خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 23 جمادى الآخرة 1440 هـ

خطبة الجمعة 23 جمادى الآخرة 1440هـ

الموضوع: “الزهراءُ أمُّ أبيها

الخطبة الأولى:

كنتُ أَوَدُّ أن أخَصِّصَ خطبةَ جمعة الأسبوعِ الفائتِ للحديثِ عن ذكرى ميلاد بضعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، سيدتِنا ومولاتِنا فاطمةَ الزهراءِ البتولِ (سلام الله عليها)، فَاضْطُرَّني داعي السفرِ للحُؤولِ دونَ ذلك الشرفِ العظيمِ، ورأيتُ ألّا أَحْرِمَ نفسي وإيّاكم هذا اليومَ من انتهال فضلِ ذلك الكوثر العَميمِ، ونحن لا نزالُ نعيشُ أجواءَ المولدِ الفاطميِّ العاطرةَ، كي نغتنمَ الفرصةَ لبيانِ بعضِ فضائلِها الفاخرةِ، سائلين اللهَ تعالى أن يجعلَنا من المتمسِّكين بنهجِها وعِتْرتِها الطاهرةِ.

إن لم يكن لفاطمةَ (سلام الله عليها) من فضلٍ سوى ما كَنّاها أبوها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) بأمِّ أبيها، لكفاها بذلك فخراً لا يُضاهيهِ أيُّ فخرٍ! فقد ذكرَ الأِربليُّ في “كشف الغُمَّة” أنَ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يُعَظِّمُ شأنَها ويرفع مَكانَها، وكان يُكَنِّيها بأمِّ أبيها.

لا ريْبَ في أنّ تلك الكُنيةَ انعكاسٌ لعَظَمَة مَقامِ الزهراء (سلام الله عليها) وعُلُوِّ شأنِها؛ فهو أمْرٌ لا يختلفُ في استيعابه اثنان، ولا يُنكِرُ فهمَه إنسانٌ، وقد صَدَر مِن أَشْرفِ من عرفه الثَّقَلان، سيِّدِنا النبيِّ العدنانِ (صلى الله عليه وآله), ورسولُنا الكريمُ، كما تعلمون، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.

فما السرُّ- والحالُ هذه- في إسباغِهِ تلك الصفةِ على بضعتِه بالخصوص؟ وما الخصوصيّةُ التي تميَّزَتْ بها الزهراءُ البتولُ (عليها السلام) حتى تؤهِّلَها للتَّكَنّي بأمّ أبيها حسبَ ما نقلَت الصِّحاحُ من النصوص؟ 

لفظةُ الأمِّ في العربيةِ تعني أصلَ كلّ شيئٍ وأساسَه وجذرَه؛ إمّا من جهة الخلقِ والوجود أو من جهة الاستمرار والبقاء. فجذورُ النبتة الراسخةُ من أهمِّ عواملِ نموِّها وتفرُّعِ أغصانِها وأوراقها. وإنّما سُمِّيَت والدةُ الإنسان بالأُمِّ لدورِها الأساسِ فی وجود الإنسان ولادةً واستمرارِ حياته رعايةً…

فإنْ أسقَطْنا ذلك المعنى على الزهراء (سلام الله عليها) في ضوء تلقيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إيّاها بأمّ أبيها، لانْتَفَت الجهةُ الأولى من المعنى عضويّاً، ولم تَبْقَ إلا الثانيةُ؛ فكيف كانت الزهراء (سلام الله عليها) سبباً لاستمرار وجود الرسول (صلى الله عليه وآله) وخلوده؟

للإجابة عن ذلك السؤال، ما علينا سوى الرجوع للقرآن الكريم كي نجدَ بُلْغَتَنا من خلال آياته. فهاكُم بعضَها:

سورة الکوثر:

وقد أجمعَ المفسرون من سياق آياتها أنها خاصّةٌ بالزهراء (سلام الله عليها)؛ فلا تخلو من دلالة على أنّ وُلدَ فاطمة (عليها السلام) ذريتُه (صلى الله عليه وآله)، وهذا في نفسه من مَلاحِم القرآن الكريم. فقد كَثَّر الله تعالى نسلَه بعدَه كِثْرةً لا يعادلهم فيها أيُّ نسلٍ آخَرَ مع ما نزل عليهم من النوائب وأفنى جموعَهم من المَقاتِل الذريعة حسْبَ ما ذكر العلامة الطباطبائي في تفسيره. وذكروا في شأن نزولها ما يلي:

