قراءة في سفر رئيس الجمهورية العربية السورية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية واللقاء المميز بقائد الثورة الإسلامية

قراءة في سفر رئيس الجمهورية العربية السورية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية واللقاء المميز بقائد الثورة الإسلامية

“خطبة صلاة الجمعة في مصلى مقام السيدة زينب (ع) 1-3-2019م : ”

 

أيها الاخوة و الأخوات!

أوَدُّ في هذه الخطبة الحديثَ عن تَطَوُّرٍ سياسيٍّ مُهِمٍّ سَجَّلَهُ مؤخَّراً مَسارُ العلاقاتِ السياسيّةِ بين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والجمهوريّة العربيّة السوريّة، مُتَمَثِّلاً في الزيارةِ التي قامَ بها سيادةُ الدكتورِ بشار الأسد رئيسُ الجمهوريّة العربيّة السوريّة لطهران، ولقائِهِ التاريخيِّ الاستثنائيِّ هناك بسماحةِ الإمام الخامنئيِّ (دام ظلُّه).  

إنّ مِثلَ تلك الزيارات وإن كانت ليست بغريبةٍ في تاريخ العلاقات الثنائيّة التي شَهِدَت قَفْزةً نوعيّةً إستراتيجيّةً منذ انتصار الثورةِ الإسلاميّة الإيرانيّةِ قبلَ أكثرَ من أربعةِ عقودٍ بقيادةِ الإمامِ الخمينيِّ (رض)، لتترسّخَ منذ عهدِ الرئيس الراحل حافظِ الأسد (ره) وتتعزَّزَ في مختلَفِ الأبعاد والمستوياتِ برعاية فخامةِ الرئيس الدكتور بشارِ الأسدِ؛ إلا أنّ الزيارةَ الأخيرةَ حملَتْ من المعاني والدَّلالاتِ ما يستَحِقُّ الوقوفَ عندَها واستعراضَ جوانِبِها المختلِفةِ.

وَلْنَبْدَأ بتَوقيتِ الزيارة الذي يتزامَنُ واحتِفالاتِ النصرِ السوريّةِ على قُوى الشرِّ الإرهابيّةِ التكفيريّةِ واعترافِ العالَمِ أجمَعَ بصوابيّةِ موقِفِها قيادةً وجيشاً وشعباً؛ فسارعَت كثيرٌ من حكوماتِها للطلبِ منها بإعادةِ علاقاتِها السياسيّةِ معها إمّا من خلال افتتاح السفاراتِ والبَعثاتِ الدبلوماسيّةِ بدمشقَ أو القيامِ بزياراتٍ رسميّةٍ لها…

نعم! لقد جاءت تلك الزيارةُ في وقتٍ يمُرُّ فيه أعداءُ سوريا الأبِيَّةِ بأوقاتٍ عصيبةٍ يعانون فيها من الضعفِ والهَوانِ وهُم على هاويةِ السقوطِ والانهيارِ؛ فهذه داعشُ تلْفِظُ أنفاسَها الأخيرةَ قبلَ القضاءِ عليها نهائياً تمهيداً لِبَسْطِ الدولة السوريةِ على كامل أرضها بعد تطهيرها من دَنَسِ الإرهابيين وأربابِهِم الأمريكان الذين انقلَبَتْ عليهم الطاولةُ وذهبَتْ أوهامُهُم بتقسيم سوريا أَدْراجَ الرياحِ حتى انحشَروا في زاويةٍ لم يَجِدوا بُدّاً من التخلُّصِ منها سوى التخبُّطِ بإطلاق تصريحاتٍ تعلن انسحابَهم أذِلّاءَ خانعينَ لا رغبةً منهم بذلك، بل خوفاً من ضرباتِ المقاومةِ التي تمثِّل سوريا من أهمِّ محاورِها.

