خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 23 صفر 1440 هـ

خطبة الجمعة 23 صفر 1440

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهيّة- الإخلاص 2)

عوداً على بدءٍ؛ لنستكمل ما كنّا قد بدأنا الحديثَ عنه في خطبة الجمعة الأسبوعَ قبلَ الماضي حول الإخلاص لله تعالى ضمن سلسلة الأخلاق الإلهيّة التي نسأله تعالى أن يَهَبَ لنا مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيعْصِمَنا مِنَ الْفَخْرِ والنفاق.

أيها المؤمنون والمؤمنات

إنّ أكثر ما تعانيه مجتمعاتنا من أمراض اجتماعية واقتصادية تعود بجذورها إلى ضعف حالة الإخلاص السائدة، ما أدّى إلى استفحال داء الرياء المذموم الذي يكلّف باهظَ الأثمان وينشر الحقد والكراهية والعصيان. وليس ذلك الأمر بغريبٍ؛ فعندما يفرغ القلب من ذكر الله والآخرة، يستولي عليه حبّ الدنيا؛ فترى صاحبَه- والعياذ بالله- مستهتراً بالقيم الأخلاقية ومستخفّاً بالتعاليم الدينية في سبيل تحقيق مآربَ دنيوية؛ فيكذب وينافق ويسرق محاولاً تغطية عقدة نقصه بالمراءاة؛ فيرتدي أفخر الثياب ويتخيّر أفخم المقتنيات. غافلاً عن أنه بذلك يشقّ بيده الطريق إلى الهاوية والنار ببغيه وطغيانه. ناهيك عمّا ينتظره من كوارث دنيوية وأزماتٍ نفسيّة اجتماعيّة تقضّ المضاجع وتهزّ الأركان.

ألسنا ندّعي بأننا حسينيون وزينبيات؟ فأين نحن من رسالتِهم التي قدّموا أغلى ما يملكون في سبيلها؟يكفينا في إخلاص الإمام الحسين (عليه السلام) أنّ ثورته لم تكن بحثاً عن منصب أو مال أو جاه أو حكم، وقد كانت الدنيا طوعَ يديه فاستحقت ثورة الحسين (عليه السلام) الخلود بإخلاصه ومن معه حين أعلنها مدوّيةً منذ البداية: Sإني لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلا بَطَرًا، وَلا مُفْسِدًا وَلا ظالِمًا، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأَبي عَلِيّ بْنِ أَبي طالِب R[بحار الأنوار، ج‏44، ص:329]

أمّا علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) فقد قدّم نموذجاً آخر للإخلاص كي نقتديَ به، ولنسمع لهذه الرواية التي ينقلها طاووس اليمانيّ:

Sرَأَيْتُهُ–السجاد ع- يَطُوفُ مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى سَحَرٍ وَ يَتَعَبَّدُ فَلَمَّا لَمْ يَرَ أَحَداً رَمَقَ السَّمَاءَ بِطَرْفِهِ وَ قَالَ إِلَهِي غَارَتْ نُجُومُ سَمَاوَاتِكَ وَ هَجَعَتْ عُيُونُ أَنَامِكَ وَ أَبْوَابُكَ مُفَتَّحَاتٌ لِلسَّائِلِينَ جِئْتُكَ لِتَغْفِرَ لِي وَ تَرْحَمَنِي وَ تُرِيَنِي وَجْهَ جَدِّي مُحَمَّدٍ ص فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ بَكَى وَ قَال‏: ….. ثم بكى…. ثُمَّ خَرَّ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِداً قَالَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ شُلْتُ بِرَأْسِهِ وَ وَضَعْتُهُ عَلَى رُكْبَتِي وَ بَكَيْتُ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَوَى جَالِساً وَ قَالَ مَنِ‏ الَّذِي‏ أَشْغَلَنِي‏ عَنِ‏ ذِكْرِ رَبِّي‏ فَقُلْتُ أَنَا طَاوُسٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا هَذَا الْجَزَعُ وَ الْفَزَعُ وَ نَحْنُ يَلْزَمُنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا وَ نَحْنُ عَاصُونَ جَانُونَ أَبُوكَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ أُمُّكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَ جَدُّكَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا طَاوُسُ دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَ أُمِّي وَ جَدِّي خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَ أَحْسَنَ وَ لَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً وَ خَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَ لَوْ كَانَ وَلَداً قُرَشِيّاً R(مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 151).

