خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 2 جمادي الثانية 1440 هـ

خطبة الجمعة 2 جمادي الثانية 1440

الموضوع: الأخلاق الإسلامية  (لمحاتٌ من جوانب شخصية السيدة الزهراء (عليها السلام) العبادية)

الخطبة الأولى:

في الأيام الفاطمية التي نعيشها وقد اتّشَحَت الأماكنُ والموالون سواداً، ومواساةً لصاحب العزاء مولانا الإمامِ المهديِّ (عليه السلام) وصاحبةِ المقام الطاهر السيدةِ زينبَ (عليها السلام) على استشهاد بضعة الرسول (صلى الله عليه وآله) حِداداً، نتقدّم بأحرِّ العزاء بهذه المناسبة الحزينةِ، سائلين الله تعالى أن يُعظِمَ لنا الأجرَ بهذا المصابِ الجَلَلِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

لَطالما كان أمرُ الخوضِ في سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) صعباً مستصعَباً، يجعل صاحبَها كمن يحاولُ إطفاءَ غليلِ الوالهينَ،  وإرواءَ عطشِ السائلين بِعَبٍّ كأس ماءٍ من أوسع المحيطات عَبّاً. وسأكتفي في هذه العُجالةِ باستعراضِ بعضٍ من جوانب شخصيّتها العباديّةِ.

إنّ العبادةَ منتهى الخضوع لفظاً وعملاً لله وحدَه بقصد القربة؛ والعبدُ من سَلَّم زِمامَ أمرِه كلِّه لباريه، فلا يملِكُ إلا به، ولا يَفْتَرُ عن طاعته عبداً. وما الممارساتُ العباديّةُ إلا تجلِّيّاتِ تلك الحقيقةِ صلاةً وصياماً وحجّاً وزكاةً وعباداتٍ تَعْكِسُ عُمقَ الخضوع والانقيادِ لمن يستحقُّها وحدَه معبوداً. بل إنّ مفهومَ العبادةِ أعمقُ من ذلك كلِّه وأوسَعُ؛ فما من حركةٍ أو سلوكٍ للعبد الحقيقيِّ إلا وِفْقَ رضى ربِه، وتلك هي العبادةُ الحقيقيّةُ، فعن إمامنا الباقرِ (عليه السلام) قال:S ما من عبادةٍ أفضلُ عند الله من عفة البطن والفرجR (الكافي، ج2، ص80).

وورَدَ في حديث المعراج: Sيا أحمدُ، إنَّ العبادة عشرةُ أجزاء؛ تسعةٌ منها طلبُ الحلالR (إرشاد القلوب، ص373 )

عبادَ الله، لقد قدّمَت مولاتُنا الزهراءُ (عليها السلام) رغمَ قِصَرِ عمرِها وصعوبةِ الظروف التي عاشَتْها نموذَجاً للشخصيّة العباديّة التي شكَّلَت أساسَ باقي أبعادِها الشخصيّة العُلْيا؛ فكانت مثالاً لعبوديّة الله تعالى التي بَلَّغَتْها ذلك المقامَ الشامخَ الذي تَبَوَّأَتْه، كما ذكر العلّامةُ آيةُ الله جوادي الآمليُّ بقوله: Sما بلغَتْ السيدةُ فاطمةُ (عليها السلام) مقامَها الشامخَ إلا لكونها من أهل المناجاة والاستغفار والتعبُّد، لا باعتبارها بنتَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوحيدةَ، أو لأنها زوج علي (عليه السلام) أو أمَّ الحسنين (عليهما السلام) والمعصومين الأطهارِ (عليهم السلام)R .

فاللهَ اللهَ يا عبادَ الله في العمل والجِدِّ والتقوى والعبادةِ، وإياكم أن تغترّوا ببعض الأقوال التي لا أساسَ لها بأنّ ولاية المعصومين تُعفيكم عن السعي؛ فعن الإمام الباقر (عليه السلام) – لخيثمة، لما دخل عليه ليودعه: Sأبلغ موالينا السلام عنّا، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وأعلِمْهم يا خيثمة أنّا لا نغني عنهم من الله شيئاً إلا بعمل، ولن ينالوا ولايتَنا إلا بورعR (بحار الأنوار، ج70، ص309)

وأكتفي هنا بذكر نماذجَ من عبادات الزهراء (عليها السلام) عن لسان المعصومين (عليهم السلام):

عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): Sيا سلمان، إن فاطمة، ملأ الله قلبها وجوارحها إيماناً إلى مُشاشها تفرغت لطاعة اللهR (مناقب آل أبي طالب، ج3، ص116).

