خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 8 ربيع الأول 1440 هـ

8 ربيع الأول 1440

الموضوع: الإمام العسكريّ (عليه السلام) وتعدّد المهامّ والمسؤوليّات.
الخطبة الأولى:
بما أن هذا يوم ذكرى استشهاد الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) نتقدّم بخالص العزاء وصادق المواساة من مولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف) ومراجعنا العظام، لا سيّما ولي أمر المسلمين سماحة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) ومنكم جميعاً أيها المؤمنون والمؤمنات بهذه المناسبة الأليمة. وأستعرض في هذه الخطبة مقتطفاتٍ من سيرته العطرة تحت عنوان “الإمام العسكريّ (عليه السلام) وتعدّد المهامّ والمسؤوليّات”.
أيها الأعزاء:
لقد عاش الإمام العسكريّ (عليه السلام) مرحلةً تاريخيّةً حسّاسةً فريدةً من النواحي السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة؛ ما يجعل من غير الصحيح مقارنتها بغيرها من مراحل حياة المعصومين (عليه السلام)، الأمر الذي يوضّح الدور الاستثنائيّ الذي لعبه من خلال أداء مسؤولياتٍ متعدّدة وخطيرة في أقصر مجالٍ زمنيٍّ متاحٍ من مدّة إمامته. ناهيك عن تمهيده لخلق الظروف الملائمة لقيام الإمام من بعده بمهامِّه العالميّة بملءِ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وإعداد الشيعة لمرحلة الغَيبة. وفي ما يلي بعضٌ من تلك الإنجازات التي حقّقها الإمام العسكريّ (عليه السلام) في ذلك المسار:
الأول- توجيه أتباعه والتواصل معهم عبر الالتفاف على أعين الرقابة العبّاسيّة:
وهو يشترك مع غيره من المعصومين (عليهم السلام) في هذا الأمر، إلا أنّ ظروف الاختناق المفروضة عليه في عصره جعلت مهمّته أصعب؛ ما دفعه للعمل خُفيةً لأداء مسؤوليّته التوجيهيّة وتأهيل كوادره للعمل بهذا الأسلوب، حتى إنّ أعزَّ أصحابه “عثمان بن سعيد العمريّ” كان يقوم بنشاطاته تحت غطاء تجارة السمن، موصِلاً أموال الشيعة للإمام (عليه السلام) في جِراب السمن وزِقاقِه تستُّراً.
كما نلاحظ مبادرة الإمام(عليه السلام) الى ابتكار أساليب جديدة في ايصال أوامره ووصاياه الى وكلائه وثقاته وإليكم نموذجاً منها:
> أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْأَسْوَدِ وَقَّادُ حَمَّامِ أَبِي مُحَمَّدٍ ع قَالَ: دَعَانِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَدَفَعَ إِلَيَّ خَشَبَةً كَأَنَّهَا رِجْلُ بَابٍ مُدَوَّرَةً طَوِيلَةً مِلْ‏ءَ الْكَفِّ فَقَالَ صِرْ بِهَذِهِ الْخَشَبَةِ إِلَى الْعَمْرِيِّ فَمَضَيْتُ فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لِي سَقَّاءٌ مَعَهُ بَغْلٌ فَزَاحَمَنِي الْبَغْلُ عَلَى الطَّرِيقِ فَنَادَانِي السَّقَّاءُ صِحْ عَلَى الْبَغْلِ فَرَفَعْتُ الْخَشَبَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعِي فَضَرَبْتُ الْبَغْلَ فَانْشَقَّتْ فَنَظَرْتُ إِلَى كَسْرِهَا فَإِذَا فِيهَا كُتُبٌ فَبَادَرْتَ سَرِيعاً فَرَدَدْت‏ الْخَشَبَةَ إِلَى كُمِّي فَجَعَلَ‏ السَّقَّاءُ يُنَادِينِي‏ وَ يَشْتِمُنِي وَ يَشْتِمُ صَاحِبِي فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الدَّارِ رَاجِعاً اسْتَقْبَلَنِي عِيسَى الْخَادِمُ عِنْدَ الْبَابِ فَقَالَ يَقُولُ لَكَ مَوْلَايَ أَعَزَّهُ اللَّهُ لِمَ ضَرَبْتَ الْبَغْلَ وَ كَسَرْتَ رِجْلَ الْبَابِ فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي لَمْ أَعْلَمْ مَا فِي رِجْلِ الْبَابِ فَقَالَ وَ لِمَ احْتَجْتَ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلًا تَحْتَاجُ أَنْ تَعْتَذِرَ مِنْهُ إِيَّاكَ بَعْدَهَا أَنْ تَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا وَ إِذَا سَمِعْتَ لَنَا شَاتِماً فَامْضِ لِسَبِيلِكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِهَا وَ إِيَّاكَ أَنْ تُجَاوِبَ مَنْ يَشْتِمُنَا أَوْ تُعَرِّفَهُ مَنْ أَنْتَ فَإِنَّنَا بِبَلَدٍ سُوءٍ وَ مِصْرٍ سُوءٍ وَ امْضِ فِي طَرِيقِكَ فَإِنَّ أَخْبَارَكَ وَ أَحْوَالَكَ تَرِدُ إِلَيْنَا فَاعْلَمْ ذَلِكَ. ». (ابن شهر آشوب، المناقب: ج4، ص427).