فعلينا أن نراقب أنفسنا جيداً ونتخلق بالإخلاص، كما يقول الإمام الخميني قدس سره: Sراقب قلبك وانتبه له، وأَخضِعْ أعمالك وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة، وفتش في خبايا قلبك، وحاسبه حساباً شديداً مثلما يحاسب شخص من أهل الدنيا شريكه، واترك كل عمل فيه شبهة الرياء والتملق ولو كان عملا ًشريفاً جداً. وإذا رأيت أنك لا تستطيع أداء الواجبات بإخلاص في العلن، فأدِّها في الخفاء مع أنه يستحب الإتيان بها في العلنR.

أيها الإخوة والأخوات:

إنّ بلوغ مقام الإخلاص يحتاج إلى تزكية النفس والصبر والمصابرة بعد توفيق الله تعالى والتوسّل بأوليائه المعصومين (عليه السلام)Pأَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَO (سورة آل عمران، الآية 142)؛ إذ به يختصر العبد الطريق إلى ربّه ويغنيه طول السفر ووعورة الطريق، بل يوفَّر عليه الجهدَ والتعب، ولنستمع إلى نماذج من أحاديث المعصومين (عليه السلام) في ذلك:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): Sأَخلِصْ قَلبَكَ يَكفِكَ القَليلُ مِنَ العَمَلِR (بحار الانوار، ج73، ص175).

وعنعلي(عليه السلام): Sتَصفِيَةُ العَمَلِ خَيرٌ مِنَ العَمَلِR (بحار الأنوار، ج78، ص90).

وعن الإمام العسكري (عليه السلام): Sلو جعلتُ الدنيا كلها لُقمةً واحدةً، ولقّمتها مَنْ يعبدُ اللهَ خالِصَاً لَرَأَيتُ أني مقصر في حقهR (بحار الأنوار، ج70، ص245).

فالإخلاص معيار انتخاب الأصلح لقيادة المجتمع نحو الخير والسعادة؛ فعن الإمام الهادي (عليه السلام): Sلو سَلَكَ الناسُ وَادِياً وَشِعْبَاً لَسَلَكتُ وَادِيَ رَجُلٍ عَبَدَ اللهَ وَحدَهُ خَالِصاًR (تنبيه الخواطر، ج2، ص109).

كما أنّ الإخلاص شرط قبول الأعمال وارتفاعها كاملةً إلى الله؛ فعنه (صلى الله عليه وآله): Sإنَّ اللهَ تَعَالى لَا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصاً، وابتغ به وجههR (كنز العمال، 5261).

وعن الإمام علي (عليه السلام): Sلَيسَتِ الصّلاةُ قِيامَكَ وَقُعُودَكَ، إِنّمَا الصّلاةُ إِخلاصُكَ، وأنْ تُريدَ بِها اللهَ وَحْدَهُR(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج١، ص٣٢٥).

وأمّا إذا أخلصتَ النية والعمل فلكَ أنْ تنتظر بركاتٍ من السماء والأرض. ومنها قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): Sمَا أَخلَصَ عَبدٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ أربعينَ صَبَاحاً إِلا جَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلبِهِ على لِسَانِهِR(عيون أخبار الرضا، ج2،ص 69).

وإليكم مثالاً عمليّاً عن إخلاص علي(عليه السلام) في غزوة الخندق:

لمّا تمكن نفر من الكفار – ومن بينهم عمرو بن عبد ود – من التسلّل عبر الخندق، أخذ عمرو يجول بفرسه وهو ينادي: هل من مبارز؟! فلم يجرؤ أحدٌ من المسلمين على الخروج له، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: من له؟ فسكت الجميع إلّا علياً إذ نهض وقال: أنا له يا نبي الله.