ولنستمع لوصف عبادتها بلسان ولدها المجتبى (عليه السلام):

Sرأيت أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعةً ساجدةً حتى اتضح عمود الصبح، و سمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسميهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها:  يا أماه، لما لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بني، الجار ثم الدارR (علل الشرائع، ج1، ص182)

وتلك هي العبادة الحقيقية التي لا تَشغَلُ صاحبَها عن الاهتمام بالآخرين، وهو جوهرُ العبادة.

أمّا حالتُها العباديّة؛ فهو أمرٌ يفوقُ التصوّرَ الخيالَ، ممّا لا يعلمه إلا الله وحده؛ وإليكم ما قاله أبوها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك: S أما ابنتي فاطمة، متى قامت فى محرابها بين يدى ربها جل جلاله أَزْهَرَ نورُها لملائكة السماء كما يُزْهِرُ نور الكواكب لأهل الأرض ويقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي، انظروا الى أَمَتي فاطمة، سيدة إمائي، قائمةً بين يديَّ، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي. أشهدكم أنّي قد آمنتُ شيعتها من النارR (أمالي الصدوق، ص175)

أمّا عبادتُها معنوياً وروحيّاً، فإليكم ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): Sإنّها لتقوم فى محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكه المقربين وينادونها بما نادت به الملائكة مريم فيقولون: يا فاطمة، إنّ الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمينR (من لا يحضره الفقيه، ج4،ص174).

عبادَ الله، أمّا أعظمُ عباداتِها فهي بوقوفُها إلى جانب إمام زمانها علي (عليه السلام) في مواجهة انحراف الأمة، تحملت أَشّدَّ الأذى في جَنْبِ الله، حتى لقِيَتْ وجهَ ربِّها مظلومةً مقهورةً.

وأختم خطبتي الأولى بقراءة ما جرى في اللحظات الأخيرة من حياتها كما رواها الخوارزميُّ:

روى الخوارزمي: Sعن ابن عباس أنه قال: ولمّا جاء فاطمةَ الأجلُ، لم تَحُمَّ ولم تُصْدَع. ولكن أخذَت بيدَي الحسن والحسين فذهبَت بهما إلى قبر النبي ( صلى الله عليه وآله )، فأَجْلَسَتْهُما عنده، ثم وقفَتْ فَصَلَّت بين المنبر والقبر ركعتين، ثم ضمَّتْهما إلى صدرها والتزمَتْهما، وقالت : يا ولدَيَّ! اِجلِسا عند أبيكما ساعةً. وعليٌّ ( عليه السلام ) يصلّي في المسجد، ثم رجعت نحو المنزل، فحملَتْ ما فَضُلَ من حُنوطِ النبي ( صلى الله عليه وآله ) فاغتسلَت به، ولبِست فَضْلَ كَفَنِه، ثم نادت: يا أسماء! وهي امرأة جعفر الطيار. فقالت لها: لبيكِ يا بنت رسول الله. فقالت: تَعَاهَديني، فإني أدخلُ هذا البيتَ، فأضعُ جَنبي ساعةً، فإذا مضَت ساعةٌ، ولم أخرجْ، فنادَيْتِني ثلاثاً؛ فإن أجبتُكِ. وإلا فاعلَمي أنّي لحِقْتُ برسول الله ( صلى الله عليه وآله)، ثم قامت مقامَ رسول الله في بيتها، فصلَّت ركعتين، ثم جَلَّلَتْ وَجْهَها بطَرَفِ رِدائها وقَضَتْ نَحْبَها، وقيل: بل ماتت في سجدتها. فلما مضت ساعةٌ أقبلَت أسماءُ فنادت: يا فاطمةُ الزهراءُ، يا أمَّ الحسن والحسين، يا بنتَ رسول الله، يا سيدةَ نساء العالمين، فَلَم تُجِبْ، فدخلْتُ فإذا هي ميتة، فقال الأعرابي: كيف علِمَتْ وقتَ وفاتها يا ابن عباس؟ قال: أعلَمَها أبوها. ثم شَقَّتْ أسماءُ جَيبَها، وقالت: كيف أَجتَرِىءُ فأُخبرَ ابنَي رسول الله بوفاتِكِ؟ ثم خرجَتْ، فَتَلَقَّاها الحسنُ والحسينُ فقالا: أين أمُّنا ؟ فسكتَتْ. فدخلا البيتَ؛ فإذا هي مُمْتَدَّةٌ، فَحَرَّكَها الحسينُ، فإذا هي ميتة، فقال: يا أخاه، آجَرَكَ اللهُ في أُمِّنا. وخرجا يناديان: يا محمداه! اليومَ جُدِّدَ لنا موتُك؛ إذ ماتت أمُّنا. ثم أخبرا علياً وهو في المسجد فَغُشِيَ عليه، حتى رُشَّ عليه الماءُ، ثم أفاقَ فحملَهُما، حتى أَدْخَلَهُما بيتَ فاطمةَ الزهراءِ، فرآها وعند رأسها أسماءُ تبكي، وتقول: وايتامى محمداه! كنا نَتَعَزَّى بفاطمة ( عليها السلام ) بعد موت جدكما، فَبِمَن نتعزّى بعدها؟ ثم كشف علي ( عليه السلام ) عن وجهها فإذا بِرُقعةٍ عند رأسها …R