Sوكانت العرب تسمي من كان له بنون وبنات، ثم مات البنون وبقي البنات: أبترَ. فيقال: إن العاص وقف مع النبي – صلى الله عليه وسلم – يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: مع من كنت واقفاً؟ فقال: مع ذلك الأبتر. وكان قد توفي قبل ذلك عبدُ الله ابنُ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -، وكان من خديجة; فأنزل الله جل شأنه: “إن شانئك هو الأبتر” أي المقطوع ذِكرُه من خير الدنيا والآخرةR

فهل ينحصر معنى استمراريّةِ الرسول (صلى الله عليه وآله) بكثرة النسل الجسمانيِّ فحسبُ؟

لعلّ من ضيق الأفقِ الوقوفُ على مجرَّد ذلك المعنى؛ إذ لم يتحمّل رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) كلَّ تلك المصاعبِ والمَشاقِّ ليُخَلِّدَ ذِكرَه فقط.

فلعلّ في تلك الآيات والروايات أعظمُ إشارةٍ إلى ما للزهراء (سلام الله عليها) من حقٍّ على الرسالة والإمامة في كافّة نجاحات ذلك الخطِّ الإلهيِّ وإنجازاتِه، ناهيك عن بقائه واستمرارها إسلاماً ثورياً رسالياً يمهِّدُ للحكومة العالمية الموعودة؛ فهی الکوثر الذي أعطاه الله تعالی لرسوله المصطفی لاستمرار دينه و شريعته الخالدة؛ فهي بحقٍّ أمُّ أبيها، وبسببها استمرت الشريعة الإسلامية إلی يومنا هذا.

آية المباهلة

ومن الآيات القرآنية التي تعيننا في مزيد من فهم معنى تلك الكنية الفاطمية؛ هي الآية (61) من سورة آل عمران حيث يقول تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾، وقد نقل الفخر الرازي وقائع القصة على التفصيل الآتي:

” روي أنَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أورد الدلائل علی نصاری نجران، ثمَّ إنَّهم أصروُّا علی جهلهم، فقال: « إنَّ الله أمرني إنْ لم تقبلوا الحُجَّة أنْ أباهلکم »، فقالوا: ياأبا القاسم! بل نرجع فننظرفي أمرنا، ثمَّ نأتيك، وکان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)   خرج و عليه مرط من شعر أسود، وکان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشی خلفه، وعليٌ رضي الله عنْه خلفها، وهو يقول: إذا دعوتُ فأمِّنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصاری! إنِّي لأری وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مکانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلکوا، ولا يبقی علی وجه الأرض نصرانيٌّ إلی يوم القيامة، ثمَّ قالوا: يا أبا القاسم! رأينا ألاَّ نباهلك وأنْ نُقرِّك علی دينك … وقال: والذي نفسي بيده، إنًّ الهلاك قد تدلَّی علی أهل نجران، ولو لاعنوا لمُسِخُوا قردةً وخنازيرَ ، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتَّی الطير علی رؤوس الشجر”

فيظهر من ذلك دور الزهراء (سلام الله عليها) باعتبارها محور مواجهة الانحراف الفكريِّ والتغلُّبِ عليه. ناهيك عمّا بيبِّن من فضلها باختيارها دون سائر النساء من أمّهات المؤمنين وأزواج الرسول (صلى الله عليه وآله) مع حضورهنّ. فكانت بحقٍّ أمَّ أبيها في صراع رسالة الإسلام ضدّ تيارات الانحراف وبقاء الدين.

آية القربى:

قال تعالى: P قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ O (سورة الشورى، الآية 23)، وقد اتفق المسلمون على نزولها في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) القريبة؛ فقد روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: Sجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اعرض عليَّ الإسلام. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. قال: تسألني عليه أجراً؟ قال: لا، إلا المودة في القربى. قال: قرابتي أو قرابتك؟ [وفي رواية: قرباي أو قرباك] قال: قرابتي. قال: هات أبايعك فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: آمينR (حلية الأولياء، ج3، ص201).

