خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 1 رجب 1440 هـ

خطبة الجمعة  1 رجب 1440

الموضوع: شهر رجب فرصة ذهبية للاهتمام بالطاعات وموسم خير لإصلاح السلوكيات:

الخطبة الأولى:

 لقد شاءَ الباري جلَّ وعَلا ألّا يُجْرِيَ الأمورَ إلّا بأسبابها مادّيّةً ومعنويّةً؛ فسبحان من له الحكمةُ البالغةُ في ذلك كلِّه دنيويّةً وأخرويّةً، قال تعالى: Pهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ‏ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَO (سورة يونس، الآية 5).

فلو أراد المولى أن يُشْرِقَ العالمُ ضياءً ونوراً بلا شمسٍ ولا قمرٍ لَفَعَلَ، ولكنّ حكمته البالغةَ اقتضت أن يجعلَ لكلِّ شيئٍ سبباً بلا مِراءٍ، ويُنْفِذَه قانوناً على خلقه دون استثناءٍ؛ فهو يجري على كلّ إنسان مهما عَلَتْ رتبتُه إيماناً وارتقى مقامُه عرفاناً. فهذا أشرفُ الخلق سيدُنا محمد (صلى الله عليه وآله) لم يُسْرِ به ربُّه ليعرُجَ إلى السماء إلّا بتهيئة الأسباب الزمانيّة والمكانيّة، ولو شاء لرفعه إليه دونها قديراً، قال تعالى: Pسُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ‏ى لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ‏ لِنُرِيَهُ‏ مِنْ ءَايَتِنَآ إِنَّهُ‏ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُO (سورة الإسراء، الآية1).

وفي تلكم الآية الكريمة إشارة لطيفة لا يتلقَّفُها إلا ذوو الألباب، لأهمّيّة اختيار عنصرَي الزمان والمكان سبباً لبلوغ المقامات الروحية العالية، وسُلَّماً لنَيلِ الدرجات المعنويّة الراقية.

ومن لطف الله تعالى بهذه الأمّة أن خصّها بمحطّاتٍ مكانيّة للطاعات، وفصولٍ زمنيّةٍ للعبادات؛ فالمرحومُ من اقتنص تلك الفُرَصَ السانحةَ الذهبيّةَ، كي ينالَ القربةَ والعفوَ والغفرانَ من ربِّ البريّة. والمحرومُ من ضيَّعَها متغافِلاً ولاهِياً، ليندمَ على ما كان فيها واهياً.

ولقد منّ الله تعالى علينا بأن كفانا مؤونةَ تحرّي مواقع تلك المواسم المعنويّة بأنفسنا، بتوفير كنزَين ننتقي من جُمانِهما ما نحتاج من أسبابٍ تضمن في الدنيا سعادتَنا وفي الآخرة فلاحَنا؛ ألا وهما الكتابُ والعترةُ ما إن تمسّكنا بهما لن نضلّ أبداً. وقد اخترتُ آيتين من الأوّل صدراً للحديث، وأُكمِلُها بالثاني كوكبةً من “الحديث”، تكونُ قوتاً لقلوبنا ونحن نوافي شهراً يشكِّلُ أحدَ الأسباب الزمانيّة المباركة للارتقاء بالمؤمن والمجتمع الإيمانيِّ نحو أعلى درجات الكمال والمعنويّة.

نعم، إنّه شهر رجب الذي بدأنا نتنشَّقُ مع حلول غرّة أيّامه عِطرَه الفَوّاحَ بالعفو والمغفرة، ويترقّب حلولَه أهلُ الإيمان كلَّ عامٍ كي يعمُروا أوقاتَهم فيه بالدعاء والتوبة والاستغفار، ويُحْيُوا نفوسَهم بالصلاة والصيام والبرّ والاعتمار، محطّةً روحيّةً أولى استعداداً لشهر رمضانَ والعتقِ من النارِ؛ فها هو رسولنا محمد (صلى الله عليه وآله) الذي كان إذا رأى هلال رجب قال : Sاللهم باركْ لنا في رجب وشعبان، وبلِّغنا شهر رمضان، وأعِنّا على الصيام والقيام وحفظ اللسان وغضِّ البصر، ولا تجعلْ حظّنا منهُ الجوعَ والعطشR (إقبال الأعمال، ج3، ص173).

ألا تشعرون من هذه الكلمات المحمدية بمدى لهفة صاحبها وسعادته بتوفيق دركِ هذا الشهر العظيم باباً لدخول شعبان ومنه لبلوغ شهر رمضان؟ ولكنْ بشرطها وشروطها من خلال الالتزام بحدودها الشرعية فقهاً بإقامة الصلاة والصيام، وأخلاقاً وسلوكاً بحفظ اللسان وغضّ البصر؛ ما يعكسُ عظمةَ شهر رجب دورةً تمهيديةً لتقويم السلوك الفردي والجماعي قبل الالتحاق بجامعة رمضان الطافحة بقيم الخير والصلاح.

