خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 25 محرم 1440 هـ

خطبة الجمعة 25 محرم الحرام، للعام 1440ه

الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهيّة) (التوكل وآثاره في حياة الانسان)

الخطبة الأولى:

نستكمل ما بدأنا من الحديث عن قيمة التوكل الأخلاقية بكلّ ما تحمل من معانيَ استعرضناها في خطبة الأسبوع الماضي، من انقطاع العبد في جميع ما يأملُهُ من المخلوقين، والاعتماد على الله تعالى في جميع جوانب الحياة، والإعراض عمّا سواه، ما يبعث على قوّة القلب واليقين؛ فهو من دلائل الإيمان كما ذكرنا.

وقد أُثير حول التوكّل بهذا المعنى عددٌ من الشبهات التي تقوم على أساس منافاته مع السعي ودعوته للتكاسل والخمول، كلُّ ذلك بغير هدىً ولا كتابٍ منيرٍ؛ إذ لو كان لأصحابها بعض الاطّلاع لعلموا أنّ التوكّل الحقيقيّ ليس بمعنى إغفال الأسباب وإهمال الوسائل الباعثة على تحقيق المنافع، ودرء المضارّ، والاكتفاء بالتعامل مع التطوّرات والأزمات مكتوفَ اليدين.

فالتَّوكُّل هو: الثِّقة بالله عزَّ وجلَّ، والركون إليه، والتَّوكُّل عليه دون غيره من سائر الخلق والأسباب، باعتباره تعالى هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وأنّه وحده المُصرّف لأمور العباد، والقادر على إنجاح غاياتهم ومآربهم.

ومن الواضح أن الثِّقة بالله تعالى والتوكّل عليه لا ينافي سعي الإنسان، والاستفادة من الأسباب الطَّبيعيَّة، والوسائل الظَّاهريَّة لتحقيق أهدافه ومصالحه، كالتَّزوُّد للسَّفر، والعمل للكسب والربح والعيش والتَّوسعة على العيال، فهذه كلّها أسباب ضروريَّة لحماية الإنسان، وإنجاز مقاصده. وقد أبى الله عزَّ وجلَّ أن تجري الأمور إلّا بأسبابها، فلا بدّ من الأخذ بأسباب الحياة والالتزام بقوانينها، ثمّ نتوكّل على الله تعالى، ونطلب منه أن يمدّنا بالتَّوفيق والعناية والعطاء الغيبيّ.

مدارج المتوكّلين في اعتمادهم على الله تعالى

يتفاوت الناس في مدارج التَّوكُّل تفاوتاً كبيراً، كتفاوتهم في درجات إيمانهم، فمنهم المنقطعون إلى الله تعالى، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، ومن دار في فَلكهم من الأولياء.

ومن أروع صور التَّوكُّل وأسماها ما روي عن قصّة نبيِّ الله إبراهيم عليه السلام: S أَمَرَ نُمْرُودُ بِجَمْعِ‏ الْحَطَبِ‏ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ عِنْدَ نَهْرِ كُوثَى‏ مِنْ قَرْيَةِ قُطْنَانَا وَ أَوْقَدَ النَّارَ فَعَجَزُوا عَنْ رَمْيِ إِبْرَاهِيمَ فَعَمِلَ‏ لَهُمْ إِبْلِيسُ الْمَنْجَنِيقَ فَرُمِيَ بِهِ فَتَلَقَّاهُ جَبْرَئِيلُ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا حَسْبِيَ اللَّهُ‏ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏ فَاسْتَقْبَلَهُ مِيكَائِيلُ فَقَالَ إِنْ أَرَدْتَ أَخْمَدْتُ النَّارَ فَإِنَّ خَزَائِنَ الْأَمْطَارِ وَ الْمِيَاهِ بِيَدِي فَقَالَ لَا أُرِيدُ وَ أَتَاهُ مَلَكُ الرِّيحِ فَقَالَ لَوْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النَّارَ قَالَ لَا أُرِيدُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ فَاسْأَلِ اللَّهَ فَقَالَ حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي‏([1]).