أما عن مصداق تلك القرابة وتحديدها؛ فقد نقل الحاکم الحسکانيُّ ابن عباس أنه قال:

Sلما أنزلت: P قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ Oقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهماR. (شواهد التنزيل، ج2، ص190)

وهنا أيضاً تتجلى محورية الزهراء (سلام الله عليها) في تقييم أجر الرسالة؛ إذ ليست قرابةُ الرسول (صلى الله عليه وآله) وقرباه سوى فاطمة ابنتِه ومن ارتبط بها زوجاً وهو علي ابن عم الرسول (صلى الله عليه وآله) وكذلك من انتسب إليها نسباً وهما الحسنان (عليها السلام) سبطا الرسول (صلى الله عليه وآله).

إذن فاطمةُ هي أمُّ الرسالة والإمامة؛ التي لولاها لما بقي من الإسلام الأصيل إلا اسمُه ومن الشرع المحمدي إلا رسمُه. فسلام الله على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها.

الخطبة الثانية:

أوَدُّ في هذه الخطبة الحديثَ عن تَطَوُّرٍ سياسيٍّ مُهِمٍّ سَجَّلَهُ مؤخَّراً مَسارُ العلاقاتِ السياسيّةِ بين الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والجمهوريّة العربيّة السوريّة، مُتَمَثِّلاً في الزيارةِ التي قامَ بها سيادةُ الدكتورِ بشار الأسد رئيسُ الجمهوريّة العربيّة السوريّة لطهران، ولقائِهِ التاريخيِّ الاستثنائيِّ هناك بسماحةِ الإمام الخامنئيِّ (دام ظلُّه).  

إنّ مِثلَ تلك الزيارات وإن كانت ليست بغريبةٍ في تاريخ العلاقات الثنائيّة التي شَهِدَت قَفْزةً نوعيّةً إستراتيجيّةً منذ انتصار الثورةِ الإسلاميّة الإيرانيّةِ قبلَ أكثرَ من أربعةِ عقودٍ بقيادةِ الإمامِ الخمينيِّ (رض)، لتترسّخَ منذ عهدِ الرئيس الراحل حافظِ الأسد (ره) وتتعزَّزَ في مختلَفِ الأبعاد والمستوياتِ برعاية فخامةِ الرئيس الدكتور بشارِ الأسدِ؛ إلا أنّ الزيارةَ الأخيرةَ حملَتْ من المعاني والدَّلالاتِ ما يستَحِقُّ الوقوفَ عندَها واستعراضَ جوانِبِها المختلِفةِ.

وَلْنَبْدَأ بتَوقيتِ الزيارة الذي يتزامَنُ واحتِفالاتِ النصرِ السوريّةِ على قُوى الشرِّ الإرهابيّةِ التكفيريّةِ واعترافِ العالَمِ أجمَعَ بصوابيّةِ موقِفِها قيادةً وجيشاً وشعباً؛ فسارعَت كثيرٌ من حكوماتِها للطلبِ منها بإعادةِ علاقاتِها السياسيّةِ معها إمّا من خلال افتتاح السفاراتِ والبَعثاتِ الدبلوماسيّةِ بدمشقَ أو القيامِ بزياراتٍ رسميّةٍ لها.

نعم! لقد جاءت تلك الزيارةُ في وقتٍ يمُرُّ فيه أعداءُ سوريا الأبِيَّةِ بأوقاتٍ عصيبةٍ يعانون فيها من الضعفِ والهَوانِ وهُم على هاويةِ السقوطِ والانهيارِ؛ فهذه داعشُ تلْفِظُ أنفاسَها الأخيرةَ قبلَ القضاءِ عليها نهائياً تمهيداً لِبَسْطِ الدولة السوريةِ على كامل أرضها بعد تطهيرها من دَنَسِ الإرهابيين وأربابِهِم الأمريكان الذين انقلَبَتْ عليهم الطاولةُ وذهبَتْ أوهامُهُم بتقسيم سوريا أَدْراجَ الرياحِ حتى انحشَروا في زاويةٍ لم يَجِدوا بُدّاً من التخلُّصِ منها سوى التخبُّطِ بإطلاق تصريحاتٍ تعلن انسحابَهم أذِلّاءَ خانعينَ لا رغبةً منهم بذلك، بل خوفاً من ضرباتِ المقاومةِ التي تمثِّل سوريا من أهمِّ محاورِها.

