خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 22 ربيع الأول 1440 هـ

الخطبة الأولى: 22 ربيع الأول 1440هـ

توصية بتقوى الله عز وجل

عباد الله ! أوصيکم و نفسي بتقوى الله و اتباع أمره و نهيه وأحذركم من عقابه.

الموضوع: وقفة في كرامات مولد النبوي الشريف

ونحن لا نزال نعيش أجواءَ ذكرى مولد الرسول المصطفى الأطهر، وحفيدِه الإمام السادس جعفر، الملقَّب بلقب جدِّه الصادق الأمين، ومحيي شريعة جدِّه سيّد المرسلين، بالهَديِ الباهر، والخُلُقِ السَنِيِّ الزاهر، فأسعد الله بهذه المناسبة السعيدة أيّامكم، وجعلَنا من السائرين على نهجهما الأصيل وإيّاكم. فكلُّ عامٍ وأنتم بخير.

عبادَ الله! لم ينَل أحدٌ عبرَ التاريخ ما ناله حبيبُنا محمّدٌ (ص) من كرامةٍ وتقدير، فلِذكرِه تهتزّ قلوب المليارات من البشر، وتَطرَبُ لسماع سيرته أسماعُهم، حتى وُضِعَت ما يصعب عَدُّه من المجلّدات في الشمائل المحمدية، والخصال الأحمدية، مستعرضةً دقيقَ صفاتِهِ، وتفصيلَ حالاتِه، ما يُشَنِّف المسامِع، ويُذرِف من مآقي عُشّاقِه المدامِعَ. والبصائرُ- مع ذلك كُلِّه- في رياضِ مناقبِه كليلةٌ، والأبصار دونَ فضائله حسيرةٌ، وقد حفَّت بسيرته منذ ولادته- ومِن قبلُ- أعجبُ الكرامات، ودعمت رسالتَه بأقوى المعجزات؛ خضع لعظمتها المنصفون غرباً وشرقاً، ودانوا لهذه الشخصيّة بالفضل والنُّبل تصديقاً وحقَّاً. فعليه من ربّي أفضل صلوات المصلّين.

وما تلك الكرامات المحيِّرة للألباب ببِدعٍ من الرسل والأنبياء؛ فقد وُلِد موسى (ع) في ظروف مدلهمّة حالكة؛ رغمَ أنف فرعونَ وجلاوِزَتِه الذين سعَوا للحؤول دون ظهوره بتقتيل المواليد الذكور، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، لينشأ موسى (ع) ويترعرع بين ظهراني طاغيةِ زمانه، تمهيداً لأداء رسالته وتحقيق غايته بالقضاء على فرعونَ وأعوانِه؛ “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا”.    

 وانظروا إلى معجزة ولادة نبيِّ الله عيسى (ع)؛ حين وُلِد من أمٍّ لم يمسَسْها بشرٌ ولم تكُ بغيّاً، وَلِيَجْعَلَهُ اللهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً، وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا، ليدفع عن والدته المطهَّرةِ مريمَ، بالتكليم وهو لم يزل في المهد صبيّاً قائلاً: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا، ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  سُبْحَانَهُ  إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.[سورة مريم: 30-35]

فإن كانت سنّةُ الله قد جرَت في أنبياء الله ورسله من قبلُ، فلا غَروَ أن تجريَ بأجلى صُوَرِها في خاتمِهِم وأفضلِهِم سيدِنا محمدٍ (ص)؛ فرافقَت ولادتَه، بل سبقته، كراماتٌ باهرةٌ تعكِسُ عظمةَ شخصيّتهِ ورِفعةَ مقامِهِ، طفحَت بها كتُبُ سيرتِهِ العاطرة.

فقد “رُوِيَ أَنَّهُ فِي لَيْلَةِ مولدِهِ خَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ التِي يَعْبُدُونَهَا، وَارْتَجَسَ إِيُوانُ كِسْرَى، وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً، وَتَنَكَّسَتْ جَمِيعُ الأَصْنَامِ فِي جَمِيعِ الآفَاقِ، وَسَقَطَ عَرْشُ إِبْلِيسَ، وُرُمِيَتِ الشَّيَاطِينُ بِالشُّهُبِ، فَمُنِعَتْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْع… وحدَثَ في الأرضِ أمرٌ عظيمٌ جَلَلٌ، رُجِمَت فيه الشياطينُ وَحُرِسَت فيه السماءُ… يقول ” حَسَّانُ بنُ ثَابِت”: كنتُ صبيّاً في المدينة- وتُسَمَّى قديماً يثربَ، وكنتُ ألعبُ مع الصِّبيانِ لكنّني أعقِلُ، وقد سمعتُ في هذا اليومِ منادياً يهوديّاً على أُطُمٍ من الآطام [حصن]، يصرخ:

