خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 16 صفر 1440 هـ

الجمعة 16 صفر 1440 هـ

الخطبة الأولى:

الموضوع: إضاءات على أهمية واقعة أربعينية الإمام الحسين (ع)

منذ مدّة جرت عادتنا بتخصيص خطبة الجمعة الأولى لنماذج من الأخلاق الإلهية والحديث عنها، ولكن بما أنّنا مقبلِون في بحر الأسبوع القادم على مناسبة كبرى وهي ذكرى أربعينية سيد الشهداء (عليه السلام)؛ أخص كلمتي في هذه الخطبة بموضوع أربعين الامام الحسين (عليه السلام).

أيها المؤمنون والمؤمنات:

كلّ جوانب الإمام الحسين (عليه السلام) فريدة؛ مع أنّ المعصومين (عليهم السلام) جميعاً من نور واحدٍ، إلا أنّهم كانوا هم أيضاً يتعاملون مع قضيّة الحسين (عليه السلام) بطريقةٍ خاصّة ومميّزة.

كما ورد في رواية: Sعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ‘يَقُولَانِ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَوَّضَ الْحُسَيْنَ× مِنْ قَتْلِهِ أَنْ جَعَلَ الْإِمَامَةَ فِيْ ذُرِّيَّتِهِ، وَالشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ، وَإِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلَا تُعَدُّ أَيَّامُ زَائِرِيهِ جَائِيَاً وَرَاجِعاً مِنْ عُمُرِهR (المحاسن، ج‏2، ص 500).

وفي ذلك سرٌّ من أسرار الله أودعه في أبي الأحرار (عليه السلام)، يكشف بعضاً من أبعاده عبر التاريخ؛ ومنها الزيارة الأربعينيّة التي نحن على أعتابها.

ولن أخوض لضيق الوقت في أسرار مصطلح “الأربعين” بحدّ ذاته ودوره في بلوغ الكمالات الروحيّة والمقامات المعنويّة؛ إذ إنّ نظرةً عابرةً على ما ورد في معارف أهل البيت (عليه السلام) تغنيك عن التفصيل، وتكفيك مؤونة الإطناب والتطويل، ولكن لا بأس بالإشارة لبعض منها:

منها: كمال العقل في الأربعين من العمر.

منها: ظهور آثار الإخلاص بعد التفرّغ للعبادة والدعاء أربعين يوماً.

منها: التوصية بحفظ أربعين حديثاً، ومَنْ حفظها حشرهُ الله فقيهاً.

منها: استجابة دعاء أربعين شخصاً مجتمعين. وكذلك الدعاء لأربعين مؤمناً لا سيّما في قنوت صلاة الوتر.

منها: قراءة دعاء العهد أربعين صباحاً، ومن واظب عليها وفقه الله تعالى ليكون من أصحاب القائم(عليه السلام) قبل الموت أو بعد الرجعة.

منها: عدم قبول صلاة شارب الخمر إلى أربعين يوماً.

منها: بكاء أهل الأرض وأهل السماء، وما فيهما والملائكة على الإمام الحسين عليه السلام أربعين صباحاً.

منها: استحباب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين من استشهاده (ع) بكيفية خاصة كان الامام الصادق(عليه السلام) أوّل من رسم معالمها. وفيها ميزة للحسين (عليه السلام) لم تسجَّل لأحد من المعصومين (عليهم السلام) سواه؛ إذ لم تثبت لمن سبقه أو لحقه زيارة الأربعين.

أيها المؤمنون والمؤمنات:

إنّ حثّ المعصومين (عليهم السلام) على زيارة الإمام الحسين بشكل عام، وعلى زيارة الأربعين بشكل خاص يعكس عمق أهميتها من جهات عديدة.

أما حثهم (عليهم السلام) علي زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) بشكل عام  فهناك روايات، منها:

Sعَنْ جَعْفَرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ ‘ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ زِيَارَةِ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ فَقِيْلَ هَلْ فِيْ ذَلِكَ وَقْتٌ هُوْ أَفْضَلُ مِنْ وَقْتٍ؟ فَقَالَ×: زُوْرُوْهُ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ فِيْ كُلِّ وَقْتٍ وَفِيْ كُلِّ حِيْنٍ فَإِنَّ زِيَارَتَهُ × خَيْرُ مَوْضُوْعٍ، فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَقَدْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الخَيْرِ وَمَنْ قَلَّلَ قُلِّلَ لَهُR (ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج1، ص45).

