خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 9 صفر 1440 هـ

خطبة الجمعة 9 صفر 1440
الخطبة الأولى:
الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهيّة) (الإخلاص)
لا زلنا معكم في سلسلة “الأخلاق الإلهية” التي شرعنا بها في خطبنا؛ مستعرضين مصاديق لها ونماذج منها، وذلك بصورة موجزة مراعاةً للوقت والتزاماً باختيار ما يهمّنا في حياتنا العمليّة، عسى ربُّنا أنْ يجعلنا ممن يستمع القول فيتّبع أحسنَه، إنّه ولي التوفيق. وموضوع خطبتنا اليومَ يتمحور حول خُلُقٍ آخرَ من الأخلاق الإلهيّة ألا وهو “الإخلاص”.
اعلموا- عبادَ الله- أنّ الإخلاص مقامٌ رفيعٌ من مقامات المقرّبين وحصنٌ منيعٌ من حصون المؤمنين، ما ناله أحدٌ بعدَ توفيق الله وتأييده إلا بالسعي والمجاهدة والعمل؛ فطوبى للمخلصين.
والإخلاص كنزٌ من كنوز الجنّة، وأوثق صلةٍ بين العبد وربِّه؛ إذ به تُقبَل الأعمال وتُرفَع لبارئ النَسَمِ والأرضِ والسماء، وعليه توقّفَ أمر التكليف، فقال تعالى:  وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ( ) فهو روح العبادة الذي يمنحها الحياة، فترفعَ صاحبها لأعلى المراتب جاهزاً للقاء ربّه ومتهيِّئاً لمجاورته؛ يقول تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا( ).
وفي الحديث القدسيّ عن الله عزّ وجلّ في الإخلاص:  سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُ مِنْ عِبَادِي( ).
فما أعظم هذه الخُلّةَ! وما أجلَّ تلك الفضيلةَ!
تعريف الإخلاص وحقيقته:
معنى الإخلاص: هوَ التقرّب إلى الله تعالى بالعبادات والأعمال الحسنة، وترك المعاصي والذنوب. وقصدُه سُبحانهُ وتعالى دونَ غيرهِ من المخلوقات، بحيث لا يختلط بأعماله ونيّاته وأقواله أيُّ رياءٍ أو سُمعةٍ أو إشهارٍ، فهوَ يقصد العمل فقط لوجهِ الله، ويبغي بهِ رضاه، فيكونُ القصد خالصةً لوجهِ الله تعالى.
قال الإمام علي (عليه السلام): طوبى لِمَنْ أَخلَصَ لِلّهِ عَمَلَهُ وَعِلْمَهُ، وَحُبَّهُ وَبُغضَهُ، وَأَخذَهُ وَتَركَهُ، وَكَلَامَهُ وَصَمْتَهُ، وَفِعْلَهُ وَقَولَهُ( )، فيا لَهُ من تعريفٍ سهلٍ قولُه صعبٍ تحقيقُه على العبد الفقير! إذ يعني أن يكون حافزُ المرءِ في كلّ حركاتهِ وسكناتهِ قصدَ التقرّب إلى الله وحدَه، الأمر الذي لا يمكن تصوّره إلا فيمن أخلى قلبَهُ من كلّ شيء سوى الله، وجعل همَّه رضاه؛ فهو مستغرقٌ في ذات الله ذائبٌ في محبّته، يرى بعينه ويسمع بسمعه؛ لم تَغُرَّه الدنيا وزينتها.
إنّ مثل ذلك المخلص لا يذوق طعاماً أو يرشف شراباً لِهوىً أو رغبةٍ، بل باعتبارها ضرورةً لتقويته على أداء الخيرات والعبادات الإلهيّة، وينام هجعةً من الليل حتى ينشط في تطبيق أوامر الله. فلا يجد لذّةً ولا يحسّ بألمٍ إلا في سبيل الله، فتهون عليه الخطوب وتسهل عليه النوائب.