يا معشرَ يهودَ! يا معشرَ يهودَ! فاجتمع اليهودُ حوله وقالوا: ما الخبر؟ فقال: ظهَرَ اليومَ نجمُ أحمدَ؛ ظهرَ اليومَ نجمُ أحمد. وكأنّهم أحسّوا بأنّ نهايةَ مشروعهم الشيطانيّ ستكون على يدَي ذلك النبيِّ الأمّيِّ والذين معه والسائرين على نهجِه في المستقبل؛ {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [سورة الإسراء: 7]

 ولمّا وُلِدَ محمد (ص) في ذلك اليوم، تقول أمه آمنة: لقد أضاء نورٌ إلى السماء، رأيت في ذلك النور قصورَ الشام.

و يمكن أن نفسر النور الذي رأته آمنة بأنّها بشارة امتداد الحضارة المحمّديّة لأقصى نقاط البسيطة، ليملأ المهديّ (عج) من عترته من وُلْدِ فاطمة الأرضَ برسالة جدِّه قسطاً وعدلاً، كما مُلِئَت ظلماً وجوراً؛ محقِّقاً آمالَ مستضعَفي الأرض ومُنْهِياً آلامَهُم، كما قاله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} [سورة القصص:5]

نعم! أيها المؤمنون والمؤمنات! كانت ولادة الرسول (ص) ناقوسَ خطرٍ قَرَع أسماع متكبري العالم ومستكبريه، إيذاناً ببدء مرحلةٍ جديدةٍ في التاريخ، ستضع حدّاً لغَيِّهم وطغيانِهِم. وإنّ المستقبلَ لِـ {الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [سورة الأعراف 157].

عبادَ الله!

ولا ريبَ في أنّ سنّة الله تلك في خلقه لن تجري إلا عبرَ قنواتها الصحيحةِ التي حدّدها ربُّ العالمين؛ لا بالأماني والأحلام. كمَثَلِ المُزارِع النشيط الذي يُجهِدُ نفسه بالعمل طوال الموسم، متضرِّعاً إلى الله أن يرسل غيثَ رحمته كي يحصد ثمارَ تعبِهِ.

وكذلك الوعدُ الإلهيُّ بنشر الحضارة الإسلاميّة لواءَها على العالم كلِّهِ لا يتحقّق إلا بشروطها، وعلى رأسها الوحدةُ بين أبناء الأمّة في مواجهة أعدائها وسَدِّ الطريق في وجه دُعاةِ الفُرقةِ والفتنة.

فسلامٌ على رسول الله يومَ وُلِد ويومَ انتقل إلى رحمة الله ويوم يبعث حيّاً.

والسلام على حفيده الإمام الصادق (ع) الذي أحيى بمدرسته دين الإسلام و شريعة جده رسول الله (ص).

و نسال الله تعالى أن يجنبنا المعاصي والذنوب وأن يوفقنا لننهل من المعارف الدينية الحقيقية الأصيلة وأتضرع إليه أن يأخذ بيدنا لتحصيل ما يوجب رضاه  بلزوم  تقواه. وأستغفر الله لي ولکم ولجميع المؤمنين والمؤمنات.

الخطبة الثانية: 22 ربيع الأول 1440 هـ

اللهم صل وسلم على صاحبة هذه البقعة الشريفة، الكريمة على رسول الله وأمير المؤمنين، والعزيزة على أخويها الحسن والحسين، بطلة کربلاء وعقيلة الهاشميين ، بنت ولي الله، وأخت ولي الله، وعمة ولي الله، زينب الكبرى عليها  أفضل صلوات المصلين.

اللهم وفقنا لخدمتها في هذا المكان الشريف، وهب لنا دعائها الزكي ، وارزقنا شفاعتها المقبولة، آمين يا رب العلمين.

عباد الله! أجدّد لنفسي ولکم الوصية بتقوى الله، فإنها خير الأمور وأفضلها.