الخطبة الثانية:

أيها الاخوة والأخوات

أَوَدُّ أن أخصِّصَ الخطبةَ الثانيةَ للحديث عن مناسبةٍ مُهِمَّةٍ سنُقْبِلُ عليها بعدَ أيّامٍ قليلةٍ؛ ألا وهي ذكرى انتصارِ الثورةِ الإسلاميّةِ الإيرانيّةِ.

نعم أيّها الإخوةُ والأخَواتُ؛ في مثلِ هذه الأيّامِ، تدخُلُ تلك الثورةُ المباركةُ ربيعَها الأربعين، لِنَستَذكِر- والعالَمَ أجمعَ- ذلك النداءَ الذي أطلقه رجلٌ إلهيٌّ بشخصيّته المعنويّةِ الروحيّةِ التوحيديّةِ لِيَدُكَّ حصونَ الظلمِ والجَورِ والغَطرَسةِ بدعوته التي وَجَّهَت الناسَ لكلمة التوحيد وتوحيدِ الكلمة والتوكّل على الله وحدَه والإسلامِ المحمديِّ الأصيلِ وحدَهُ؛ إيذاناً بالاستقلالِ ورفضِ التَّبَعِيّة للغرب والشرق ومقاومةِ الظلمِ والجورِ والاستكبارِ.

لم يكن ذلك الشخصُ الربّانيُّ ومعجزةُ العصرِ سوى مفجِّر الثورة الإسلامية الإيرانية ومؤسّسِ جمهوريّتها الإمامِ الخمينيِّ العظيم (رض).

لقد ذابَ الإمامُ في مجموعةٍ من القِيَمِ الراقيةِ وتَمثَّلها قولاً وعملاً؛ ما أَضْفى على شخصيتِه تلك الصبغةَ الإلهيّةَ المقدَّسةَ لدى الناس أجمعين، بل إنّ كُرورَ اللّيالي والأيّام تزيدُ محبّةَ البشرِ لها، والالتزامِ بمبادئها. أَلا يدعونا ذلك للتساؤل عن السبب الذي جعل لتلك الثورة ومفجِّرِها تلك المكانةَ العاليةَ في قلوب الناس؟

لقد أجاب الإمامُ الخمينيُّ (رض) نفسُهُ عن السؤال، حين كان يعتبِر كلَّ ما حقّقَ من الله وحدَه، لا منه أو تدبيرِه أو فكرِه واقتدارِه؛ فكانت كافّةُ أعمالِه مصداقاً للصالحاتِ التي وفَّقه تعالى لها، حيث يقول في كتابه الكريم: Pإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّاO (سورة مريم، الآية 96).