وما أروعَ الحديث النبويّ: إنّما الأعمالُ بالنيّات( )؛ فإن أردنا تقويمَ أيّ عملٍ صادرٍ عن الإنسان فَلْنَزِنْهُ بميزان الإخلاص حتى ندرس مدى تأثيره ونجاعته؛ فالصلاة بإخلاص تنعكس سلوكاً عمليّاً في حياة الفرد والمجتمع من خلال اجتناب الفحشاء والمنكر، والصيام بإخلاص يدفع الصائم لبذل الخير وتحمّل الأذى، وكذلك الموظّف المخلص يقوم بواجباته ومهامِّه على أكمل وجهٍ سواءٌ كان مسؤولهُ المباشر فوق رأسهِ أو لا، والمعلّمُ المخلص يهتمّ بتوجيه تلاميذه وطلّابه أدباً وتربيةً ولا يكتفي بإلقاء الدروس المقرّرة في المنهاج فحسب، والجنديّ في ساحة القتال لا يتزحزح عن موقعه مهما كانت الظروف.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تمامُ الإخلاصِ اجتنابُ المَحَارِمِ( ).
وقال الإمام علي (عليه السلام): تمام الإخلاصِ تجنُّبُ المعاصي( ).
وحينما يشير القرآن الكريم للقلب السليم، فهو يقصُدُ القلبَ الذي فيه الإخلاص؛ ولما سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ( ) قال: القلْبُ السَّلِيمُ الّذي يَلقَى رَبَّهُ وَلَيسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، وَكُلُّ قَلبٍ فِيهِ شِرْكٌ أَو شَكٌّ فَهُوَ سَاقِطٌ وإِنّما أَرَادُوا الزُّهدَ في الدُّنيا لِتَفْرَغَ قُلُوبُهُمْ لِلْآخِرَةِ( ).
وفي ضوء الحديث الأخير، تكمن الإجابة عن السؤال التالي الذي يطرحه كثيرٌ ممّن يجدون صعوبةً في العمل بإخلاص: إذا أخلصتُ في عملي في مؤسسةٍ ما، فإنّ الآخرين سيستغلّون ذلك ويكسبون ويرتاحون على حسابي، فما العمل؟
نستعين في الإجابة بالحديث الأخير الذي ربط الإخلاصَ بالإيمانِ الحقيقيّ بالله. فحين تعتقد بأنّه تعالى مطّلعٌ على الأمور لا يعزُبُ عن عِلمِهِ شيءٌ في الأرض ولا في السماء؛ ومن يعملْ مِثقالَ ذرةٍ خيراً يَرَه، ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يره، عندها لن يضرّك ما يعملون؛ فما خيرٌ بخيرٍ بعدَهُ النارُ، وما شرٌّ بشرٍّ بعدهُ الجنّةُ، وكن على ثقة بأنّ النوايا الحسنة الطيبة لن تضيعَ عند الله، مهما أساءَ الآخرون.
في المقابل، لا بدّ للمؤسسات أنْ تطلق نظامَ التحفيز من خلال مراقبةِ العاملين؛ بتكريم المُخْلِصين منهم، وتنبيهِ المُقَصِّرين. وتلعب وسائل الإعلام دوراً أساسياً في هذا السياق.
الخطبة الثانية:
يصادف اليوم التاسع من شهر صفر ذكرى استشهاد الصحابيّ الكبير والمجاهد العظيم عمار بن ياسر (رضي الله عنه)، وسأستثمر المناسبة لاستعراض قبساتٍ من سيرته العطرة ومواقفه التي سجّلها التاريخ بأحرفٍ من نور.
لا ريب في أنّ التعرّف على الرعيل الأول من رجالات الإسلام يسلّط مزيداً من الضوء على مرحلةٍ مهمّة من تاريخ ديننا، ما يُعيننا في بناء حاضرنا ومستقبلنا؛ باستلهام الدروس والعِبَر لتجاوز العقبات والتحدّيات. وحَرِيٌّ بنا أن نقرأ التاريخ بتمعّنٍ كي نأخذ دورنا في صناعته لصالح أنفسنا ومجتمعِنا وأمّتِنا متجنّبين تكرارَ مآسيه.
وقد بلغ من اهتمام الإمام عليّ (عليه السلام) بالتاريخ أنّه حثّ ابنه الإمام الحسن (عليه السّلام) على دراسته بعين الناقد الفاحص وذلك في الوصية التي كتبها إليه عند انصرافه من صفّين، قال فيها:
أيْ بُنَيَّ إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إلَيَّ مَنْ أُمُوِرِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلَهَمْ إلى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مَنْ ضَرَرِه( ).