فأحببت أن أستعرض بعضاً من جوانب أهميتها فيما يلي:

الأولی: إنّ الأربعين مرحلة هامّة من مراحل الثورة الحسينية، تلعب فيها الأمة ولا سيما أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) دوراً محورياً في إبقاء جذوة الثورة متّقدة حتى ظهور القائم (عجل الله فرجه)؛ فقد أدى الحسين (عليه السلام) دوره فيها حتى استشهاده يوم عاشوراء، ثم أكملت زينب المسيرة ومن بعدها الإمام السجاد (عليه السلام)، وكذلك باقي المعصومين (عليهم السلام)، لتقع المسؤولية على عاتق الأمة في عصر الغيبة لإكمال الطريق بالتمسك بالولاية والإمامة في مواجهة الظالمين.

الثانية: إنّ الأربعين مدرسة توحيدية إلهية تقرّب العبد من الله؛ وهي مدرسة أسسها الإمام الصادق (عليه السلام) لتعليم الناس زياره جدّهِ الإمام الحسين(عليه السلام) حيث قال في رواية رواها عَلِيّ بْنِ مَيمُونٍ: Sعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: يا عَلِيُّ، زُرِ الْحُسَينَ وَ لَا تَدَعْهُ. قَالَ: قُلْتُ مَا لِمَنْ أَتَاهُ مِنَ الثَّوَابِ؟ قَالَ: مَنْ أَتَاهُ مَاشِياً کَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِکُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَمَحَى عَنْهُ سَيّئَةً وَ رَفَعَ لَهُ دَرَجَةً. فَإِذَا أَتَاهُ، وَّكّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَکينِ يکْتُبَانِ مَا خَرَجَ مِنْ فِيهِ مِنْ خَيرٍ ولَا يکْتُبَانِ مَا يخْرُجُ مِنْ فِيهِ مِنْ شَرٍّ وَلَا غَيْرَ ذَلكَ. فَإِذَا انْصَرَفَ وَدَّعُوهُ وَقَالُوا: يا وَلِيَّ اللَّهِ مَغْفُوراً لَك أَنْتَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ وَحِزْبِ أَهْلِ بَيتِ رَسُولِه، وَاللَّهِ لَا تَرَى النَّارَ بِعَينِكَ أَبَداً وَلَا تَرَاکَ وَلَا تَطْعَمُكَ أَبَداًR. (ابن قولويه، کامل الزيارات، ص134).

الثالثة: إنّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا اليوم ماشياً أو راكباً، من بعيد أو قريب، هي حلقة وصل بين الأمة وبين الامام المهدي (عليه السلام)؛ تأكيداً على الهدف الموحّد الذي يجمعهما في ملء الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً، ويكفي أنّ كلمات أول بيان رسمي لصاحب الأمر حين ظهوره ستكون مستوحاة من كلمات جده الحسين (عليه السلام). وإنّ اجتماع الأمة لإحياء الأربعين بالملايين وفي مكان واحد من مختلف نقاط البسيطة مقدّمة أو بالمصطلح العسكري الحديث “مناورة بالذخيرة الحية المعنوية” استعداداً لظهور الموعود والانضواء تحت لوائه. اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه؛ حين ينادي مخاطباً العالم كلّه:

Sألا يا أهلَ العالَم، أنَا الإمام القائِم. ألا يا أهلَ العالَم، أنَا الصَّمصامُ المُنتَقِم. ألا يا أهلَ العالَم، إِنَّ جَدِي الحُسَين قَتَلُوهُ عَطشاناً. ألا يا أهلَ العالَم، إنَّ جَدِي الحُسَين طَرَحُوهُ عُرياناً. ألا يا أهلَ العالَم، إنَّ جَدِي الحُسَين سَحَقُوهُ عُدواناًR “إلزام الناصب للحائري” : ج2ص246.

الخطبة الثانية:

أيها الاخوة و الأخوات، إنّنا مقبلون في بحر الأسبوع القادم على مناسبة كبرى وهي ذكرى أربعينية سيد الشهداء (عليه السلام)؛ تلك الواقعة التاريخية التي تجاوزت حدود الزمان والمكان وصارت خالدةً بخلود صاحبها، وتحوّلت إلى رمز يجمع ملايين البشر من مختلف جهات الأرض في مكان واحد وزمان واحد، بقلوب تملؤها حرارة العشق الحسينيّ وأفئدة تهفو لتلك القبة الزاهرة بعد قطعها مسافاتٍ طويلة على أقدامها، في مسيرة لم ولن يشهد التاريخ مثيلاً لها “مشّايةً” لم يَفُتّ من عزمها السير على نهج الثورة الحسينيّة منذ قرون رغم ظلم الظالمين وطغيان الجبابرة الطاغين، ولسان حالهم وعملهم يردّد بأعلى الصوت: “لو قطّعوا أرجلنا واليدين… نأتيك زحفاً سيدي يا حسين”… ونحن معاً نردّد بأعلى الصوت: “لبيك يا حسين…”.