وفي هذا النص دلالات كثيرة ومهمّة في مجال العمل المنظم، كما أنّه يعكس السرية التامة في العمل من جهة الإمام وأصحابه المقرّبين من أجل تجاوز ما يثيره الظرف من إشكالات تجاه العاملين.
الثاني- الاهتمام بأوضاع الشيعة المعيشيّة والاقتصاديّة وفقَ خطّةٍ مدروسةٍ:
فقد وضع الإمام (عليه السلام) برنامجَاً دقيقاً للمتابعة والإشرافٍ على دعم أتباعه ماليّاً ورفع حاجاتهم؛ كي يضمن استمرارَهم، فمن ذلك ما رواه ابن شهر آشوب في مناقبه قال: > دَخَلَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَ أَحْمَدُ بْنً إِسْحَاقَ الْأَشْعَرِيُّ وَ عَلِيُّ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَدَانِيُّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ فَشَكَا إِلَيْهِ‏ أَحْمَدُ بْنُ‏ إِسْحَاقَ‏ دَيْناً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرٍو وَ كَانَ وَكِيلَهُ ادْفَعْ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَ خُذْ أَنْتَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَار< (مناقب آل أبي طالب، ج4، ص173). وهذا المبلغ الضخم يدلّ على الهيكليّة الماليّة الدقيقة التي كان الإمام (عليه السلام) يشرف عليها.
الثالث – وضع البرامج الهادفة وتطبيقها تمهيداً للإمامة من بعده:
عايش الإمام العسكريّ (عليه السلام) صعوبة مرحلة الإعداد لإمامته من قِبَل أبيه الإمام الهادي (عليه السلام) رغمَ حضوره الشخصيّ، فكيف بولده المهديّ (عجّل الله فرجه) الذي ستكون الغيبة الطابعَ الأبرز لإمامته؟ الأمرُ الذي جعله يبادر لاتّخاذ ما يلزم من إجراءاتٍ تمهيداً لتلك المرحلة القادمة من خلال أمرين:
أ- النصّ على إمامة ولده.
ب- القيام بما يحافظ على حياته.
وهما إجراءان يصعب الجمع بينهما وَسْطَ تلك الظروف الضاغطة؛ ما دفع الإمام (عليه السلام) للبحث عن الأسلوب المناسب لتحقيق تلك الغاية من خلال تقديم ولده إماماً من بعده لأصحابه المقرَّبين:
> عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ع وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الْخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ لِي مُبْتَدِئاً يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ إِنَ‏ اللَّهَ‏ تَبَارَكَ‏ وَ تَعَالَى‏ لَمْ‏ يُخَلِ‏ الْأَرْضَ‏ مُنْذُ خَلَقَ‏ آدَمَ‏ ع وَ لَا يُخَلِّيهَا إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بِهِ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ بِهِ‏ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ‏ وَ بِهِ يُخْرِجُ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَنِ الْإِمَامُ وَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَكَ فَنَهَضَ ع مُسْرِعاً فَدَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ وَ عَلَى عَاتِقِهِ غُلَامٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّلَاثِ سِنِينَ فَقَالَ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ لَوْ لَا كَرَامَتُكَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَلَى حُجَجِهِ مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْنِي هَذَا إِنَّهُ سَمِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَنِيُّهُ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ مَثَلُهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ الْخَضِرِ ع وَ مَثَلُهُ مَثَلُ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَ اللَّهِ لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةً لَا يَنْجُو فِيهَا مِنَ الْهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامَتِهِ وَ وَفَّقَهُ فِيهَا لِلدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ فَرَجِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَقُلْتُ لَهُ يَا مَوْلَايَ فَهَلْ مِنْ عَلَامَةٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا قَلْبِي فَنَطَقَ الْغُلَامُ ع بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ فَقَالَ أَنَا بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ الْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ فَلَا تَطْلُبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَخَرَجْتُ مَسْرُوراً فَرِحاً فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ عُدْتُ إِلَيْهِ- فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ عَظُمَ سُرُورِي بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَيَّ فَمَا السُّنَّةُ الْجَارِيَةُ فِيهِ مِنَ الْخَضِرِ وَ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ طُولُ الْغَيْبَةِ يَا أَحْمَدُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِنَّ غَيْبَتَهُ لَتَطُولُ قَالَ إِي وَ رَبِّي حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِهِ وَ لَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَهْدَهُ لِوَلَايَتِنَا وَ كَتَبَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ يَا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ هَذَا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ سِرٌّ مِنْ سِرِّ اللَّهِ وَ غَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ‏ فَخُذْ ما آتَيْتُكَ‏ وَ اكْتُمْهُ‏ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ تَكُنْ مَعَنَا غَداً فِي عِلِّيِّينَ<. (الشيخ الصدوق، كمال الدين، ص384)
نعم أيها المؤمنون والمؤمنات؛ لقد استطاع الإمام العسكريّ (عليه السلام) بمثل هذه الخطوات إعداد الشيعة للدخول إلى عصر الغيبة دون أن يقطعوا تواصلهم معه، وكفاه بذلك إنجازاً. فسلامٌ عليه يومَ وُلِد ويومَ استشهد ويوم يبعث حيّاً. والسلام على ولدهِ صاحبِ العزاء بأبيه اليومَ، الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
الخطبة الثانية:
أيها الإخوة و الأخوات:
باستشهاد الإمام العسكريّ (عليه السلام) طُوِيَت صفحةٌ مشرقةٌ من حياة المعصومين (عليهم السلام) بكلّ ما تحمله الذكرى من حزنٍ وأسىً، لكنّها فتحت صفحةً أخرى زاهرةً ببدء إمامة أمل المستضعفين الإمام المهديّ (عجل الله فرجه)، فأبارك لكم بهذه المناسبة العظيمة، كما أزجي التهانيَ للأمّة الإسلاميّة جمعاء.
ونحن على أعتاب مناسباتٍ في قادم الأيّام، ولا سيّما ذكرى ولادة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وحفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وأسبوع الوحدة الإسلاميّة الذي أعلنه حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله) الإمام الخمينيّ (رض) في أعقاب انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة، تجسيداً لعقيدة إسلاميّة تؤكّد على المشتركات بين أبناء الأمّة الواحدة وتجسير الهُوَّة بينهم من خلال رمزيّة استثمار تنوّع الآراء حول تاريخ المولد النبويّ بين 12 و17 ربيع الأول لخلق حالة تقريب وتكامل في الأمّة الواحدة، وهي- كما وصفها الإمام الخامنئيّ (دام ظله)- صدقةٌ جاريةٌ تُحسَب لصاحبها الإمام الخمينيّ (رض)؛ حيث قال سماحته:
>إنّ إحدى الصدقات الجارية للثورة الإسلاميّة والتي تحقّقت ببركة عبقريّة الإمام الراحل رضوان الله عليه، هي تخصيص أيام ذكرى ولادة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بالوحدة الإسلاميّة… لأن هذه الشخصية الفذّة (شخصية نبينا الأعظم) هي المحور الأساس الذي تتمحور حوله عواطف وعقائد المسلمين كافة…<
ومعنی الاتحاد بين المسلمين هو تقارب الفرق الاسلامية فيما بينهم، مع الاحتفاظ بكياناتهم و ماهياتهم؛ أي الحفاظ على الأصول المشتركة، وإطلاق الحرية لكل فرقة في الفروع الخاصة بها. وهذا بمعنى عدم التخاصم والنزاع فيما بينهم.
إن الاتحاد بين الفرق الإسلامية بمعنی الالتزام بعدم التعصبات المذهبية والقومية، والالتزام بعدم تخريب وتوهين معتقدات الآخرين، وعدم تکفير بعض المسلمين بصِرفِ ارتکاب بعض الأمور. وبالتالي فإن طريق الوصول الى ذلك الهدف هو الاستناد الى العقل والمنطق وتجنب كل الانفعالات العابرة والعصبيات الجاهلية.
فالإسلام يهتم بتأليف قلوب المسلمين والموحدين أجمعين، و يهتم بتأسيس الأمة الاسلامية الواحدة وليس في مقام تشتت الأمة الاسلامية، لأن الله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} ( ). ويحذّر من أية تفرقة واختلاف كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}( ).
