خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 6 ربيع الثانى 1440 هـ

خطبة الجمعة: 6 ربيع الآخر 1440ه

الموضوع: الأخلاق الإسلامية – الأخلاق الإلهيّة (العبادة والعبوديّة 3)

فوائد العبادة والعبودية في حياة الفرد والمجتمع:

الخطبة الأولى:

عبادَ الله، أَتَعلَمون لماذا أكَّد الإسلامُ- ويؤكِّدُ- على أداء العبادات طريقةً، بعدَ تمثُّلِ جوهرِ العبوديّةِ حقيقةً؟ وهو ما أَفرَدْنا لتوضيحه عدداً من خطب الجمعة الماضية، وذلك في ضوء آيِ القرآن الكريم وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) الزاكية.

إنّ الإجابةَ تَكمُنُ في إدراك الإسلام ديناً يمتاز بالجامعيّة، ويستوعبُ كافّةَ جوانبِ الحياةِ البشريّةِ. الأمرُ الذي يدعونا للاعتقاد الجازمِ، واليقينِ التامِّ، بنفوذِ آثار أحكامِهِ وفوائدِ تكاليفِهِ في تفاصيلِ شؤون الحياة الإنسانيّةِ على مستوى الأفراد والمجتمعات؛ عقائدَ وعباداتٍ، وأخلاقٍ ومعاملاتٍ.

فالعباداتُ- يا عبادَ الله- هي اللَبِنةُ الأساسيّةُ لبناء الشخصيّة السَّوِيَّةِ، وسُلَّمُ ارتقائها على مَدارِجِ الكمال العَلِيَّة، لِدَوْرِها في تطهير الذات الإنسانيّة، وعلاجها من مختلف الأمراض النفسيّة والأخلاقيّة؛ فهي البَلْسَمُ الشافي للمشكلاتِ، والدواءُ الناجِعُ للمُعضِلاتِ؛ تُسهِمُ في خَلقِ حالةٍ من الانسجام بين المضمون الروحيّ الداخليِّ والمظهَرِ السلوكيِّ الخارجيِّ، بتأمين التناسُقِ بين المُتَطَلَّباتِ الشخصيّة السامية، والقيم والمبادئِ الراقية. فهي- والحالُ هذه- أنبلُ السُّبُلِ للتحرُّر من قيود الأنانيّةِ الدنيويّة، للتحليقِ في سماواتِ الرِّفعةِ الأُخرَوِيّةِ.

 كما أنّها أنجعُ الطرُق لتقوية الإرادة، وبلوغ مرتبةِ الرِّيادة والسِّيادة؛ فالتخلّي في ليالي الشتاء القارسة عن لذيذ الرُّقادِ، للخَلوةِ بعبادة ربِّ العِبادِ. والامتناعُ في أيام الصيف القائظة عن الطعام والشراب، صوماً لربِّ الأرباب، ممّا يَصْقُل الروحَ بكبحِ جِماحِ الشهَوات واحتواءِ سَوْرةِ الرغَبات Pوَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىO (سورة النازعات، 40-41).

في اجتزاءٍ للقول واقتضابٍ، نلتمس بعضَ آثارِ العبادات، على مستوى الأفراد ثمّ المجتمعات، بذكر بعض الآيات والأحاديثِ المهمّة، ونقلٍ عن أحد علماء الأمّة، ضمنَ عناوينَ عامّةٍ، تُفيدُ الخواصَّ والعامّةَ، فَإلَيْكُموها:

الفائدة الأولى: تقوية القلب وغناه عن الفقر

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: Sفِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى وَلَا أَكِلْكَ إِلَى طَلَبِكَ وَعَلَيَّ أَنْ أَسُدَّ فَاقَتَكَ، وَأَمْلَأَ قَلْبَكَ خَوْفاً مِنِّي، وَإِنْ لَا تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ شُغُلًا بِالدُّنْيَا ثُمَّ لَا أَسُدَّ فَاقَتَكَ وَأَكِلْكَ إِلَى طَلَبِكَR [الكافي، ج2، ص83].

الفائدة الثانية: نيل مقام الرضا بعسر الدنيا ويسرها

قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): Sأَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا وَأَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ وَتَفَرَّغَ لَهَا، فَهُوَ لَا يُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى عُسْرٍ أَمْ عَلَى يُسْرR [الكافي، ج2، ص83].