أيها المؤمنون والمؤمنات، عطفاً على بدءٍ؛ في سياق الحديث عن أهمية إحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، لم أعثر على تحليل دقيق حول فلسفة تلك الواقعة أعمقَ وأرقى من كلام سماحة الإمام القائد الخامنئي (دام ظله) في هذا الخصوص.

وما يزيد من أهمية ما ذكر سماحته، أنّ كلماته التي سأوردها بعد قليل جاءت قبل أكثر من خمسة وأربعين عاماً مضت؛ أي قبل انتصار الثورة الإسلامية المبارك، وقبل أن تصبح مناسبة الأربعين بهذه المهابة من الإحياء والعالمية كما عليها اليوم. فقد ألقى سماحته تلك الكلمة بتاريخ يوم الجمعة الموافق للعشرين من شهر صفر سنة 1394 هـ. ق، وذلك ضمن سلسلة دروس شرح خطب نهج البلاغة التي كان يلقيها في مسجد الإمام الحسن (عليه السلام) بمدينة مشهد المقدّسة؛ إذ تزامن درس سماحته آنذاك مع مناسبة ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، فقدّم تحليلاً تاريخياً جامعاً عن فلسفة زيارة الأربعين وأهميتها، فقال (وأظنها تذكر لأول مرة باللغة العربية على هذا المنبر بجوار مقام السيدة زينب (عليها السلام) بتصرف وإيجاز):

“… كان الشيعة مشتَّتين في البلدان والنواحي؛ فبعضهم كان يقطن المدينة وآخرون في الكوفة والبصرة والأهواز وقم وخراسان وغيرها من المناطق. إلا أنّ روحاً واحدةً كانت تجمع تلك الأعضاء المتفرّقة، كخيط المسبحة الذي ينظّم حباتها وتصلها ببعض… ذلك الخيط كان يتمثّل في الولاء والطاعة لمركز القيادة المتمثّل بالإمام الذي كان محيطاً بأخبار شيعته وأتباعه. ولعل فردين من الشيعة في ذلك الزمان لم يكونا يعرفان بعضهما، إلا أنّ الإمام كان على تواصل معهما ومع جميع شيعته؛ يتلقى أخبارهم ويبلّغهم تعاليمه. الأمر الذي جعل من ممارسات الشيعة ونشاطاتهم مدروسة وموزونة؛ فنداءاتهم وصمتهم وتصرفاتهم لا تصدر إلا وفق حساب وكتاب…

بقي نقص واحد كان يعيب عملهم؛ وتجسّد في قلّة تواصلهم مع بعض. نعم ربما كان تواصل أهل مدينة أو منطقة من الشيعة متاحاً. إلا أن الحاجة كانت ماسّةً لعقد منتدىً عالميٍّ يجمع الشيعة من مختلف الأصقاع، في زمان معيّن ومكان معيّن وظروف معيّنة. فتمّ تحديد المناسبة لذلك المؤتمر العالمي ووقع الأمر على مناسبة وزمان ذكرى أربعينية الحسين (عليه السلام)، والمكان أرض كربلاء…

لأن روح الشيعة روح كربلائية وعاشورائية تنبض قلوبهم بعاشوراء، يتوجهون إلى عاشوراء الحسين (عليه السلام) أينما وأنّى كانوا… وكلّ ما نشهده من حراكات شيعية تستمدّ قوتها من ذلك المرقد الحسيني الطاهر… إنها شعلة متقدة تستمدّ جذوتَها من تلك الروح الحسينية المقدّسة ويتعالى نورها من صعيده الطاهر لتوقد الأرواح والنفوس بحرارتها محوّلة إياهم لرصاصٍ حارقٍ تخترق قلوب الأعداء…

إذن قضية الأربعين قضية هامّة… فالأربعين ميقات الشيعة في مؤتمر عالمي دولي على أرض مليئة بالذكريات الجليلة العظيمة… أرض الشهداء… مزار المضحّين في سبيل الله… هناك حيث يجتمع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ليتكاتفوا أكثر ويتعاهدوا على الوفاء والولاء… هذا هو الأربعين..R