وما هَوَتْ أفئدةُ المؤمنين المظلومين إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلا لقيام صَرْحِ نظامِها على أُسُسِ مجموعةِ القِيَمِ تلكَ التي لم تتزحزحْ عنها قَيْدَ أَنمُلَةٍ؛ وعلى رأسِها دعمُ مستضعفي العالم الذي التزم به الإمامُ الراحلُ وسار على نهجه خَلَفُه الصالحُ سماحةُ الإمامِ الخامنئيِّ (دام ظله)…

لقد كانت الأربعون عاماً من عُمر الثورةِ، حافلةً بدعم الجمهورية الإسلامية للمظلومين على امتداد العالم؛ من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن والبحرين وغيرِها، فكانت بحقٍّ أربعين ربيعاً للمستضعفين؛ الأمرُ الذي أثارَ حفيظةَ الظالمين والمستكبرين عليها؛ إذ إنّ من يَصْطَفُّ في مواجهة أولئك، سيكون على رأس أعدائه أمريكا والكيان الصهيونيُّ وأذنابُهما ممّن لا تعرف أطماعُهم في الهيمنة حدوداً.

من هنا، لم ولن نستغربَ عداوةَ الاستكبار والصهيونيةِ لنا، بل لن نأمَلَ أبداً بإصلاح سلوكهم تِجاهَنا، لأنّنا مؤمنون بزوالهم اعتقاداً بوعد الله بنصرة المظلومين والقضاءِ على الظالمين…

نعم! لقد تَوَخّى المستكبرون والصهاينةُ بعداوتهم ومؤامراتِهم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وثورتِها أن يَئِدوها في مَهدِها ويقضوا عليها أو يحرِفوها عن مسارِها، غافلين عن هويتها المتجسِّدة بجوهرِ الإسلام المحمديِّ الأصيل القائمِ على رفض الظلم والغطرسة. ولم تَزِدْ ضغوطاتُ الأعداءِ جمهوريتَنا وثورتَها طوالَ أربعة عقودٍ إلا قوةً ومَنَعةً وعزةً وشموخاً؛ فهاهي الانتصارات والإنجازات المتتاليةُ في مختلَف المستويات أكبر دليلٍ على ذلك.

وإن لم يكن للثورة المباركة من إنجازٍ سوى إيقادِ جَذْوةِ الأملِ في نفوس شعوب المنطقة وبَثِّ روحِ مكافحةِ الاستكبار ومواجهة الظلم تحت عنوانٍ جديدٍ باسم محور المقاومة الممتَدِّ من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومروراً بالعراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين؛ فيكفيها فخراً، ولاسيّما أنّ هذا المحورَ آخذٌ في الاتِّساع ليشملَ البحرين ونيجيريا وحتى القارّة الأمريكية اللاتينية في ما يُعْتبَر الحديقةَ الخلفيّةَ للبيت الأبيض الذي تهتزُّ أركانُه بشعارات رفض الظلم والجور التي ترتفع عالياً “الموت لأمريكا… الموت لأمريكا”…

نعم! إنّ ذلك الشعارَ لم يعُدْ حَكْراً على الجمهورية الإسلامية فَحَسْبُ، بل أصبح شعاراً لأحرار العالم ومستضعفيهم.

وإنّ من أبرز إنجازات ثورتنا أنّها قلبت المعادلاتِ وكَسَرَت القوالِبَ والأصنامَ القديمةَ في النظام العالميِّ الذي كان يقوم على ثنائية القطبية الشرقيةِ والغربيةِ، لِتَحِلَّ مَحِلَّها ثنائيةُ الحق والباطل، الظالم والمظلوم، المقاومة والاستكبار. ما جعلَنا ننتقل من مستوى المقاومة الإسلامية إلى مستوى المقاومة العالمية ضد الاستكبار العالمي وهيمنته؛ وهاهي فنزويلا أبرزُ ترجمةٍ لبِشارةِ الإمام الراحل (رض) بتصدير قِيَم الثورة حول العالم.

إنّ هذا المبدأ يقوم على احترام سيادة الدول والشعوب ورفض التدخل في شؤونها الداخلية وتقديم يدِ العَونِ للمظلومين وبَثِّ روح المقاومة والثبات، كما بادرت الجمهورية الإسلاميةُ لمساعدة شعوب المنطقة في مواجهة الإرهاب التكفيري الأمريكي الصهيوني بطلبٍ من الحكومات الشرعية؛ فوقفت إلى جانب القيادة والجيش والشعب في سوريا في وجه الحرب الكونية التي تعرضت لها، وكذلك الأمرُ مع فلسطين ولبنان واليمن والعراق وغيرها.