الفائدة الثالثة: التنعّم في الدنيا والآخرة

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: Sقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا عِبَادِيَ الصِّدِّيقِينَ، تَنَعَّمُوا بِعِبَادَتِي فِي الدُّنْيَا فَإِنَّكُمْ تَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِR [الكافي، ج2، ص83].

فإن كان التنعّمُ الأخرويُّ معروفاً، فما المقصود بالتنعّم الدنيويّ أثراً للعبادة؟ لا ريب أنّه يشير إلى حالة السكينة والطمأنينة التي تستولي على الإنسان نتيجةَ عبادته وعبوديّته التي توجِبُ ذكرَ الله؛ Pالَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُO [سورة الرعد، 28].

وفي هذا السياق، يقول الإمام الرضا (عليه السّلام) في بيان علّة العبادة: Sلِئَلَّا يَكُونُوا نَاسِينَ لِذِكْرِهِ وَلَا تَارِكِينَ لِأَدَبِهِ وَلَا لَاهِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ إِذَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَقِوَامُهُمْ، فَلَوْ تُرِكُوا بِغَيْرِ تَعَبُّدٍ لَطَالَ‏ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْR‏ [عيون أخبار الرضا، ج2، ص103].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: Sلَاثَةٌ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ إِمَامٌ عَادِلٌ وَ َاجِرٌ صَدُوقٌ وَشَيْخٌ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِR [ثواب الأعمال، ص133]

الفائدة الرابعة: مباهاة الله ملائكتَهُ بعبادة عبده

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: >إنّ الله تعالى يُباهي بالشابّ العابد الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي ترك شهوته من أجلي< [ميزان الحكمة، ج2، ص1401]

الفائدة الخامسة: إلحاق الهزيمة بالشيطان

عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: >قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: ألا أُخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى، قال: الصوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه ولكلّ شي‏ء زكاة وزكاة الأبدان الصّيام< [أمالي الصدوق، ص37]. ما يعني أنّ لكلّ عبادةٍ أثرَها الخاصَّ الذي يمَسُّ إبليسَ ضرراً، ويُعين المؤمنَ حفاظاً على دينه وتقواه وطاعة مولاه.

الفائدة الخامسة: منع نزول العذاب والبلاء

قال رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): >تفرّغوا لطاعة اللّه وعبادته قبل أن ينزل بكم من البلاء ما يشغلكم عن العبادة< [تنبيه الخواطر، ج2، ص120].

الفائدة السادسة: تأليف قلوب المسلمين

إنّ للعبادات على الصعيد الاجتماعي آثاراً خاصّةً ومهمّةً في حياة الأمّة؛ فانظروا إلى الصلاة وشأنها العظيمِ في تعزيز أواصِرِ الأخوّة بين المسلمين؛ حيث تلين بالمحافظة عليها قلوبُهم، وتتواضع نفوسهم،  وتزول فيما بينهم الفوارق، حين يضعون جباهَهُم وهي أشرف أعضائهم على الأرض، فلا يترك ذلك في نفوسهم أثراً للكبرياء ولا للرياء؛ {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} (سورة سبأ، الآية 46).

الفائدة السابعة: صَون المجتمع عن الفساد

فالصلاة عبادةً خالصةً تنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ (سورة العنكبوت، الآية 45).

و كذلك للعبادة آثار اجتماعية وأخلاقية مهمّة تنعكس على حياة المجتمع البشري وتؤثّر على علاقاته الإنسانية المختلفة. فالعبادة والشعور بالعبودية لله وحده ينقذ الإنسان من الخضوع لإرادة الطغاة والمستبدّين، والشعور بها يحرّر الإنسان كذلك من الشهوات ومن سيطرة حب المال وجمعه وتكديسه، وتسخير الآخرين وظلمهم واستغلالهم من أجل هذا المعبود الزائل.