إن الاهتمام بوحدة الأمة الإسلامية ما قام به عمليّاً رائدُ الصحوة الإسلاميّة في العصر الحديث حفيدُ رسولِ الله (ص) الإمامُ الخمينيُّ (رض) بعبقريّته الفَذَّةِ، حين راهنَ على نقاط الالتقاء بين أبناء الأمّة الإسلاميّة ومحوِّلاً مَواطِنَ الاختلاف إلى عواملِ قوَّة فأعلن أسبوعَ الوحدة الإسلاميّة خلال الفترة التي تفصل بين اختلاف الأقوال في تاريخ المولد النبويّ الشريف، ليكون جسراً يربط مختلَفَ التوجّهاتِ والرؤى حول الرسالة المحمّديّة، تعزيزاً لمكانة الأمّةِ ودورِها في مسارِ الحضارة الإنسانيّة لتتحوّل فكرة الوحدة إلى ممارسةٍ عمليّةٍ وعقيدةٍ دينيّةٍ في نظام الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة في ظلّ قيادة سماحة وليّ أمر المسلمين الإمامِ الخامنئي (دام ظله) الذي رعى خلال الأسبوع الماضي مؤتمر الوحدة الإسلاميّة الذي كان لي شرفُ المشاركةِ في فعاليّاته؛ حيث أكّدَ سماحتُه في كلمته العصماء لدى لقائه ضيوفَ المؤتمر قائلاً: “سبيلُ إنقاذ هذه المنطقة هي تقوية الصحوة الإسلامية وتعزيزُ حركة المقاومة الإسلامية. وهذا واجبٌ يقع على عاتق كلِّ أبناء الشعوب المسلمة، وخصوصاً علماءَ الدين، وخصوصاً المثقفين، والكُتَّاب والشعراء والعلماء والفنانين والنُخب السياسية، إنّه واجب هؤلاء [جميعاً] وهم المخاطبون بخطاب دعوة الرسول الأكرم والهداية الإسلامية. هذه الأرضية متوفرة وظاهرة في العالم الإسلامي اليوم”

أيها المؤمنون والمؤمنات!

إنّ ذلك المؤتمرَ الكبيرَ والعريقَ الذي يمتدُّ عمرُهُ لأكثرَ من ثلاثة عقودٍ؛ أي بعمر الثورة الإسلاميّة المباركةِ تقريباً، شهد هذا العام مشاركة أكثرَ من 350 شخصيةً إسلاميّةً من حوالَي مائةِ دولةٍ على مختلفِ المستويات. وقد لمستُ من خلال مشاركتي في فعاليّاتِه إحساساً عارماً ينتابُ الجميعَ؛ إذ كانوا يعتبرون المؤتمرَ مؤتمرَهم وهم أصحاب البيت، وإن كان شرفُ الضيافة للجمهورية الإسلامية التي كان لسانُ حال القائمين على المؤتمر:

يا ضيفَنا لو زُرْتَنا لَوَجَدْتَنا…………نحنُ الضيوفَ وأنتَ رَبُّ المنزِلِ

أمّا انعقاد هذا المؤتمر أي مؤتمر الوحدة الإسلاميّة الأخيرِ في ظلّ الظروف التي تمرُّ بها المنطقة والعالَمُ، قد حمل معانيَ ورسائل عديدة، سأستعرض بعضا منها ضمن هذه الخطبة الثانية:

  • إحساس الأمّة بحاجتها للوحدة:

لم تقتصر رسالة المؤتمر على شعور الأمّة بحاجتها الماسّةِ للوحدة بين أبنائها فحسب، بل وصلت إلى مرحلة الإيمان بهذه الحقيقة؛ إذ إنّها تفتح ذراعَها محتضِنةً كلَّ مبادرةٍ وحدويّةٍ خالصةٍ بعيداً عن الشعارات البرّاقة والمصالحِ السياسيّةِ الضيِّقةِ. وهو ما تجلّى في الحضور المكثَّف النوعيِّ الفاعل من مختلف البلدان في فعاليّاتِ المؤتمر تأكيداً على أنّ إيرانَ الإسلام حضنٌ دافئٌ للمخلصين في سبيل الوحدة والعاملين عليها.

  • توجُّه الأمّة العارِمُ لتشكيل جبهةِ وحدةٍ إسلاميّةٍ في مواجهة أعداء الإسلام.

إنّ مشاركة 350 شخصيّةً إسلاميّةً من أقصى نقاط العالم في العاصمة طهران تعبيرٌ واضحٌ وصريحٌ عن إرادة الأمة الإسلامية للوقوف بوجه أعدائها ممّن يبغون اجتثاث الدين الحنيف وتحريفِ تعاليمِه الأصيلة، وانعكاسٌ لعزّة جبهة الوحدة الإسلاميّة من خلال حضورها الفعّال والمكثَّف في عاصمة محور المقاومة ودعامتِها؛ الأمرُ الذي جعل من المؤتمر جبهةً أخرى من جبهات الإسلام الأصيل الصامدة في مقابلِ معسكر أعدائه الذليل المهزوم الخانع.