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): “إنّه عمرو اجلس! فنادى عمرو ثانية: ألا من رجل؟ ثمّ أخذ يلومهم ويقول: أين جنّتكم التي تزعمون أنّ من قتل منكم دخلها؟ فلم يجب إلّا عليّ إذ نهض وقال: أنا له يا رسول الله، فأجابه الرسول بمثل ما أجابه في المرّة الأولى، فنادى عمرو ثالثة فلم يجبه أحدٌ أيضاً غير الإمام عليّ (عليه السلام) إذ نهض وقال: يا رسول الله أنا له.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّه عمرو”، فقال عليه السلام: “وإن كان عمراً”، فاستأذن رسول الله فأذن له وخرج عليه السلام إلى عمرو.

وخلاصة الحديث، أنَّ علياً (عليه السلام) يطرح بطل الأبطال على الأرض ويجلس على صدره ليحتزّ رأسه وهنا يبصق عمرو في وجه عليّ (عليه السلام)، فيقوم الإمام (عليه السلام) من فوق صدره، ويأخذ بالسير بهدوء بالقرب منه وبعد فترة يعود فيجلس مرّة أخرى على صدره ويهم بقطع رأسه فيُسأَل عن سبب قيامه (عليه السلام) أوّلاً ثمّ عودته ثانية، فكان جواب الإمام (عليه السلام) أنّه غضب عندما بصق اللعين في وجهه الشريف، وهنا تركه خشية من أنّه إن قتلهُ وهو غاضب فقد يحتمل أن يكون ذلك غضباً لنفسه لا لله، فقام عنه حتَّى هدأ (عليه السلام) وعاد فقتله لله تعالى لا لغيره.

بهذا الإخلاص الأسطوريّ، بلغ عليُّ(عليه السلام) تلك المكانة العظمى حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): Sلَضربة عليٍّ يَومَ الخَندَقِ أَفضَلُ مِنْ عِبادَةِ الثّقَلَينR(مستدرك الحاكم ج3 ص32).

تأكيداً على أهمية الإخلاص في إضفاء قيمةٍ مضافةٍ على الأعمال كما ذكرنا.

 وأختم بما رواه الشهيد مرتضى مطهري من قصة تحكي معانيَ الإخلاص:

حضرت دروس المرحوم آية الله العظمى البروجردي ثمانيَ سنوات، فتعلّق قلبي به لِما وجدت فيه مثالاً لرجل الدين الحقيقيّ والمؤمن الكامل المتّقي. وعندما أصيب بعارض صحي، زرته وهو على فراش المرض الذي أدى لوفاته بعد عدّة أيام. فوجدته في حالة تأثّرٍ شديدٍ يعبّر عن ضيقهِمن التقصيرِ في العمل أيّامَ حياته (مع أنّ حياته طافحة بالإنجازات)، فبادرتُهُ بالقول: لماذا تقولون ذلك؟ وأنتم بحمد الله قد نلتم تلك الدرجة العالية من التوفيق والسداد وأدّيتم عظيم الخدمات! فيا ليتنا كنا مثلكم وهذه صحيفة أعمالكم المشرقة أكبر دليل. فلم يُعِر اهتماماً بمدحي إيّاه، واكتفى بالإجابة بهذا الحديث:S أَخْلِصِ الْعَمَلَ فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِيرR (بحار الأنوار، ج 13، ص 431 مع اختلاف بسيط).

وكأنّ الأمر صفقة طرفها الآخر هو الله العالم الدقيق في تفحّص البضاعة المزجاة إليه. فواحسرتاه على من يفرّط في جنب الله بتقديم أعمالٍ مشوبةٍ بالرياء بعيداً عن الإخلاص!