هذا ما قاله الإمام الخامنئي قبل خمسة وأربعين عاماً، وفي الأسبوع الماضي في لقائه مؤخراً مع عدد من عوائل شهداء الدفاع عن الحرم، أشار إلى التشابه الموجود بين حركة المدافعين عن المقدسات خلال الأعوام الأخيرة وحركة من بذلوا الأرواح في فترة حكم الخلفاء العباسيين، وقال سماحته: Sلو لم يضحّ أحدٌ هناك، لما عمّت قوّة وهيمنة محبّة الإمام الحسين (عليه السلام) العالم هكذا، ولكان العدو على بعد كيلومترات من القبر الشريف لأبي عبدالله الحسين (عليه السلام). ما قام به شهداؤكم هؤلاء في هذه الفترة من الزمن خارج البلاد يشبه في الواقع ما قام به أولئك الذين استطاعوا حفظ قبر سيدنا أبي عبد الله بأرواحهمR.

وتابع سماحته: Sإذا كنتم ترون أفراداً من بلدان متعددة من فرس وترك وأردو وبلدان أوروبية وحتى من أمريكا يشاركون في مسيرات الأربعين، فمن الذي قام بهذا؟  لقد وضع اللبنة الأولى والأساس لهذا العمل أولئك الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل زيارة قبر أبي عبد الله (عليه السلام). وأبناؤكم هؤلاء أيضاً ساروا على هذا النحو والطريق ولو لم يكن أبناؤكم الأعزاء هؤلاء، وشهداؤكم الأبرار، هؤلاء الذين ساروا وتحملوا كل ذلك الجهاد، لبلغ العدو مشارف القبر الشريف لسيدنا أبي عبد الله وتقدّم إلى مسافة عدة كيلومترات من كربلاء، كانوا يقصفون كربلاء بقاذفات قصيرة المدى قذائف 60، شبابكم هؤلاء ساروا بين آلاف الأشخاص الآخرين وكشفوا ذلك البلاء عن الإسلام والمسلمينR.

نعم أيها الأعزاء، خطاب سماحة الإمام القائد (دام ظله) موجه إليكم أيضاً؛ يا أبناء المقاومة في سوريا الصمود والعراق الأبيّ؛ ألم تشهدوا قبل سنوات تغَوّل داعش والتكفيريين الإرهابيين بدعم من الاستكبار والصهيونية والرجعية؟ ألم يكونوا على بُعد عشرات الأمتار من مقام السيدة زينب (سلام الله عليها)؟ ألم يحاولوا سدّ الطريق على الزوار ونشر الخوف والفوضى؟ فماذا كانت النتيجة؟ هبّ أبناء الحسين (عليه السلام) شباباً وشيوخاً وأطفالاً ونساءً للدفاع عن دينهم ووطنهم وعزتهم وكرامتهم، وضربوا أروع أمثلة التضحية والفداء، وقدموا الشهداء تلوَ الشهداء، حتى اندحر الأعداء وخاب سعيهم مذؤومين مدحورين.

وها نحن اليوم وعلى أعتاب أربعين الحسين (عليه السلام)، وببركة دماء الشهداء وتضحياتهم ننعم والزوار بالأمن والأمان في أداء مراسم زيارة الأربعين سواء في سوريا أو العراق. فتحيةً وسلاماً للشهداء مدافعي الحرم والجرحى الشهداء الأحياء وعوائلهم المضحية، وتحية لمحور المقاومة وأبنائها على امتداد المنطقة من إيران للعراق لسوريا للبنان واليمن وفلسطين.

ومن المشهور عند الشيعة أنّ الأربعين هو اليوم الذي زار فيه الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي نفس ذلك المكان والزمان حصل لقاء بينه وبين أهل البيت (عليهم السلام) عندما رجعوا من الشام لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام).

ولنستمع إلى تفاصيل تلك الزيارة التاريخية:

عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَائِرَيْنِ قَبْرَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام ) فَلَمَّا وَرَدْنَا كَرْبَلَاءَ دَنَا جَابِرٌ مِنْ شَاطِئِ الْفُرَاتِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ائْتَزَرَ بِإِزَارٍ وَارْتَدَى بِآخَرَ ، ثُمَّ فَتَحَ صُرَّةً فِيهَا سُعْدٌ فَنَثَرَهَا عَلَى بَدَنِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا ذَكَرَ اللَّهَ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْقَبْرِ قَالَ أَلْمِسْنِيهِ، فَأَلْمَسْتُهُ فَخَرَّ عَلَى الْقَبْرِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، فَرَشَشْتُ عَلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الْمَاءِ فَأَفَاق. ثُمَّ قَالَ: يَا حُسَيْنُ ـ ثَلَاثاً ـ ثُمَّ قَالَ: حَبِيبٌ لَا يُجِيبُ حَبِيبَهُ.