  • التفاف الأمّة حول قضية القدس رمزاً لوحدتها

لقد تميّز مؤتمرُ هذا العام بشعاره الذي ارتفع باسم القدس بعنوان “القدس محور الأمة الإسلامية”، ما يعكس تمسّكَ الأمّة الثابتَ بقضيتها المركزية “القدس” الذي وصفها الإمام الخميني (رض) بالجزء الذي لا يتجزّأ من هويّة الأمّة؛ إذ في الوقت الذي يطرح بعض المنبطحين من عبيد أميركا وإسرائيل موضوعَ التطبيع مع الكيان الصهيونيّ بكلِّ صفاقةٍ ووقاحةٍ دونَ أيِّ احترامٍ لعقيدة الشعوب وأحرار العالم، نرى الأمة الإسلاميّة رغمَ كافّة الضغوطات والتهديدات تعضّ بالنواجذ على نهجها المقاوم في سبيل تحرير القدس وفلسطين من البحر إلى النهر عقيدةً راسخةً لن تتخلّى عنها مهما طالَ الزمنُ.

كما قال سماحةُ الإمام القائد في كلمته بمناسبة المؤتمر:

“من الواضح أنَّ أمريكا اليوم أضعف في هذه المنطقة مما كانت عليه قبل عشرة أعوام وعشرين عاماً. ومن الواضح أنَّ الكيان الصهيوني الخبيث أضعف اليوم من الماضي. قبل سنوات من الآن انهزم الكيان الصهيوني مقابل حزب الله في لبنان. استطاع هذا الكيانُ المقاومة لـ 33 يوماً ثم انهزم. وبعد عامين استطاع المقاومةَ مقابل الفلسطينيين مدة 22 يوماً ثم انكسر. وبعد سنوات استطاع المقاومةَ مقابل أهالي غزة المظلومين 8 أيام ثم انهزم. وفي الأسبوع الماضي استطاعَ المقاومةَ ليومين وانهزم. هذا يدلُّ على ضعف الكيان الصهيوني، إنه ضعفٌ متفاقمٌ ومطرّدٌ يعاني منه الكيان الصهيوني.”

وكم كان رائعاً أن يُجمِع المشاركون في المؤتمر بسنّتهم وشيعتهم ومن مختلف اللغات والبلدان والمشارِب على التمسّك بقضية القدس وأنّ الكيانَ الصهيونيَّ هو العدوُّ الأول والمشترك للأمّة ورفض كافّة أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وركّز المشاركون في البيان الختامي على أنّ القضية الفلسطينية ستبقى القضية المحورية للأمة، كما رفض المشاركون صفقة ترامب لتصفية القضية وكل أشكال التسوية مع العدو الصهيوني، مستنكرين بشدّةٍ حملاتِ التطبيع لبعض الدول العربية والإسلامية مع الكيان الإسرائيلي بوصاية ترامبية.

أيها المؤمنون والمؤمنات!

لقد لمستُ بكلِّ شفافيّةٍ- من خلال مشاركتي في المؤتمر- أنّ الرهانَ على الأمّة ووحدتها حول محور المقاومة هو في محلِّهِ من خلال مواقف المشاركين في المؤتمر، ولهفتِهم للتبرّك بالسلام على قائد الثورة الإسلاميّة والتفاعلِ مع كلماته التي نزلت على قلوبهم كالمرهمِ الشافي، ما ثبّت قلوبَهم على نهج المقاومة.

في المقابل، انظروا إلى طريقة تعامل شعوب أمّتنا مع الخائنين لقضية القدس وفلسطين من أمثال ولي عهد آل سلمان وسعود في جولته الأخيرة على بعض الدول الإسلامية متسوّلاً بالنيابة عن أربابه لصفقة ترامب الخاسرة، فهبّت تلك الشعوبُ رغمَ القيود رفضاً لزيارته. ولو أتيحَ لها كاملُ الحريّة لكان لها شأنٌ آخرُ من ذلك القاتل المجرم.