وذلك بعد أن أكّد له على أهمّيّة التاريخ دليلاً للتعامل مع تصاريف الزمان؛ حيث ذكر في الوصيّة نفسِها:
أحْيِ قَلْبَكَ بالْمَوعظَةِ… وَأعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْماضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلوُّا وَنَزَلُوا. فَإنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلوُّا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَليلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ( ).
وفي عصر الفتن والتحوّلات المتسارعة التي نعيشها هذه الأيام، تزداد الحاجة للعودة إلى التاريخ بالبحث عن الشخصيات التي لم تَحِدْ عن مبادئها قيدَ أنمُلة في مواجهة التحدّيات التي واجهها الإسلام في عصر الفتنة الكبرى؛ حيث كان الحقّ قد اختلط بالباطل، سقط خلالها البعض أمام مُغرَيات الدنيا وتقلّبات الدهر، بينما ثبتت القِلّةُ على الصراط المستقيم، فصار ذكرهم خالداً واسمهم عاطراً؛ ومنهم صاحب الذكرى عمار بن ياسر، الذي تميّز بِنَفَاذِ البصيرة في الحقّ واتّباع علي (عليه السلام)، حتى قال (رضي الله عنه): واللهِ لو ضَرَبونا حتَّى يَبلُغُوا بِنَا السُّعُفاتِ من هَجَرٍ لَعَلِمنا أنَّا على الحقِّ، وأنَّهم على الباطِلِ( ).
لقد استثمر ذلك الصحابي الجليل تجربته الطويلة في الدفاع عن الإسلام، لبناء منظومة فكرية عقائدية صلبة تتكسر عليها أمواج الشبهات، حتى صار بنفسه معياراً لتحديد الحق والباطل، حتى قال رسول الله عنه كما في صحيح البخاري: تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ( ).
من هنا، من اللازم الإضاءة على جوانب من سيرته العطرة كي تكون للمسلمين عبرةً في مواجهة الفتن. فقد كان أحد السابقين الى الإسلام والجهر به. هاجر الى المدينة، وشهد بدراً وأُحُداً والخندق وبيعة الرضوان. وکان النبي (صلى الله عليه وآله) يلقبه “الطيب المطيّب”.
كان سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله) يجتمع بالمؤمنين سرّاً في دار الأرقم، حتى لا ينكشف أمرهم فيتعرّضون لانتقام أبي جهل وأبي سفيان وغيرهما من المشركين.
وذات يوم جاء عمّار بن ياسر فوجد رجلاً واقفاً عند الباب فقال: ماذا تفعل هنا يا صهيب؟ أجاب صهيب: ـ جئت أسمع كلام محمّد.. وأنت؟ قال عمّار: ـ وأنا أيضاً جئت أسمع كلامه. ودخل عمّار وصهيب، وراحا يصغيان بخشوع إلى كلمات الله وآيات القرآن الكريم.
شعر عمّار بالإيمان يملأ قلبه، كما تمتلئ السواقي بماء المطر. وعندما أراد عمّار وصهيب أن يخرجا قال سيدنا محمّد (صلى الله عليه وآله): امكثا هنا إلى المساء. كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخشى عليهما من انتقام قريش.
انتظر عمّار حتى حلّ الظلام فخرج من دار الأرقم وأسرع نحو منزله. عندما دخل عمّار، عمّت الفرحة البيت الصغير. وراح عمّار يحدّث والديه عن الإسلام دين الله. فسمع أبو جهل بعد ذلك بإسلام عمار ووالديه فجنّ جنونه وحَقَدَ عليه، وتعرّضوا لصنوف التعذيب والأذى دون أن يتنازلوا عن الحق.
ومنذ دخوله الاسلام لم يترك موقفاً فيه لله ولرسوله رضىً إلا وشارك فيه بعزمٍ راسخٍ وإيمانٍ لا يلين، يدافع عن الإسلام ورسالته، وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) كان في عداد أنصار علي (عليه السلام) قاتل معه في الجمل وصفين حتى استشهد، وصلى عليه عليٌّ (عليه السلام) متأثراً لفقده؛ إذ فقد أخلَصَ أصحابِهِ وأفضَلَهُم، وقُطِع عضُدُهُ المقتدر، واغتمّت نفسه المقدّسة وضاق صدره، فقال: رَحِمَ اللهُ عَمّاراً يوم أسلَمَ، وَرَحِمَ اللهُ عمّاراً يَومَ قُتِلَ، وَرَحِمَ اللهُ عمَّاراً يَومَ يُبعثُ حيّاً( ).