ثُمَّ قَالَ : وَ أَنَّى لَكَ بِالْجَوَابِ وَ قَدْ شُحِطَتْ أَوْدَاجُكَ عَلَى أَثْبَاجِكَ، وَفُرِّقَ بَيْنَ بَدَنِكَ وَرَأْسِكَ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ ابْنُ النَّبِيِّينَ، وَابْنُ سَيِّدِ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنُ حَلِيفِ التَّقْوَى وَسَلِيلِ الْهُدَى، وَخَامِسُ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ، وَابْنُ سَيِّدِ النُّقَبَاءِ، وَابْنُ فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ، وَمَا لَكَ لَا تَكُونُ هَكَذَا وَقَدْ غَذَّتْكَ كَفُّ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَرُبِّيتَ فِي حَجْرِ الْمُتَّقِينَ، وَرَضَعْتَ مِنْ ثَدْيِ الْإِيمَانِ، وَفُطِمْتَ بِالْإِسْلَامِ، فَطِبْتَ حَيّاً وَطِبْتَ مَيِّتاً، غَيْرَ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ طَيِّبَةٍ لِفِرَاقِكَ، وَلَا شَاكَّةٍ فِي الْخِيَرَةِ لَكَ، فَعَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَخُوكَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا.
ثُمَّ جَالَ بِبَصَرِهِ حَوْلَ الْقَبْرِ ، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْأَرْوَاحُ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَاءِ الْحُسَيْنِ وَأَنَاخَتْ بِرَحْلِهِ، أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَأَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَجَاهَدْتُمُ الْمُلْحِدِينَ ، وَ عَبَدْتُمُ اللَّهَ حَتَّى أَتَاكُمُ الْيَقِينُ ، وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لَقَدْ شَارَكْنَاكُمْ فِيمَا دَخَلْتُمْ فِيهِ.                              
قَالَ عَطِيَّةُ: فَقُلْتُ لِجَابِرٍ، وَكَيْفَ وَلَمْ نَهْبِطْ وَادِياً، وَلَمْ نَعْلُ جَبَلًا، وَلَمْ نَضْرِبْ بِسَيْفٍ، وَالْقَوْمُ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَ رُءُوسِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَأُوتِمَتْ أَوْلَادُهُمْ، وَأَرْمَلَتِ الْأَزْوَاجُ؟! فَقَالَ لِي: يَا عَطِيَّةُ، سَمِعْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: ” مَنْ أَحَبَّ قَوْماً حُشِرَ مَعَهُمْ”.

قال عطيّة: فَبَينَمَا نَحنُ كَذَلِكَ وَإِذَا بِسَوَادٍ قَدْ طَلَعَ مِنْ نَاحِيَةِ الشّامِ، فَقُلتُ: يا جَابرُ هَذا سَوَادٌ قَدْ طَلَعَ مِنْ نَاحِيَةِ الشّامِ، فَقَالَ جَابِرُ: اِنطَلِقْ إلَى هَذا السّوَادِ وائتِنَا بِخَبَرِهِ، قَال فَمَضَى العَبدُ، فَمَا كَانَ بِأَسرَعَ مِنْ أَنْ رَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: يا جَابرُ قُمْ وَاسْتَقْبِلْ حُرَمَ رَسولِ اللهِ، هَذا زَينُ العابِدِينَ (عليه السلام) قَدْ جَاءَ بِعَمّاتِهِ وَأَخَواتِهِ، فَقَامَ جَابِرُ يَمشِي حَافِيَ القَدَمَينِ مَكشُوفَ الرأْسِ إلى أَنْ دَنَا مِنْ زَينِ العابِدِينَ (عليه السلام). فقال الإمامُ (عَلَيهِ السلامُ): أنت جابر؟ فقال: نَعَمْ يا ابْنَ رَسولِ اللهِ، فقال: يا جابِرُ ها هُنا واللِه قُتِلَتْ رِجَالُنا, وَذُبِحَتْ أطْفَالُنا, وَسُبِيَتْ نِسَاؤُنا وَحُرِقَتْ خِيَامُنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*