الخطبة الثانية:

تمضي الأيام والدهور، ليشهد التاريخ والعالم أجمع صدقَ نبوءةِ صاحبةِهذا المقام، حين خاطبت ابن أخيها زينَ العابدين (عليه السلام) في تلك الساعات الصعبة مستشرِفةً المستقبلَ الزاهر للخطّ الحسينيّ، قائلةً بإخلاص عظيم لله:S لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أُنَاسٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا تَعْرِفُهُمْ‏ فَرَاعِنَةُ هَذِهِ‏ الْأُمَّةِ وَ هُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا وَ هَذِهِ الْجُسُومَ الْمُضَرَّجَةَ وَ يَنْصِبُونَ لِهَذَا الطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَ لَا يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَ أَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَ تَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَ أَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّاً R(كامل الزيارات، ص259).

وهاهي ذكرى أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) التي أحييناها مع الملايين خلال الأسبوع الحالي أعظمُ تجلٍّ للإخلاص الجَمعيِّ تجاهَ النهج الإلهيّ، يكتنز في أعماقه من المعاني والرموز أكثرَ بكثير ممّا شهدته عيون العالم وسمعت به آذانه عبر وسائل الإعلام أو عياناً.

فـ”الأربعين” ملحمة حضاريّة تاريخيّة ثوريّة إنسانيّة خالدة تجسّد انتصار القيم العليا واستمرارها في مواجهة الظلم والبغي والعدوان عبر العصور.”الأربعين” صوت الرفض المدوّي للجرائم التي تُرتكَب بحقّ الإنسانيّة.”الأربعين” رسالة الحقّ القاطعة بانتصار الدم على السيف، وفضحٌ لممارسات يزيد واليزيديين ضدّ الإسلام والمسلمين، بل ضدّ الإنسانيّة جمعاء.

نعم، لا ريب أنّ من أهداف “الأربعين” التشرّفَ بزيارة الحسين (عليه السلام) وتجديد العهد به، إلا أنّ زينب (سلام الله عليها) منحت للقضيّة أبعاداً أخرى حين زارت ثرى أخيها الشهيد ومن معه؛ إذ أعادت سردَ ما جرى في عاشوراء وما بعدها لتكشف الحقائق وتشقّ التكتّم الإعلاميّ اليزيديّ معلنةً بأعلى الصوت ثورتها على الجور والانحراف والتزوير، مؤكِّدةً ما أعلنه الحسين (عليه السلام) من أهداف ثورته في العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

في “الأربعين” رفعت زينب (سلام الله عليها) تقريراً كاملاً لأخيها الحسين (عليه السلام) عمّا قامت به من أعمال في مواجهة مستكبري عصرها، وما اتّخذت من خطوات عمليّة في سبيل صون الرسالة الحسينيّة، وما قدّمت من تضحيات جِسامٍ في طريق ذات الشوكة. وكيف أدّت جهادها “الإعلاميّ” بتلك المواقف والخطبالعَصماء مقابلَ طاغية زمانها مقرِّعةً إيّاه ومؤنِّبةً: Sفَكِدْ كَيْدَكَ‏ وَ اسْعَ سَعْيَكَ وَ نَاصِبْ جُهْدَكَ فَوَ اللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَ لَا تُمِيتُ وَحْيَنَا<

ولا يزال صدى زينب (سلام الله) يتردّد حتى يومنا هذا، مزلزلاً كيان الطغاة والمستكبرين، محذِّراً إيّاهم من المصير اليزيديّ الذي ينتظرهم مهما طغوا وتجبّروا.

أيها المؤمنون والمؤمنات

في “الأربعين” نتعلّم من زينب (سلام الله عليها) كيف ينبغي النهوض لإيقاظ الأمّة من رُقادها وكسر أسوار الحصار الإعلاميّ وتجاوز ضباب الحرب النفسيّة بتعزيز روح الإخلاص والمقاومة والبصيرة وعيش آلام الأمة وآلامها والسير في خطّ الولاية والاستقامة فيه ونشر تلك الثقافة بكلّ وسيلة ممكنة، وعدم التذرّع بالحجج الواهية بالعجز.