وما يشرحُ صدورَ أبناءِ المنطقةِ المقاوِمين تزامُنُ تلك الزيارةِ مع دخول الثورة الإسلامية المباركة في إيرانَ عقدَها الخامسَ من عُمُرِها وهي أقوى من أيِّ وقتٍ مضى وقد تكَسَّرَتْ على صَخْرَتِها الصَّلْبَةِ أمواجُ مؤامراتِ أعدائها الذين كانوا يُمَنُّون أًنفُسَهم بمنع الشعب الإيرانيِّ من الاحتفال بدخول ثورتهم ربيعَها الأربعينَ، فخابَتْ ظنونُهم بحمد الله، ليصطدِموا بواقِعِ خطأِ حساباتِهم المعهودِ وَهُمْ يشهدون تعزيزَ موقف محور المقاومةِ بعد زيارةِ وفدٍ إيرانيٍّ رفيع المستوى مؤخَّراً لدمشقَ وتوقيع العديد من اتفاقيّاتِ التعاون الإستراتيجيّةِ بعيدةِ المَدى، في أوضَحِ تعبيرٍ عن أنَ ما يجمعُ سوريا بإيرانَ أعمَقُ بكثيرٍ من أنْ يناله تخرُّصاتُ الأمريكانِ والصهاينةِ.

وهنا نُشيرُ إلى البُعْدِ الآخَرِ للزيارة المتمثِّل في مستواها؛ حيث كانت الثانيةَ لسيادة الرئيس الدكتورِ بشارِ الأسدِ منذ الأزمة خارجَ البلادِ في رسالةٍ لكافّة الأعداء الذين راهَنوا على دَقِّ إسفينِ الاختلافِ بين إيرانَ وسوريا إمّا ترغيباً أو ترهيباً، ولكنّهم خابوا وخسِروا كما عبّر الإمامُ الخامنئيُّ (دام ظلُّه) عن ذلك بقوله إنّهم ظنّوا أنّ سوريا بقيادة الرئيس الأسد مثلُ بعض دول الأَعرابِ المنبطِحةِ في المنطقة التي اختارت الوقوفَ إلى جانبِ الكيان الصهيونيِّ الغاصبِ ذليلةً خانعةً داعيةً للتطبيع العلنيِّ معها دون خجلٍ أو حياءٍ. بينما قدَّم الرئيسُ الدكتورُ بشارُ الأسدُ نموذجَ القائدِ العربيِّ المقاوِم الذي لم تُغْرِهِ المُغْرَياتُ ولم تُرْهِبْهُ التهديداتُ كي يتنازلَ عن خطِّ المقاومةِ، فسَجَّلَ اسمَهُ في سِجِلِّ القادةِ العظماء وتحوَّل بطلاً قوميّاً عربيّاً على حَدِّ تعبير الإمام الخامنئيِّ (دام ظلُّه) يؤمن بالعلاقة الإستراتيجيّةِ الوثيقةِ التي تجمع إيرانَ بسوريا في محور المقاومة، ولن يتمكّنَ أحدٌ من المَسِّ بتلك العلاقة حتى تحرير فلسطينَ كلِّ فلسطينَ من البحر إلى النهرِ، وسيبقى شعارُ المحورِ الأبديُّ الذي نُرَدِّدُه دائماً بأعلى أصواتنا “الموت لإسرائيل”…

 

أمّا البُعْدُ الثالثُ للزيارة فتجلّى في تفاصيل الاستقبال الوُدِّيِّ المُمَيَّزِ الذي تلقّاه فخامةُ الرئيس الدكتور بشار الأسد من قِبَلِ الإمامِ الخامنئيِّ (دام ظلُّه)؛ حيث احتضنه بحرارةٍ ودِفءٍ لا نظيرَ له تعبيراً عن المكانةِ الخاصّةِ التي يحظى بها فخامتُهُ في قلب الإمامِ القائدِ في موقفٍ لم يَحْظَ به أيٌّ من رؤساء الدول الأخرى؛ فقد بَدَت الزيارةُ- كما ذكر أحدُ الخبراءِ- أكثرَ من زيارة انتصار ووفاء، ومن المجحف حصرُ أبعاد هذه الزيارة بالتهنئة والشكر، لم تكن لغة الجسد التي ظهرت على الرئيس الأسد دبلوماسيّةً، بل غابت قواعد البروتوكول عن المشهد، قائد الثورة الإسلاميّة آية الله خامنئي قابله بالمحبة ذاتها أيضاً حيث احتضن “الرئيس المنتصر” بحرارة زادتها دفئاً اللغة العربية التي تحدّث بها الطرفان. ناهيكَ عن حضورِ الحاجّ قاسم سليمانيّ قائدِ قوة القدس في الحرس الثوري الإسلامي في لقاءات الرئيس الأسد، ما يعكِسُ طبيعةَ العلاقة بين البلدين، والتي رُوِيَتْ بدماءِ الشهداء التي يستحيلُ على الأمريكانِ والصهاينةِ ضربَها أو فَكَّ الارتباطِ بينهما.

