلى الله لبلوغ مقامات العرفان العليا، أن يبني جسر التوكّل على الله كي يختصر على نفسه الطريق؛ فهو وإن كان شاقّاً لكنّه الأسهل والأيسر، فالله أقرب إلى العبد من حبل الوريد.

  • التوكّل ترسيخ لحالة التوازن النفسيّ للإنسان:

فالمتوكّل على الله في أموره يتعامل مع التحدّيات بكلّ صلابة ووقار؛ فلا يتصرّف بتهوّر أو نَزَقٍ. يقول أمير المؤمنين عليA: S وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُR (نهج البلاغة- الخطبة 193). الأمر الذي يخلق حالةً من الأمن الاجتماعيّ في المجتمع.

  • التوكّل تمهيد لتحقيق النصر:

إنّ الإيمان بالله يدعو الإنسان للثقة بالتوجيهات الإلهية، فيعمل وِفقَها ويهيّئ الأسباب من خلال الاستعداد وتوفير أسباب القوّة.فالتوكّل على الله من أهمّ عوامل الكرامة والقدرة، كما يقول الصادقA: S إِنَّ الْغِنَى‏ وَ الْعِزَّ يَجُولَانِ فَإِذَا ظَفِرَا بِمَوْضِعِ التَّوَكُّلِ أَوْطَنَاR (الكافي- ج2- ص65).

وقد استعملA معنى “الاستيطان” في حديثه تعبيراً عن البقاء والاستقرار، فطالما تحقّق التوكّل لم يعدمْ صاحبهُ النصرَ والعزّة. وهو ما نلمسه بوضوح في سيرة أولياء الله وعلى رأسهم الأنبياءُ والرسلُ والمعصومون D؛ وما كان خلود الحسينAإلابضربه أروع أمثلة التوكّل على الله عبر التاريخ، وسطَ تلك الظروف القاسية، وحيداً فريداً ليس له ناصر ولا معين، قد احتَوَشَهُ الأعداء من كلّ جانب، فتوجّه بالدعاء إلى الله جامعاً كلّ معاني التوكّل.

وقد روي‌ عن‌ سيّد الساجدين‌ وزين‌ العابدين‌ Aأنّه‌ قال‌:

Sلَمَّا صَبَّحَتِ الْخَيْلُ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ :اللَهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي‌ فِي‌ كُلِّ كَرْبٍ ؛ وَأَنْتَ رَجَائِي‌ فِي‌كُلِّ شِدَّةٍ ؛ وَأَنْتَ لِي‌ فِي‌ كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِـي‌ ثِقَةٌ وَعُدَّة.كَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ ، وَتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ ، وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ ، وَيَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ؛ أَنْزَلْتُهُ بِكَ، وَشَكَوْتُهُ إلَيْكَ، رَغْبَةً مِنِّي‌ إلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ؛ فَفَرَّجْتَهُ عَنِّي‌ ، وَكَشَفْتَهُ ، وَكَفَيْتَهُ. فَأَنْتَ وَلِي‌ُّ كُلِّ نِعْمَةٍ ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ ، وَمُنْتَهَي‌ كُلِّ رَغْبَةٍR (الإرشاد- ج2- ص96).

وهذه بطلة كربلاء زينبBقدّمت النموذج الأرقى للتوكّل مع العزّة والكرامة في خطبتها بالشام، وهي أسيرةفي مجلس، وفي غير ذلك من المواضع.فأيّ توكّل أعظم من هذا الموقف العزيز؟

أسال الله تعالى أن يوفقنا لننهل من المعارف الدينية الحقيقية الاصيلة وأتضرع إلیه أن يأخذ بيدنا لتحصيل ما یوجب رضاه  بلزوم  تقواه ویجنبنا جميع المعاصي والذنوب.

الخطبة الثانية:

عباد الله! أجدّد لنفسي ولکم الوصیة بتقوى الله، فإنها خیر الأمور وأفضلها.

أما في عصرنا الحديث لا بدّ أن نستذكر معاً أسطورة التوكّل على الله، الإمامَ الخمينيَّومواقفه التاريخيّة التي تعكس عمقَ تسليمه لله وحدَه؛ فقد كان يعزو كافّة إنجازاته لتوفيق الله وتأييده.