الفائدة الثامنة: بناء الشخصيات الخالدة

اسمعوا هذه القصّة على لسان الإمام القائد الخامنئيّ (دام ظلّه) واصفاً أثرَ عبادة الإمام الخميني (قدس سره) في كلمة لسماحته أثناء لقاء جمعه برجال الدين وطلّاب العلم الإيرانييّن والأجانب في ساحة المدرسة الفيضيّة في قم بتاريخ 7/12/1995:

>أنا على يقين أنّ ذلك الرجل المسنّ النورانيّ المعنويّ، العالم الزاهد والعارف، الذي بنى هذه الثورة بيده القديرة، وبها كان غرسها وسقياها وقطاف ثمارها، لولا أنّه كان له في شبابه تلك المناجاة، وتلك العبادات، والتفكّر والتوسّل، لما حصل على ذلك القلب المؤمن النورانيّ، ولما أنجز هذه الأعمال العظيمة، إنّ المرحوم الحاج ميرزا جواد آغاي طهراني- وهو من العلماء أصحاب الإيمان القوي، ومن الزاهدين الخالصين، وكان يعرفه الكثيرون في مشهد – قال لي قبل ما يقرب من ثلاثين سنة: “لقد ذهبتُ إلى قمّ أيّام الشباب للدراسة، ورأيتُ الإمام الخميني قدس سره في ذلك الزمان في الحرم المطهّر. لم أكن أعرف من هو، رأيت سيّداً طالب علم شابّاً نورانيّاً واقفاً في الحرم، قد تحنّك بعمامته، يصلّي ويذرف الدموع ويتضرّع”. يقول الحاج ميرزا جواد آغاي طهراني: “مع أنّي لم أعرفه، إلّا إنّي أُخذتُ به، وسألتُ بعض الموجودين من هو هذا السيّد النورانيّ؟ فقالوا: هذا السيّد روح الله الخمينيّ”. فإذا كان السيّد روح الله قد ذخر رأس المال هذا في شبابه، فإنّه سيصبح في سنّ الثمانين الإمام والمؤسّس لدولة الجمهوريّة الإسلاميّة.

عادةً ما يتقاعد المسنّون في عمر أقلّ من هذا, ولا يطيقون حتّى إدارة حياتهم الشخصيّة. أمّا الإمام، فإنّه في ذلك السنّ يبني بناءً عظيماً لا يوصف، ويقف في وجه العدوّ، بحيث يُصعَق الإنسان لما يراه من شجاعته وثباته في وجه الحوادث والمصائب<.

فما أحوجَنا كي نربّي شبابنا على تلك القيم العباديّة حتى نكسِبَ جيلاً يصنع التاريخ ويبني الحضارةَ الخالدةَ تحت لواء أمل المستضعفين الإمامِ المهديِّ (عج).

الخطبة الثانية:

أيها الاخوة و الأخوات

نحن مقبلون في بحر الأسبوع القادم على عدد من المناسبات المهمّة، كما مرّ بنا حدث آخر خلال الأيام الماضية ترك أصداءَه المؤثِّرة، سأستعرضها بإيجازٍ؛ حيث ستَحِلُّ ذكرى ولادة الامام العسكري (عليه السلام) الميمونة يومَ الثامنِ من شهر ربيع الآخر في المدينة المنورة. واستشهد وله من العمر ثمانية أو تسعة وعشرون عاماً. وكانت مدة إمامته ست سنوات فقط؛ ما يجعله وجدَّه الإمامَ الجوادَ (عليه السلام) في عِدادِ الأئمّة الأقصرِ عمراً، ولكن لم يَحُلْ ذلك دونَ القيامِ بدوره العظيم في التمهيد لإدخال الشيعة في عصر الغيبة تأهيلاً وتربيةً وإعداداً.

أمّا المناسبة الأخرى فهي ذكرى وفاة السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) بنتِ الإمام موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ وذلك في العاشر من ربيع الثاني.

وهي الأخت الشقيقة للإمام الرضا (عليه السلام)، وقد روي في فضلها الكثير؛ فهي بنتُ وليّ الله وأختُ وليّ الله وعمّةُ وليّ الله كما جاء في زيارتها. وكفاها إنجازاً في حياتها هجرتها التاريخيّة من المدينة إلى قم المقدّسة التي توفّيت ودفنت بها في طريقها لزيارة أخيها الرضا (عليه السلام) بخراسان.