من آثار التوكل على الله تعالى

1-الدخول في دائرة حب الله تعالى:

صرّح القرآن الكريم بأنَّ الله تعالى يحبُّ المتوكّلين: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾([2])، وأنّه من صفات المؤمنين قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾([3]).

وفي رواية أخرى عن الصادق عليه السلام قال: Sأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى دَاوُدَ عليه السلام: مَا اعْتَصَمَ بِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي‏ دُونَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ‏ ثُمَّ تَكِيدُهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ، إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ الْمَخْرَجَ مِنْ بَيْنِهِنَّ، وَمَا اعْتَصَمَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ إِلَّا قَطَعْتُ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ يَدَيْهِ، وَأَسَخْتُ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ‏، وَلَمْ أُبَالِ بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَR([4]).

2-كفاية الله تعالى جميع ما يحتاج إليه:

لا يزال العبد في سعيٍ حثيثٍ لبلوغ حالة الاستغناء عن الخلق في تلبية متطلّباته، فيطرق الأبواب ويسلك السبل. وما له سوى التوكّل على الله طريقاً؛ قال الصادق عليه السلام: Sمَن أُعطِيَ ثَلاثاً لم يُمنَع ثلاثاً، مَن أُعطِيَ الدعاءَ أُعطِيَ الإِجَابة، ومَن أُعطِيَ الشكرَ أُعطِيَ الزيادة، ومَن أُعطِيَ التوكُّلَ أُعطِيَ الكفايةR([5]).

3- كفاية الرزق:

من بركات التَّوكُّل وآثاره الطيّبة أنَّه سبب أيضاً لكفاية الرِّزق، قال الله تعالى:﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾([6]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: Sمن توكَّل على الله ِكَفَاهُ مَؤنَتَهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيثُ لا يَحتسِبُR([7]).

4-الإقدام والقوّة:

بما أنّ المتوكِّل على الله يُعلِّق أملَهُ بالقدرة المطلقة اللَّامتناهية، فإنّ أوّل أثر إيجابي يصيغُهُ التَّوكُّل هو أن يثير في نفسه الشُّعور بالقوَّة، والنَّصر، والتَّغلُّب على المحن، والحوادث الكبيرة في حركة الحياة، فعن الإمام الرضا عليه السلام:Sمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكونَ أَقوى النَّاسِ فليتوكَّلْ على اللهِR([8]).

عن أمير المؤمنين عليه السلام: Sكيفَ أَخَافُ وَأَنتَ أَمَلي وَكَيفَ أضُامُ وَأَنتَ مُتَّكَلِيR([9]).

وعن الإمام الباقر عليه السلام: Sمَنْ تَوَكَّل على اللهِ لا يُغلبُ، وَمَن اعتَصَمَ باللهِ لا يُهزمR([10]).

5-التعقّل والتدبّر:

التَّوكُّل على الله يزيد من ذكاء الإنسان وقدرة الذهن على التَّفكير، ويفتح آفاقه المعرفيّة، فيرى الأشياء بوضوح، لأنَّ التَّوكُّل يُشعر الإنسان بالاطمئنان ويُبعد عنه القلق والاضطراب.

 عن الإمام علي عليه السلام أنَّه قال: Sمَنْ توكَّلَ على اللهِ أضاءَتْ لهُ الشُّبهاتُ وكُفي المؤوناتِ وَأَمِنَ التَّبِعاتِR([11]).

6-التوسعة في الرزق:

فالتوكّل على الله يفتح أبواب الخير أمام المؤمن للجوئه إلى منبع الفضل والجود الأزليّ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: Sلو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكُم كما يرزق الطَّير، تغدو خماصاً وتروح بطاناًR([12]).

أسألُ الله تعالى أن يوفقنا لننهلَ من المعارف الدينية الحقيقية الأصيلة، وأتضرعٌإلیهِأنْ يأخُذَ بيدنا لتحصيل ما یُوجِبُ رضاه بِلُزوم تقواه، ویجنبنا جميع المعاصي والذنوب.