لقد كان الإمامHخرّيج مدرسة عاشوراء، يدعو لاستلهام دروس التوكل على الله منها بالاعتماد عليه وحده، لا دعم القوى السياسية والعسكرية، حتى قال قولته المشهورة: “لو تخلّينا يوماً عن الاعتماد على الله اتّكالاً على نفطنا أو سلاحنا فحسب، اعلموا أنّ ذلك اليوم سيكون اليوم الذي سيغلبنا فيه أعداؤنا” نعم! هذه المواقف تعبّر عن حقيقة الثورة الإسلامية الإيرانية المباركة التي يجسّدها سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئيK حين وجّه كلامه للشباب قائلاً:

“أنتم الشباب تملكون قلوباً طاهرةً وأرواحاً صافيةً، لم تلوّثكم الدنيا كثيراً، فتوجّهوا إلى الله وحده واسألوا الله من فضله في كلّ أموركم، وسيجيب الله دعاءكم. وعندما تطمئنون لفضل الله وبركاته، سيعتريكم إحساس عظيم بالقوة والقدرة، يطرد معه الضعف والخوف منكم. وهذه قيمة عظمى…

وعند ترسّخ حالة التوكّل والأمل والاعتماد على الذات والقدرة الإلهية في شعبٍ، فإنه سيتحول إلى شعبٍ لا يُقهَر، يتمتّع بقدرة خلود أزلية نابعة من القدرة الإلهية. وهو السر في حثّ المعصومين (ع) إيانا على التوكل على الله والتضرع إليه.

لقد نال شعبنا جزءاً بسيطاً من هذا الإحساس، فصمد طوال أربعين عاماً في مواجهة القوى المتغطرسة المستكبرة الوقحة. وكلما زدنا هذا الإحساس ضاعفنا اقتدارنا وعزتنا”.

أيها المؤمنون والمؤمنات

لقد راهن أعداء الخط المقاوم على وكلائهم في المنطقة كي يحدّوا من إنجازاته، فباؤوا بالخيبة وذهبت أحلامهم أدراجَ الرياح بهزيمة داعش وداعميه على امتداد المنطقة، فلجؤوا إلى أسلوبهم القديم باللجوء للعمليات الإرهابية في الداخل الإيراني من خلال اعتداء الأهواز أوائل الأسبوع الفائت، في حادثة بشعة اهتزّت لهولها قلوب الغيارى، وآلمت نفوس أبناء الشعب الإيراني ومؤيدي الثورة الإسلامية في كل مكان. تلك الحادثة الإرهابية التي لا يمكن تبريرها إنسانياً أو أخلاقياً؛ حين راح ضحيتها عدد من الأبرياء، من بينهم طفل لم يتجاوز عمره أربع سنوات، فضلاً عن نساء وشيوخ أحدهم من مصابي الحرب المفروضة لقي وجه ربه وهو على كرسيّه المتنقل.

هؤلاء الشهداء لم يقترفوا ذنباً سوى عشقهم للإسلام والوطن وقيمهم الدينية ومبادئهم الوطنية التي دعتهم للمشاركة في مراسم إحياء ذكرى ملاحم الدفاع المقدّس والشهداء الأبرار.

نعم، أيها الأعزاء، إنهم شهداء عشق إحياء أمر الثورة الإسلامية ورسالتها وشهدائها.

وأما ما يثير الاشمئزاز في الحادثة أن ينبري من يدّعون خدمة الحرمين الشريفين ويتشدّقون بشعار (خدمة الحاج شرف لنا وعزّ) واستضافة الحجاج على أرض الوحي، ليعبّروا عن شماتتهم بالجريمة ودعمهم لها.

لن أتحدث عن إسرائيل التي اعتادت القتل وسفك الدماء في فلسطين ولبنان وسوريا والمنطقة؛ بل كلامي موجّه للسعودية وحكامها الذين يتظاهرون بخدمة الحرمين.

لن أتحدث عن أمريكا التي سوّدت تاريخها بدماء الأبرياء في العالم ووقفت ولا تزال تقف إلى جانب الظالمين في وجه المظلومين، بل كلامي موجّه لحكام مهبط الوحي والقرآن.

إنّ كلمتي اليوم موجّهة لحكومة استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فبدَلَ أن تتحوّل لوارثة قيم الرسالة الإسلامية بالرحمة المحمدية والأخوة الإسلامية عملاً بقول الرسول9:Sمثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحدR (نهج الفصاحة: ص715)؛ نراها أضحت وارثة أبي جهل وأبي لهب في معاداتها للإسلام والمسلمين؛ فصارت بؤرةً لنشر الشقاق والفرقة بين المسلمين.