قال صاحب تاريخ قم:>إنّه لما أتى المأمون بـالرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو لولاية العهد في سنة 200 من الهجرة، خرجت فاطمة (عليها السلام) أخته تقصده في سنة 201 هـ. وروي أن فاطمة المعصومة (عليها السلام) لمّا تلقت كتاب أخيها الرضا (عليه السلام) استعدت للسفر نحو خراسان،  فخرجت مع قافلة تضم عدداً من إخوتها وأخواتها وأبناء إخوتها، وعندما وصلوا إلى مدينة ساوة الإيرانية تعرضت القافلة لهجوم، فقتل على إثره إخوتها وأبناء إخوتها، فمرضت السيدة فاطمة (عليها السلام) بعد مشاهدتها لهذا المنظر المأساوي والجثث المضرجة بدمائها. فأمرت خادمها بالتوجه بها إلى مدينة قم.

و في رواية أخرى أنّه لمّا وصل خبر مرضها إلى قم، استقبلها أشراف قم (آل سعد)، وتقدمهم موسى بن خزرج، فلما وصل إليها أخذ بزمام ناقتها، وقادها إلى منزله. فكانت في دار موسى بن خزرج سبعة عشر يوماً أمضتها بالعبادة والابتهال إلى الله تعالى.

وما يزال المحراب الذي كانت السيّدة فاطمة تصلّي فيه في دار موسى بن خزرج ماثلاً إلى الآن ويسمى بيت النور، يقصده الناس لزيارته والصلاة فيه.

فضل زيارتها:

ورد العديد من الروايات في فضل زيارة كريمة أهل البيت السيدة المعصومة (عليها السلام)، واهتم ببيان فضل هذه السيدة الجليلة خمسةٌ من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بدءاً من الصادق (عليه السلام) إلى الهادي (عليه السلام)، ومثل هذا الاهتمام أمر ٌفي غاية الندرة، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن سعد بن سعد، قال: >سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ الرَّضا (عليه السلام) عَنْ فَاطِمَةَ بنِتِ مُوْسَىْ بْنِ جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ (عليه السلام): مَنْ زَارَهَا فَلَهُ الجَنَّةُ<.[عيون أخبار الرضا: ج2، ص267]. 

ولي هنا تأكيد على أهمية إحياء ذكرى وفاتها بما يليق بمقامها خارجَ إيران، كما يجري الأمر في إيران نفسها؛ وما أجدرَها بذلك بجوار مقام العقيلة زينب الكبرى (عليها السلام) لتشابه دورَيهما في بناء مستقبل نهضة الأمة. رزقَنا الله وإياكم زيارتها في الدنيا وشفاعتَها في الأخرى.

أمّا الحدث الآخر المهمّ الذي جرى خلال الأسبوع الماضي، فتمثَّلَ الكلمة التي ألقاها سماحة الإمام القائد الخامنئيّ (دام ظله) لدى استقباله عوائل الشهداء يوم الأربعاء ١٢/١٢/٢٠١٨؛ فأكّد سماحته على مجموعة من النقاط أهمُّها الارتباط العضويّ بين آل سعود والاستكبار الأميركي في مواجهة حركة المقاومة؛ مشيراً إلى جرائم آل سعود في عدوانهم المدعوم أميركياً على الشعب اليمني المظلوم الصامد؛ حيث قال سماحته: >انظروا إلى المسؤولين الأمريكيّين اليوم؛ انظروا إلى عبادة المال وقتل الحق وعدم الاعتناء بأرواح وأموال البشر. اليمن نموذج؛ فالسعوديّون يرتكبون الجرائم وأمريكا شريكة في هذه الجرائم بناءً على إذعانهم أنفسهم<.

وأردف قائد الثورة الإسلامية في هذا المضمار قائلاً: >كان السعوديّون يظنّون أنّهم قادرون على السيطرة على اليمن في غضون أيّام وأسابيع قليلة، لكن مرّت اليوم أربعة أعوام عجزوا فيها عن تحقيق أيّ إنجاز، وإنّ انقضاء المزيد من الوقت سيُعطيهم صفعة أشدّ وأقوى<.

ووصف الإمام الخامنئي سياسة آل سعود في اليمن والبحرين بالسياسة البلهاء وشدّد سماحته قائلاً: >ينبغي لخادم الحرمين الشريفين أن يكون خادماً للمؤمنين و{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }؛ لكنّهم أشداء على اليمن والبحرين”.