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة والأخوات:

أولاً: أعزيكم بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام في اليوم الخامس والعشرين من شهر محرم، وأسال الله تعالى التوفيق لاتّباعِ سيرتهم وأخلاقهم.

وثانياً:إنّ التوكل على الله يدعو للنشاط والحركة والتفاؤل، ويضمن العزّة والكرامة في الدنيا- كما ذكرنا في خطبة الأسبوع الفائت- ناهيك عن الفوز بالجنة في الآخرة. ويكفينا مصداقاً على ذلك كلّه في عصرنا الحديث نموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية طوال أربعة عقود من عمرها؛ إذ لم يمرّ يوم عليها دون أن تتعرّض لمؤامرات الأعداء من قوى الاستكبار العالمي والصهيونية والرجعية الإقليمية، ومع ذلك كلّه فقد حقّقت الجمهورية من الإنجازات ما أقرّ به الأعداء قبل الأصدقاء.

إننا لا نبالغ في استعراض إمكاناتنا وقدراتنا؛ فالواقع يحكي ذلك. ولعلّ أبرز مؤشر عليه أنّ إحدى أشدّ قوى العالم ظلماً وطغياناً وسفكاً للدماء؛ وهي أميركا، لم توفّر أيّة وسيلة غير مشروعة طوال أربعين عاماً لاستهداف الشعب الإيراني المقاوم، ومع ذلك كلّه لم تستطع أن تنال من الصمود الإيراني، ولم تتجرّأ على ارتكاب أيّة غلطة تجاه النظام الإيراني الثوريّ، بل ارتدّت تلك المؤامرات سلباً على من يحيكها وحاكها من قبلُ؛ فقد رسّخ إيمان الشعب بقيادته وولايته ونظامه ومبادئ ثورته. ولولا اقتدار الشعب الإيراني لكان مِعشار محاولات الأعداء كافياً لإلحاق الهزيمة به وبنظامه.

فقط ألقوا نظرة على بعض الضغوط التي تعرض لها الشعب الإيراني خلال الأشهر الماضية، من عمليات إرهابية وضغوط مالية واقتصادية وغيرها، فماذا كانت النتيجة؟كانت النتيجة ما أبهر العالم كلّه؛ فسقط الدولار أمام العملة الإيرانية، وانهارت مواقع الإرهابيين تحت ضربات الصواريخ الإيرانية متناهية الدقة المصنوعة محلياً، وافتُضِح أمر أمريكا والكيان الصهيوني أمام العالم كلّه من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، فضحك رؤساء العالم استهزاءً بترّهات ترامب، واستهزؤوا بأكاذيب “النتن ياهو” من خلال موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أمّا الصفعة الأقسى التي تلقّاها الأعداء فتمثّلت في كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) في عشرات الآلاف من الشباب الإيراني من قوات التعبئة والمتطوّعين الذين غصّت بهم مدرّجات ملعب “آزادي-الحرية” بطهران البارحة، حين خرج الإمام الخامنئي (دام ظله) ليقول إنّ اقتصاد إيران «قادر على إلحاق الهزيمة بالعقوبات» الأميركية، واعداً بأن الولايات المتحدة «ستتلقى صفعة أخرى» بعد فشل عقوباتها. مؤكداً على أنّ «العيب الحقيقي أن يظنّ الشاب داخل البلاد أن لا سبيل للحل سوى الارتماء في حضن العدو». محذراً من أنّ ما يحاك ضد إيران يتمثل في إيصال الشعب إلى نتيجة بأنه «يواجه طريقاً مسدوداً، وأن لا سبيل للحل إلا بالخضوع والاستسلام أمام أميركا». متهماً المروجين لفكرة أن «لا سبيل سوى الارتماء في حضن العدو» بـ«خيانة البلاد»، مضيفاً: «لن أسمح ما دام فيّ رمقٌ بأن يحصل هذا الأمر».