ألم تكن زينب (سلام الله عليها) أسيرةً؟ ألم يكن زين العابدين أسيراً؟ فهل استسلما لليأس؟ كلّا؛ لقد قاما بما يملكان من بصيرة وإخلاص ووعيٍ وثباتٍ وبيانٍ بكسر الحصار المُطبِقِ على رسالة الثورة الحسينيّة، وتوعية الأمّة وفضح ممارسات يزيد. ألا يدفعنا ذلك للعمل في عصرنا لانتهاج ذلك النهج عبر وسائل الإعلام والتواصل على أقلّ تقدير؟!

يا زوّار مقام العقيلة:

إنّ التاريخ يعيد نفسه اليوم. فقد اصطفّ الأعداء من استكبار وصهيونية وأذنابهما مرّةً أخرى للنيل من الأمّة وتشويه دينها؛ وهذه جرائمهم التي شهدناها ونشهدها في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والبحرين لا تُبقي مجالاً للشكّ فيما يرومون.

ولا أَدَلَّ على ذلك من تعرّضهم لأتباع النهج الحسينيّ في نيجيريا في مراسم أربعين هذا العام؛ حيث استشهد عدد منهم، ليلتحقوا بقافلة سيد الشهداء (عليه السلام) اقتداءً بـ”جون” الشهيد بكربلاء… وسْطَ صمتٍ عالميٍّ مُخزٍ أقرب للتواطؤ.

في هذا العالم الذي يتحكّم به الاستكبار وأدواته، لا صوتَ يرتفع بالحقّ إلا صوت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة، كما ارتفع صوت زينب وزين العابدين (عليه السلام) من قبلُ.

أيُّ نفاقٍ يسود ما يسمّى المجتمع الدوليّ؟! وهو يشاهد أطفال اليمن يحترقون بالقصف والمجاعة، وأطفال فلسطين يُذبَحون كالأضاحي، وأبناء الشيخ الزكزاكيّ بنيجيريا يغرقون بدمائهم؛ دون أن ينبس ذلك المجتمع ببنت شَفَةٍ!!

أيُّ خزيِ وعارٍ أكبر من ذلك الصمت تجاه تلك الجرائم المروِّعة بحقّ ملايين الأبرياء من نساء وأطفال وشيوخ، لتبادر أمريكا مؤخّراً بالطلب من آل سعود وضع حدٍّ للحرب في اليمن، ولكن ليس تأثّراً بمعاناة الملايين من اليمنيين المظلومين، بل بسبب مقتل صحافيٍّ في قنصلية آل سعود بتركيا! فيا لَلوقاحة والصفاقة! كما يقول الشاعر:

قتلُ امرئٍ في غابةٍ        جريمةٌ لا تُغتَفرْ

وقتلُ شعبٍ آمنٍ         مسألةٌ فيها نظرْ

والحقُّ للقوّةِ لا           يُعطاهُ إلا من ظفَرْ

ذي حالةُ الدنيا فَكُنْ      من شرِّها على حذَرْ

يا زوّار العقيلة:

هنيئاً لكم توفيق الزيارة في هذه الأيام، ولكن هناك مسؤوليةٌ كبرى ملقاةٌ على عاتقكم أيضاً، وتتمثّل في نقل الرسالة الحسينية الزينبية إلى أوطانكم؛ فأنتم سفراء الثقافة الحسينية الزينبية في سبيل رفعة الأمة ونهضتها.

انشروا في العالم رسالة الأربعين التي ضحّى من أجلها المدافعون عن حرم آل الله شهداءَ في سوريا والعراق، وشعارهم كان ولا يزال: “لبيك يا حسين”.

وَلْنُعِد معاً ذلك الشعارَ الذي ردّده قبل أيام أكثر من عشرين مليون زائر عند مقام الحسين (عليه السلام)، ولكن هذه المرّة من مقام أخته زينب (سلام الله عليها): “لبيك يا حسين”.

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا أبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الأرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ، عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ أَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*