ولكن مع ذلك كله، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

لقد أعمى الله قلوبهم وأبصارهم عن قوة الجمهورية الإسلامية في إيران وشعبها المقاوم الذي لن تنال منه مثل هذه الألعاب النارية الصبيانية؛ فقد تجاوز بكلّ عزّة عدوان حرب ثماني السنوات المفروضة من قبلُ وقد تظاهرت قوى الغرب والشرق والرجعية العربية دعماً لصدام بمختلف أنواع الأسلحة المتقدمة، والثورة كانت فتيّة طرية العود، و أما اليوم فقد صارت إيران الإسلام في أعزّ منعة وأقوى مكانة عالمياً وإقليمياً تحظى بتأييد الشعوب الحرة على امتداد العالم وتمتلك من القدرات الدفاعية والعسكرية والصاروخية ما يقضّ مضاجع المتربّصين من شياطين الاستكبار والصهيونية. فهل يمكن- والحال هذه- أن يتجرّأ أحد من القوى الكبرى على التلاعب بأمنها؟هيهات هيهات، فكيف “بالزعاطيط” من عبيد أمريكا والصهيونية؛ فهم كما يقول الشاعر صفي الدين الحلّي :

إن الزرازير لمـّا قام قائمُها ……………. توهّمت ْأنها صارت شواهينا

 فصُعِقوا بردّ الشعب الإيراني في مراسم تشييع الشهداء بالتفافهم حول القيادة والإصرار على مبادئ الثورة ورفضهم للإرهاب التكفيري وداعميه ومموِّليه من السعودية وأمثالها.لأن الشعب الايراني لن ينسى منظمة منافقي خلق وجرائمها الإرهابية، والتي ذهب ضحيتَها أكثر من 17 ألف شهيد طوال أربعة عقود من عمر الثورة، فلم تزد النظام إلا قوةً ومنَعةً وتقدّماً.

ولم يستفق الاستكبار والصهيونية من وقع الصدمة حتى تعرضوا لعزلة دولية في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها نموذجاً للدولة العاقلة المنطقية في طرحها، وفضحها للموقف الصهيو-أمريكي بعدم المصداقية والكذب. فوقف العالم احتراماً لإيران، بينما ضحك رؤساء العالم استهزاءً بإدارة ترامب الحمقاء.

أما التهديد بالعقوبات القادمة، فهذا الأمر ليس بغريب على أعدائنا عبر التاريخ. ألم يتعرض الرسول9 للحصار في شعب أبي طالب؟ ألم يتعرض الحسين A للحصار في كربلاء؟ ألم تتعرض زينبB لحملة إعلامية شعواء؟ فماذا كانت النتيجة؟

إنّ إيران التي خرجت منتصرةً من الحرب المفروضة في ظل الحصار الشرقي والغربي وهي بعدُ فتيّةٌ، لقادرة، بل ومستعدّة، للانتصار في المرحلة القادمة وهي أقوى من أي وقت مضى وقد امتدّ محور المقاومة على طول المنطقة وعرضها. وما النصر إلا صبر ساعة، ونحن عازمون على الصمود حتى قيام الساعة بعد أن نسلّم الراية لصاحبها الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.

قصة دفن الإمام وأصحابه

بعد مقتل الإمام الحسينA وأهل بيتهُD وأصحابهُ بقيت الأجساد مطروحة ثلاثة أيام على رمضاء كربلاء. بعد أن ارتحل عسكر ابن سعد وساروا بالسبايا والرؤوس.

قال المقرم: “ولـمّا أقبل السجّادA وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم، وقد فرق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم، وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم!، فأخبرهم A عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، وأوقفهم على أسمائهم، كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدموع منهم كل مسيل، ونشرت الأسديات الشعور ولطمن الخدود.       
ثم مشى الإمام زين العابدينA إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءً عالياً، وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق، فبسط كفّيه تحت ظهره وقال: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، صدق الله ورسوله، ما شاء الله لا حوّل ولا قوّة إلاّ بالله العظيم، وأنزله وحده لم يشاركه بنو أسد فيه، وقال لهم: إنّ معي من يعينني، ولمّا أقرّه في لحده وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً:      بسم الله وبالله طوبى لأرض تضمنت جسدك الشريف أما الدنيا فبعدك مُظلمة وأما الآخرة فبنورِ وجهك مُشرقة ، أما حُزني فســـــــــــــــرمد وأما ليلي فمسهد، حتى يختارُ الله لي دارك التي أنت فيها مُقيم، وعليك منّي السلام يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته.     
وكتب على القبر: هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالبA، الذي قتلوه عطشاناً غريباً”.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*