نعم! إنّنا  في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي ظلّ توجيهات الإمام القائد (دام ظله) نعتبر الوقوف مع المظلومين في مواجهة المستكبرين والصهاينة والرجعيين واجباً إنسانياً ودينياً وأخلاقياً، لا نفرِّق فيه بين بلد وآخر، سواء في فلسطين أو لبنان أو اليمن أو سوريا أو العراق أو أيِّ مكانٍ آخر، ونحن نفتخر بذلك، ومستعدّون لدفع الثمن، كما كنّا وبقينا وسنبقى على هذا الخطِّ، مهما اشتدّت الظروفُ وادْلَهَمَّت الخُطوبُ.

ولا يفوتني في هذا الإطار أن أكرّر موقفي أثناء زيارتي الأخيرة لمجمع المرحوم الشيخ كفتارو؛ لأقدِّرَ عالياً دعوةَ سيادة رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد  الرئيسَ الفرنسيَّ ماكرون لوقف التعرّض للمواطنين الفرنسيين المطالبين بحقوقهم المطلبية المشروعة، في موقفٍ نبيلٍ يكشف زيف ادّعاء الغرب دفاعَه عن حقوق الإنسان من ناحية، ويقدّم صورةً ناصعةً عن محور المقاومة بشكل عام و عن سورية الحبيبة شعباً وقيادة، والتزامهم بالإنسانيّة وحقوق الإنسان، حيث قال: نحن قلقون للغاية بشأن الشعب الفرنسي.

والحال أن جراح المؤامرة العالمية الاستكبارية على شعبها طالت سوريا طوال سبع سنوات وسْطَ صمتٍ وتواطؤٍ غربيٍّ ومنها الحكوميّ الفرنسيّ.

بمثل هذه الثقافة الأصيلة النابعة من حضارة عريقة يهُبّ  المسلم في سورية الحبيبة لمواساة أخيه حتى ولو كان فرنسياً يناله الأذى في بلاده معبِّراً عن قلقه. أما آل سعود فمنذ أربعة أعوام إلى الآن يُعمِلون تقتيلاً في اليمنيين، ولم يقل أحد من الغربيين : نحن قلقون بشأن الشعب اليمني!

نعم! إنّه دَأَبُ محورِ المقاومة أن يحمل السلاحَ دفاعاً عن كرامته وسيادته وعزّته بيدٍ، ويرفعَ راية الرحمة والإنسانية بيد أخرى؛ تطبيقاً لقوله تعالى: {أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}. و لكن الغربيين فاقدون لهذه الثقافة الدينية والمثل الاسلامية.

أما النقطة الثانية التي أكد عليها سماحة الإمام القائد (دام ظله) في كلمته الأخيرة؛ فهي تأكيده علی ضرورة بصيرة الشعب في مواجهة أمريكا؛ حيث أكّد على أنّ الشعب الإيراني ينبغي عليه أن يراقب الأوضاع بمنتهى البصيرة ويثبت على موقفه بقوّة، ولاشك في أن هذه التوصية ليست توصية خاصة بالشعب الايراني بل تشمل الشعب المسلم والحر في المنطقة والعالم، أي أن على الشعب المسلم والحر في مختلف الأصقاع أن يراقب بمنتهي البصيرة المؤامرات الأمريكية،  ولا ينسى أنها الشيطان الاكبر.

قد يظنّ البعض أنّ موقفنا الحاسم تجاهَ أمريكا نابع من عواطف وأحاسيسَ فحسب، بينما الحقيقةُ تكمن في أنّ هذا الموقف المناهضَ لها منبثقٌ من وقائعَ تاريخيّة لا يمكن إنكارُها تؤكِّد على أنّ أمريكا هي الشيطان الأكبر الذي لا عهدَ له ولا أَيْمانَ.

وقد أوصى أحد كبار علماء الدين الإيرانيين أنه إذا دعت أحداً ما الظروفُ لمصافحة مسؤول في الإدارة الأمريكية؛ وصافحه فعليه المبادرةَ فوراً لعدِّ أصابعه بعدها، كي يطمئنّ إلى عدم فقدان أحدها.

نعم، إنّه دَيدَنُ الأمريكان في الغدر والمكر، ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، ببركة بصيرة أبناء الأمة ولا سيما أبناء خطَّ المقاومة الذين لن يكِلّوا أو يمَلّوا حتى إخراجهم من المنطقة، منادين بأعلى الصوت: “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*