وما يشرحُ صدورَ أبناءِ المنطقةِ المقاوِمين تزامُنُ تلك الزيارةِ مع دخول الثورة الإسلامية المباركة في إيرانَ عقدَها الخامسَ من عُمُرِها وهي أقوى من أيِّ وقتٍ مضى وقد تكَسَّرَتْ على صَخْرَتِها الصَّلْبَةِ أمواجُ مؤامراتِ أعدائها الذين كانوا يُمَنُّون أًنفُسَهم بمنع الشعب الإيرانيِّ من الاحتفال بدخول ثورتهم ربيعَها الأربعينَ، فخابَتْ ظنونُهم بحمد الله، ليصطدِموا بواقِعِ خطأِ حساباتِهم المعهودِ وَهُمْ يشهدون تعزيزَ موقف محور المقاومةِ بعد زيارةِ وفدٍ إيرانيٍّ رفيع المستوى مؤخَّراً لدمشقَ وتوقيع العديد من اتفاقيّاتِ التعاون الإستراتيجيّةِ بعيدةِ المَدى، في أوضَحِ تعبيرٍ عن أنَ ما يجمعُ سوريا بإيرانَ أعمَقُ بكثيرٍ من أنْ يناله تخرُّصاتُ الأمريكانِ والصهاينةِ.

وهنا نُشيرُ إلى البُعْدِ الآخَرِ للزيارة المتمثِّل في مستواها؛ حيث كانت الثانيةَ لسيادة الرئيس الدكتورِ بشارِ الأسدِ منذ الأزمة خارجَ البلادِ في رسالةٍ لكافّة الأعداء الذين راهَنوا على دَقِّ إسفينِ الاختلافِ بين إيرانَ وسوريا إمّا ترغيباً أو ترهيباً، ولكنّهم خابوا وخسِروا كما عبّر الإمامُ الخامنئيُّ (دام ظلُّه) عن ذلك بقوله إنّهم ظنّوا أنّ سوريا بقيادة الرئيس الأسد مثلُ بعض دول الأَعرابِ المنبطِحةِ في المنطقة التي اختارت الوقوفَ إلى جانبِ الكيان الصهيونيِّ الغاصبِ ذليلةً خانعةً داعيةً للتطبيع العلنيِّ معها دون خجلٍ أو حياءٍ. بينما قدَّم الرئيسُ الدكتورُ بشارُ الأسدُ نموذجَ القائدِ العربيِّ المقاوِم الذي لم تُغْرِهِ المُغْرَياتُ ولم تُرْهِبْهُ التهديداتُ كي يتنازلَ عن خطِّ المقاومةِ، فسَجَّلَ اسمَهُ في سِجِلِّ القادةِ العظماء وتحوَّل بطلاً قوميّاً عربيّاً على حَدِّ تعبير الإمام الخامنئيِّ (دام ظلُّه) يؤمن بالعلاقة الإستراتيجيّةِ الوثيقةِ التي تجمع إيرانَ بسوريا في محور المقاومة، ولن يتمكّنَ أحدٌ من المَسِّ بتلك العلاقة حتى تحرير فلسطينَ كلِّ فلسطينَ من البحر إلى النهرِ، وسيبقى شعارُ المحورِ الأبديُّ الذي نُرَدِّدُه دائماً بأعلى أصواتنا “الموت لإسرائيل”…