فشتّانَ بين هذا المبدأِ وشعار أمريكا المستكبرة بتدمير الشعوب والدول تحت شعار تصدير الديمقراطية وحقوق الإنسان المزعومِ؛ وكفى بسجون أبو غريب وغوانتنامو ومجازر اليمن والتدخلات في فنزويلا وسوريا ودعم جرائم الكيان الصهيوني وبناء الأسوار وفصل أطفال المهاجرين عن آبائهم وصناعة الإرهاب وداعش نماذجَ عن النموذج الأمريكي لتصدير قيمها.

إنني حين زرتُ أحد الشباب السوريين المصابين نتيجةَ الحرب الأخيرةِ، وقد فقد عينيه وقُطِعَت يداه؛ إحداهما من جهة الكفّ والأخرى من ناحية المرفق، وهو مع ذلك كلِّه مليءٌ ثقةً وإيماناً بالنصر ويقول: إنني لأخجلُ من نفسي أن ألتزم بيتي وألّا أتمكّن من الدفاع عن وطني نتيجةَ إصاباتي، بينما إخوتي وأقراني منتشرون في الخنادق والجبهات يؤدّون واجبهم وأنا قابِعٌ في زاويةٍ من منزلي!

بسماع تلك الكلمات، استذكرتُ قيمَ ثورتنا في الإباء والصمود والبصيرة التي ضحّى في سبيلها خِيرةُ شبابنا استلهاماً من فكر الإمام والثورة…

إنني حين زرت أسرةً من إخواننا السنّة بحلب الصمود، وقد قدّمت خمسةً من أبنائها شهداءَ، فسألت الأب والأمّ عن إحساسهما ومشاعرهما، ليأتي الجوابُ شكراً لله تعالى ثلاثاً على أن منّ عليهم بشهادة أبنائهم ولا سيّما أنّ اثنين منهم قُطع رأسُهما في هذا السبيل على يد التكفيريين اللُّعَناءِ.

بهذا الموقف العظيم، استذكرتُ قيمَ ثورتنا التي أراد إمامنا الراحل وإمامنا الخامنئي أن تترسّخَ مبادئ المقاومة والصمود في المنطقة كي يدافعوا عن أوطانهم وقيمهم رفضاً للظلم والاستكبار.

ويحقُّ لنا أن نخاطب إمامنا الراحل بالقول: نَمْ قريرَ العينِ يا إمامنا، فهذه شعوب منطقتنا وأحرارُ العالم قد استوعبَت رسالتك وتمثَّلَت قِيَمَك في المقاومة حتى صارت نهجاً تسير عليه وتقدّم أغلى ما تملك للدفاع عنه.

وهاهو خلفُك الصالحُ الإمامُ الخامنئيُّ دام ظله يقود السفينة بكلّ مهارة وَسْطَ عواصف الضغوط والتهديدات رافعاً أشرِعةَ دعم المستضعفين والمظلومين في كل مكان متمسكاً بوصية جدّه الإمامِ علي (عليه السلام) حين قال: Sکونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناًR ؛ فكانت مواقفُه صدىً لنداء صاحبة المقام السيدةِ زينب (عليها السلام) حين قرَّعَت طاغيةَ زمانها بكلّ شموخ قائلةً: Sفکد کيدك واسع سعيك. فوالله لا تمحو ذکرنا ولا تميت وحيناR .

وإنّ مواقف الجمهورية الإسلامية بقيادة إمامنا الخامنئي تجسيدٌ للخطاب الحسيني حين قال: Sألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد رکز بين اثنتين؛ بين السلة والذلة. وهيهات منا الذلةR.

في ذكرى انتصار ثورتنا وهي تدخل عقدَها الخامسَ، نؤكد على استمرار النهج المقاوم، معاهِدين الله أنّنا لن نتخلى عن قضية فلسطين والقدس ودعم سوريا الصمود واليمن والعراق والبحرين وكافة مستضعفي العالم. ولن نكِلَّ أو نَمَلَّ حتى تحقيق النصر النهائي بزوال الغدة السرطانية إسرائيل، والصلاة جماعةً في القدس الشريف كما بشّر سماحةُ إمامنا الخامنئي. وما النصر إلا من عند الله القوي العزيز.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*