نعم، إنّ وحدة الأمة توجب تقوية قوة المسلمين، وتوجب تقوية استعدادهم، وبالتالي توجب ضعف العدو الكافر وفشل مؤامراته في كل زمان و مكان. تلك هي فلسفة الوحدة الإسلامية وحكمتها كما يراها الإمام القائد. فعلينا أن تتضافر جهودنا في سبيل هذا الهدف المقدّس، كي يُسدَّ الطريق في وجه دُعاةِ الفتنة من أتباع الشيطان الأكبر وأذنابه لأيّ جهةٍ انتَمَوْا.
أيها الإخوة والأخوات:
إنّ رسالة الوحدة الإسلاميّة تعني التمسّك بالأمل في مستقبل الأمّة مهما اشتدّت العواصف والقواصف، وما حقّقت الأمّة انتصاراتها إلا بوحدتها وثباتها على خط مقاومة الاستكبار والصهيونية. وهو ما شهدناه على امتداد منطقتنا ابتداءً من إيران ومروراً بالعراق وسورية واليمن ولبنان وفلسطين؛ فلولا الوحدة في ظل المقاومة لكان الصهاينة والأمريكان والدواعش يعيثون فساداً في قرانا ومدننا.
إنّ رسالة الوحدة الإسلامية اليومَ تعني أنّ العدوّ صار يحسب ألفَ حسابٍ لعامل الوحدة في ظل المقاومة، ما يمنع العدوَّ من التجرّؤ على مجرَّد التفكير بعدوان شامل على حزب الله وسورية المقاومة بعد تلقّيها الهزائم تِلوَ الهزائم على ميادينها، ولا سيّما بعد انتصار غزّة الأخير الذي جعل استقالة وزير الحرب الصهيونيّ أولى تداعيات صواريخ المقاومة، تأكيداً على أنّ إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت.
فهل فكرتم في معنى هذه الحركة في جزء من محور المقاومة (غزة) و هو إطلاق 400 صاروخ على اسرائيل الغاصبة في يَومٍ واحِدٍ فقط؟ فما بالكم بدعامة خطّ المقاومة؛ الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما تملك من قدرات صاروخية وعسكرية، ناهيك عن الصمود الشعبي والالتفاف حول قيادة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله)، الذي بشّرَنا بالصلاة جماعةً في القدس، وأعلن العَدَّ العكسيَّ لزوال إسرائيل وأفولِ أمريكا!
نعم، إنّها رسالة الوحدة التي تمسّكتم بها- يا أهلنا في سورية المقاومة- فقلبتم الطاولة على الأعداء، حين هَبَبْتُم من كافّة المذاهب والأديان هَبَّةَ رجلٍ واحدٍ خلف قيادتكم الحكيمة وجيشكم الباسل بمساندة قوى المقاومة لتحرّروا أراضيَكم وتطردوا الغُزاةَ والإرهابيّين، وسجّلتم أروعَ ملاحِمِ النصر والفَخارِ.
أيّها الأعزّاء:
أستذكر في مثل هذه الأيام ذكرى إعلان تحرير البوكمال من براثِن داعش؛ إذ كنتُ من أوائل من تشرّف بزيارة تلك المدينة المحرّرة في تلك الأيّام، مكحِّلاً ناظرَيَّ برؤية المقاومين الأبطال، صُنّاعِ النصر المؤزَّر، شاكراً اللهَ ربّي على ذلك الإنجاز ببركة وحدة القيادة والجيش والشعب في سورية الأبيّة بدعمٍ من فصائل المقاومة. ولم يُسَجَّل ذلك الإنجازُ لسورية فحسبُ – مع أنّها صاحبته- لكنّه كان إنجازاً لمحور المقاومة أجمعَ.
فيا أيّها المقاومون في كلّ مكان:
بمثل هذه الانتصارات، رسمنا وسنرسم تاريخ أمتنا، وبمثلها سنبني مستقبلنا المشرق الذي لن يكون فيه للاستكبار والصهيونية وأذنابهما من التكفيريين وداعميهم أيّ مكانٍ. بمثل هذه الانتصارات، سنرسّخ إيماننا بوحدتنا ونعزّز جهودنا في سبيل تحقيقها، ولن نسمح لأيّ صوتٍ فِتنَويٍّ أن يحرفَ مسارنا عن الهدف الأساس وهو تحرير القدس وفلسطين، وهو قريب ان شاء الله.
بمثل هذه الانتصارات، سنردّ على تهديدات ترامب وتخرّصات نتنياهو، ونقول لهم: في معركة غزّة الأخيرة، طار وزير حرب الكيان الصهيونيّ. أمّا في الحرب الكبرى فسيزول الكيان الصهيونيّ نهائياً. إنّه الوعد الإلهيّ بالنصر لنا، ولن يخلف الله وعدَه، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.

 

مقطع الصوت لخطبة الجمعة:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*