حتى أنّ علياً (عليه السلام) ذكرَهُ بالاسم شوقاً له، وَعَدّهُ في زمرة الصفوة من البشر الذين أعرضوا عن الدنيا وزخرفها وصارت الآخرة أعظم همّهم: وَبَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لَا يَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ بِصِفِّينَ أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ الْغُصَصَ وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ وَاللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ. أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ. وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ. قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ الْبُكَاءَ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام: أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ( ).
نعم أيها الأعزة، كان عمار نموذجاً لمن استوعب التاريخ ببصيرة فاختار طريق الحق، فكرّرَ مواقف التاريخ ملازماً الحقَّ وأهلَه حتى قال: قاتلتُ تحتَ هذه الرايةِ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ثلاثاً، وهذه [هي والله] الرابعة( ) في إشارة لراية عليٍّ (عليه السلام).
وقد كرر التاريخ مع عمار قصة استشهاده حين قُطِعَ رأسه وهو شيخٌ يربو على التسعين من عمره، حين استهدفت الجماعات التكفيرية مقامه الشريف بالرقة؛ وليس بغريبٍ عنهم ذلك العمل الشائن، وهم ارتكبوا أشنع الجرائم بحق الإنسانية؛ قاتَلَهُم اللُه أنّى يؤفكون!
كما كرر التاريخ نفسه مع عمار ولكن في صورة ناصعة هذه المرة حين شهدنا في السنوات الأخيرة كثيراً من الأشخاص والمجاهدين نظراء عمار بن ياسر في محور المقاومة، وفي هذا البلد الحبيب سورية من الشعب السوري المقاوم ومن القوي الحليفة والرديفة، ومنهم القائد البطل الحاج أبو وهب الشهيد همداني الذي استشهد قبل ثلاثِ سنواتٍ في حلب، ونحن نعيش ذكرى استشهاده هذه الأيام؛ فقد كان الشهيد همداني نموذجاً عمّارياً للشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الدين وقيمه السامية والوطن. وكما أنّ الإمام علي(عليه السلام) كان يفتخر بعمار، كذلك اليوم فإنّ قادة الأمة يفتخرون بالشهداء والمجاهدين والجرحى الذين نعتبرهم من صناع العز و الفخر والشرف.
أيها الأعزة، لقد شهد عليٌّ (عليه السلام) مقتل عمار وصلى عليه ورثاه، ولكن حَرَّ قلبي على زينب حين رأت جسد أخيها في كربلاء ملقى ثلاثاً بلا غسل ولا كفن، و في أيام أسرها رأت ذلك الرأس في مجلس يزيد.
قال ابن الأعثم: قال: ثم أتي بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد بن معاوية في طست من ذهب، قال: فجعل ينظر إليه وهو يقول: نفلق هاماً من رجالٍ أعزّةٍ * علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلَمَا.
وجاء في التاريخ: ثمّ وُضع رأس الحسين عليه السّلام بين يدي يزيد، وأمر بالنساء أن يجلس خلفه، لئلا ينظرنَ إلى الرأس، قال: ثم أقبل على أهل مجلسه وقال: هذا كان يفتخر علي ويقول…
قال: ثم دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (رضي الله عنه) وهو يقول: لقد كان أبو عبد الله حسن المنطق! فأقبل إليه أبو برزة الأسلمي أو غيره، فقال له: يا يزيد، ويحك! أتنكُتُ بقضيبك ثنايا الحسين وثغره؟ أشهد لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرشف ثناياه وثنايا أخيه ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقتل الله قاتلكما ولَعَنَهُ وَأَعَدَّ لهُ نارَ جهنّمَ وساءت مصيراً. أما إنك يا يزيد لتجيء يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك، ويجيءُ هذا ومحمدٌ (صلى الله عليه وآله) شفيعه. قال: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأُخرِجَ سبحاً( ).
فههنا يتذكر الإنسان المومن ما ينطق به إمام العصر (عجل الله فرجه) حينما يريد أن يسلم على جده الحسين (عليه السلام) في زيارة الناحية:  السلام على المقطع الأعضاء. السلام على الشيب الخضيب، السلام على الخد التريب. السلام على الثغر المقروع بالقضيب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*