أمّا البُعْدُ الثالثُ للزيارة فتجلّى في تفاصيل الاستقبال الوُدِّيِّ المُمَيَّزِ الذي تلقّاه فخامةُ الرئيس الدكتور بشار الأسد من قِبَلِ الإمامِ الخامنئيِّ (دام ظلُّه)؛ حيث احتضنه بحرارةٍ ودِفءٍ لا نظيرَ له تعبيراً عن المكانةِ الخاصّةِ التي يحظى بها فخامتُهُ في قلب الإمامِ القائدِ في موقفٍ لم يَحْظَ به أيٌّ من رؤساء الدول الأخرى؛ فقد بَدَت الزيارةُ- كما ذكر أحدُ الخبراءِ- أكثرَ من زيارة انتصار ووفاء، ومن المجحف حصرُ أبعاد هذه الزيارة بالتهنئة والشكر، لم تكن لغة الجسد التي ظهرت على الرئيس الأسد دبلوماسيّةً، بل غابت قواعد البروتوكول عن المشهد، قائد الثورة الإسلاميّة آية الله خامنئي قابله بالمحبة ذاتها أيضاً حيث احتضن “الرئيس المنتصر” بحرارة زادتها دفئاً اللغة العربية التي تحدّث بها الطرفان. ناهيكَ عن حضورِ الحاجّ قاسم سليمانيّ قائدِ قوة القدس في الحرس الثوري الإسلامي في لقاءات الرئيس الأسد، ما يعكِسُ طبيعةَ العلاقة بين البلدين، والتي رُوِيَتْ بدماءِ الشهداء التي يستحيلُ على الأمريكانِ والصهاينةِ ضربَها أو فَكَّ الارتباطِ بينهما.

أمّا مضمونُ الأحاديثِ التي تُبُودِلَتْ في لقاء الرئيس الأسد مع السيد القائد، فقد كانت تحمل من الرسائل التي فهمها العدوُّ قبلَ الصديق؛ حيث قال الإمامُ الخامنئيُّ لضيفه العزيز: “إن مفتاح النصر في سوريا، وهزيمة أمريكا ومرتزقتها في الإقليم، هو الرئيس السوري وعزيمة الشعب ومقاومته”، مؤكداً أن هوية المقاومة وقوتها تعتمدان على التحالف الاستراتيجي لسوريا وإيران، الذي من شأنه إفشال تنفيذ خطط الأعداء، وفي مقدّمتهم أمريكا.

كما أكّد سماحتُه على ضرورة الحفاظ على روحيّة الصمود ومضاعفة قوّة الشعب والحكومة السورية وتوجّه إلى السيّد بشار الأسد قائلاً: “لقد أثبتّم سيادة الرّئيس بصمودكم أنّكم قد تحوّلتم إلى بطل العالم العربي ولقد اكتسبت المقاومة المزيد من القوّة وماء الوجه من خلالكم”.

وأضاف الإمام الخامنئي قائلاً: “الجمهورية الإسلاميّة في إيران كما في السابق ستكون إلى جانب الشعب السوري، لأنها تعتبر دعم الحكومة والشعب السوري دعماً لتيّار المقاومة وتفتخر بدعم المقاومة من أعماق القلب”.

في المقابل، ذكّر الرئيس بشار الأسد بالخسائر الكبيرة التي تحمّلتها بعض الدول نتيجة استسلامها ورضوخها لأمريكا ثمّ أردف قائلاً: لقد كانت العديد من الدول راضخة لأمريكا وكانت تظنّ أنّ أمريكا هي من تحدّد مصير ومستقبل العالم لكنّ هذا التصوّر ينهار حاليّاً نتيجة لصمود الشعوب المقاومة.

نعم! هذه الكلماتُ هي كلمةُ سرِّ انتصارات محور المقاومة؛ فالمستقبل لمحور المقاومة في المنطقة… وإنّ أبناء المنطقة المقاومين هم وحدَهم من سيرسمون مستقبل المنطقة والعالم أجمع، لا أمريكا ولا الكيانُ الصهيونيُّ، شاء من شاء وأبى من أبى، ومن أراد الإثباتَ فعليهِ مراجعة تجارُب المنطقة التي لم تعرِفْ فيها القوى الاستكباريةُ والصهيونيةُ طعمَ الهزيمةِ إلا بعد تعزيز روح المقاومة والعزة فيها من إيران والعراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين، وارتفاع شعارها الخالد الذي دكَّ حصونَ الاستكبار والصهيونية والرجعية والتكفير: “هيهات منا الذلة… هيهات منا الذلة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*