نعم أيها المؤمنون والمؤمنات، هذه إيران الحقيقية. فلا تلقوا بالاً لما يُنشَر من أكاذيب تبثّها آلة العدوّ الإعلامية.هذه إيران وقيادتها وشعبها التي اجتثّت جذور حكومة شاهنشاهية امتدت لألفين وخمسمائة عام لتُلقِيها في مزابل التاريخ، هذه إيران وقيادتها وشعبها المليئة إيماناً وتوكلاً واستعانةً بالله، والتي تقدّم للعالم أجمع أروع دروس العزة والكرامة.

وشتّانَ بين هذا النموذج المشرق الذي يُفرِح الصديق ويغيظ العدوّ، وبين دولة أخرى تنفق المليارات لشراء أحدث الأسلحة ليؤول مصيرها للصدأ في المستودعات أو استخدامها لقتل المظلومين في اليمن.

أيّ ذلٍّ وتبعية أكبر من أن تعتمد تلك الدولة على أمريكا لحماية نفسها وعرشها مقابل مئات المليارات، ليصرّح بعدها ترامب بكلّ صفاقةٍ وعلى الملأ مخاطباً ملكها “إما أن تدفع المزيد أو لن يدوم حكمُكَ بدوننا إلا أسبوعين فقط”.

أيها الأخوة والأخوات:

كما قال الإمام الخامنئي دام ظله: إن كان لتحدّي أمريكا ثمنٌ يجبُ دفعه، فإن للخضوع لها أثماناً أغلى بكثير. فهذه الحكومة السعودية أكبرُ مثال على ذلك؛ فهي مجبرةٌ على صرف نصفِ احتياطيّها الماليِّ ثمناً للخضوع لأمريكا. ناهيك عن جرعاتِ الإذلال والمهانةِ التي تتلقاها من سيدها الأمريكي.

نعم، إننا مستعدون للتضحية بأغلى ما نملك في سبيل كرامتنا وعزتنا. وهذه سوريا البطلة قيادةً وجيشاً وشعباً وقوىً رديفة وحليفة من المقاومة دفعت أغلى الأثمان في سبيل وحدتها وصمودها وموقفها المعادي للصهيونية، فكان النصر حليفها.

ألم يتعرض أبناء الشعب السوري الصامد للمجازر والتجويع والحصار؟ لكنهم أَبَوا أنْ يستسلموا واختاروا إحدى الحّسنيين: الشهادة أو النصر، فتحقق لهم ما أرادوا بكل عزة وفخار.

نعم، نحن أبناء مدرسة الحسين (ع)، نموت أعزّاء ولا نعيشُ أذلاء، وهذا هو الدرس الذي تعلمناه من هذه المدرسة المباركة، مدرسة العز و الفخر، التي نادى مؤسسها في حياته و قبيل عاشوراء نداءً جليّاً فقال:

Sألَا وإنّ الدَعِيَّ ابنَ الدَعِيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنَتَينِ: بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهاتَ منّا الذِّلَّةُ، يأبَى اللهُ لَنَا ذلكَ ورَسُولُهُ والمؤمِنونَ، وحُجورٌ طابَتْ وطَهُرتْ، وأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ونُفُوسٌ أبِيَّةٌ مِنْ أنْ نؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مصارِعِ الكِرَامِR([13]).

[1]- بحار الأنوار، ج68، ص155.

[2]- سورة آل عمران، 159.

[3]- سورة التوبة، 51.

[4]- الكافي، ج2، ص63.

[5]- بحار الأنوار، ج68، ص129.

[6]- سورة الطلاق، 3.

[7]- كنزل العمال، ج3، ص103.

[8]- بحار الأنوار، ج68، ص143.

[9]- بحار الأنوار، ج91، ص229.

[10]- بحار الأنوار، ج68، ص151.

[11]- عيون الحكم والمواعظ، ص463.

[12]- بحار الأنوار، ج68، ص151.

[13]- تاريخ ابن عساكر، ح570.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*