أيها المؤمنون والمؤمناتُ!

أمّا مضمونُ الأحاديثِ التي تُبُودِلَتْ في لقاء الرئيس الأسد مع السيد القائد، فقد كانت تحمل من الرسائل التي فهمها العدوُّ قبلَ الصديق؛ حيث قال الإمامُ الخامنئيُّ لضيفه العزيز: “إن مفتاح النصر في سوريا، وهزيمة أمريكا ومرتزقتها في الإقليم، هو الرئيس السوري وعزيمة الشعب ومقاومته”، مؤكداً أن هوية المقاومة وقوتها تعتمدان على التحالف الاستراتيجي لسوريا وإيران، الذي من شأنه إفشال تنفيذ خطط الأعداء، وفي مقدّمتهم أمريكا.

كما أكّد سماحتُه على ضرورة الحفاظ على روحيّة الصمود ومضاعفة قوّة الشعب والحكومة السورية وتوجّه إلى السيّد بشار الأسد قائلاً: “لقد أثبتّم سيادة الرّئيس بصمودكم أنّكم قد تحوّلتم إلى بطل العالم العربي ولقد اكتسبت المقاومة المزيد من القوّة وماء الوجه من خلالكم”.

وأضاف الإمام الخامنئي قائلاً: “الجمهورية الإسلاميّة في إيران كما في السابق ستكون إلى جانب الشعب السوري، لأنها تعتبر دعم الحكومة والشعب السوري دعماً لتيّار المقاومة وتفتخر بدعم المقاومة من أعماق القلب”.

في المقابل، ذكّر الرئيس بشار الأسد بالخسائر الكبيرة التي تحمّلتها بعض الدول نتيجة استسلامها ورضوخها لأمريكا ثمّ أردف قائلاً: لقد كانت العديد من الدول راضخة لأمريكا وكانت تظنّ أنّ أمريكا هي من تحدّد مصير ومستقبل العالم لكنّ هذا التصوّر ينهار حاليّاً نتيجة لصمود الشعوب المقاومة.

نعم! هذه الكلماتُ هي كلمةُ سرِّ انتصارات محور المقاومة؛ فالمستقبل لمحور المقاومة في المنطقة… وإنّ أبناء المنطقة المقاومين هم وحدَهم من سيرسمون مستقبل المنطقة والعالم أجمع، لا أمريكا ولا الكيانُ الصهيونيُّ… شاء من شاء وأبى من أبى… ومن أراد الإثباتَ فعليهِ مراجعة تجارُب المنطقة التي لم تعرِفْ فيها القوى الاستكباريةُ والصهيونيةُ طعمَ الهزيمةِ إلا بعد تعزيز روح المقاومة والعزة فيها من إيران والعراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين، وارتفاع شعارها الخالد الذي دكَّ حصونَ الاستكبار والصهيونية والرجعية والتكفير: “هيهات منا الذلة… هيهات منا الذلة”.

فأسأل الله تعالى أن ينصر الأمة الاسلامية ومحور المقاومة والمجاهدين في كل مكان.

وأسأله تعالى أن ينصر جميع الشعوب المستضعفة في مواجهة المستكبرين والصهاينة والمتصهيِنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*