وفي كلّ محطّة من هذه الجولة، استقبلته جماهير لترفع بوجهه صورة خاشقجي إلى جانب صورته وأيديه ملطخة بالدماء، أو صور أطفال اليمن، ولافتات “لا أهلاً ولا سهلاً”؛ فما كان أمام السياسيين مع هذا الرفض الشعبي، سوى “التسلّل” به إلى قصورهم الرئاسية، أو اصطناع حفاوة غير موجودة؛ فلا إعلامَ مواكباً لزيارته، ولا إعلان رئاسياً عنها، ولا ضوءَ بل “تسلّلٌ ليليٌّ”، ولا مؤتمرَ صُحفياً على عكس ما جرت عليه العادة.

إنّ هذه المواقفَ الشعبيّةَ تحكي صحوةَ الأمّة وبصيرتَها في تمييز العدوّ من الصديق.

إنّ نموذجَ الصديق عند الأمة هو إيران التي تدعم المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا رغمَ الأثمانِ الباهظة، لا من يدفع المليارات كآل سعود خانعين في سبيل إرضاء سادتهم الأمريكان والصهاينة ولن يرضوا عنهم حتى آخر قطرة نفط منهم، ليرموهم بعدها في مزابل التاريخ كما فعلوا مع الشاه البائد من قبلُ.

إنّ نموذجَ الصديق للأمّة متمثِّلٌ في إيرانَ الإسلامِ التي ترفع راية الوحدة بين المسلمين وتدافع عن أعراضهم وأموالهم ودمائهم في مواجهة التكفيريين، لا آلُ سعود الذين اعترف وليّ عهدهم صراحةً أنهم أطلقوا الوهابية لتنهش جسدَ الأمة بأوامرَ من أسيادهم دون تمييز بين شيعي وسني.

إنّ نموذجَ الصديق للأمّة متمثِّلٌ في إيرانَ الإسلامِ التي حملت همَّ فلسطين والقدسِ من أول يوم انتصار ثورتها الإسلامية باستبدال سفارة الكيان الصهيوني بأول سفارة لفلسطين في العالم وإعلان يوم القدس العالمي ودعم المقاومة الشريفة فيها، لا وليُّ عهد آل سعود الذي يدعو بكلّ وقاحة للاعتراف بالكيان الصهيوني.

إنّ نموذجَ الصديق للأمّة متمثِّلٌ في إيرانَ الإسلامِ التي تدافع عن المظلومين والمستضعفين في العالم من فلسطين إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وغيرها، لا من تلطّخت يداه بدماء الأبرياء من أطفال اليمن ونسائه قصفاً وتجويعاً، واستهداف مناوئيه العُزَّلِ تقطيعاً ومُثلةً في ممثّليّاته الدبلوماسية انتهاكاً للمعايير الدولية.

أيها المؤمنون والمؤمنات!

إنّه صوت شعوب أمتنا الذي ينادي بأعلى صوته مخاطباً آل سعود: عارٌ عليكم أن تحملوا لقب خادم الحرمين الشريفين بممارساتكم البعيدة عن الإسلام والإنسانية؛ يقول تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [سورة التوبة: 19-20]

نعم! شتّانَ بينهما؛ بين محور الخنوع والتطبيع، وبين محور المقاومة التي تزداد عزةً ورفعةً مع الأيام، ويزداد إيمان شعوب الأمة بخيارها الذي أثبت صوابه في مقاومة الأمريكان والصهاينة والتكفيريين على امتداد المنطقة.

وما النصر إلا صبرُ ساعةٍ، وإنّ النصر النهائيّ لقادمٌ لا مَحالةَ، حين تنتصر شعوب أمتنا بوحدتها ومقاومتها على أعدائها وتتحرر القدس وفلسطين من دَنَسِ الغاصبين، ومن قبلِها اليمنُ المظلوم، وتنهار عروش عبيد الاستكبار الخانعين، {ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي  وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً} [سورة الفرقان: 27-29].

فمن خلال هذه المؤتمرات سنرسّخ إيماننا بوحدتنا ونعزّز جهودنا في سبيل تحقيقها، ولن نسمح لأيّ صوتٍ فتنَويٍّ أن يحرفَ مسارنا عن الهدف الأساس وهو وحدة الأمة وتحرير القدس وفلسطين، وهو قريب إن شاء الله.

أسأل الله تعالى أن ينصر الأمة الإسلامية ومحور المقاومة والمجاهدين في كل مكان.

 وأسأله تعالى أن ينصر جميع الشعوب المستضعفة في مواجهة المستكبرين والصهاينة والمتصهيِنين.

 

مقطع الصوت لخطبة الجمعة:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*