فما أعظمَ هذا الشهرَ الذي كانت العربُ في الجاهلية تعظِّمه أيَّما تعظيمٍ! فكانوا يحرِّمون فيه القتل والقتال ويعاقبون من ينتهِك حرمتَه. فلمّا جاء الإسلامُ أقرَّ قدسيّتَه وجعله من الأشهر الحرم.

عبادَ الله، قد نتساءلُ عن الداعي وراء طلب رسول الله من ربه التوفيق لأداء تلك الأعمال في شهر رجب؛ فما هي خصوصيّة ذلك الشهر المميَّزةُ حتى صار سبباً لتزكية الأرواح والتحرّر من الشهوات؟

لم أجد مدخلاً للإجابة أجمل من حديث إمامنا الصادق (عليه السلام) حين يقول: Sأبى الله أن يُجرِيَ الأشياء إلا بالأسباب؛ فجعل لكل شيءٍ سبباًR… (الكافي، ج1، ص183).

فهلمّوا- عبادَ الله- إلى محموعة من أحاديث المعصومين (عليه السلام) التي تضافرت في فضل ذلك الشهر، كي نعرف السبب، ليبطُلَ العجَب؛ فعن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): Sيسمى الرجب الأصبّ لأن الرحمةَ تُصَبُّ صباً فيهR (بحار الأنوار، ج94، ص39).

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام): Sرجب شهرٌ عظيمٌ يضاعفُ الله فيه الحسناتِ ويمحو فيه السيئاتR (من لا يحضره الفقيه، ج2، ص92)

ما يدلّ على سرٍّ جليلٍ يكمُنُ في ذلك الشهر، يمنح زمانه خاصّيّةً فريدةً في القدرةِ على مضاعفة الحسنات ومحو السيئات؛ لأنّ الله يوكِّلُ فيه ملَكاً لأداء مهمّة تلقُّف الدعوات ورفعها للإجابة؛ فقد رُوي عن النّبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: Sإِنَّ اللهَ تَعَالَى نَصَبَ فِي السَّمَاِء السَّابِعَةِ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ الدَّاعِيْ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبَ يُنَادِيْ ذَلِكَ المَلَكُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْهُ إِلَىْ الصَّبَاحِ: طُوْبَىْ لِلذَّاكِرِيْنَ، طُوْبَىْ لِلطَّائِعِيْنَ, يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَىْ: أَنَا جَلِيْسُ مَنْ جَالَسَنِيْ وَمُطِيْعُ مَنْ أَطَاعَنِيْ، وَغَافِرُ مَنْ اسْتَغْفَرَنِيْ، الشَّهْرُ شَهْرِيْ، وَالعَبْدُ عَبْدِيْ، وَالَّرْحَمُة رَحْمَتِيْ، فَمَنْ دَعَانِيْ فيِ هَذَا الشَّهْرِ أَجَبْتُهُ، وَمَنْ سَأَلنِيْ أَعْطَيْتُهُ، وَمَنْ اسْتَهْدَانِيْ هَدَيْتُهُ، وَجَعَلْتُ هَذَا الشَّهْرَ حَبْلاً بَيْنيِ وَبَيْنَ عِبَادِيْ، فَمَنْ اعْتَصَمَ بِهِ وَصَلَ إِلَيR (إقبال الأعمال، ص377).

عبادَ الله، ألا يدعو للأسف والحسرة أن نرى فئاتٍ في مجتمعاتنا لا يزالون، بعد كلّ تلك الأحاديث في فضل شهر رجب، في غفلتهم عَمِهِين، وعن المسارعة للخيرات فيه مُحجِمين؟ عجباً لهم وقد سمعوا قول رسول الله:

Sأَلاَ إِنَّ رَجَبَ شَهْرُ اللهِ الأَصَمّ وَهُوَ شَهْرٌ عَظِيْمٌ، وَإِنّمَا سُمِّيَ الأَصَمُّ لأَنّهُ لاَ يُقَارِبُهُ شَهْرٌ مِنَ الشُّهُوْرِ حُرْمَةً وَفَضْلاً عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يعُظِّمُوْنَهُ فِيْ جَاهِلِيَّتِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ لَمْ يَزْدَدْ إِلاَّ تَعْظِيْمَاً وَفَضْلاً. أَلاَ إِنَّ رَجَبَ وَشَعْبَانَ شَهْرَايَ ، وَشَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ أُمَّتِيْ. أَلاَ فَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبَ يَوْمَاً إِيْمَانَاً وَاحْتِسَابَاً اسْتَوْجَبَ رُضْوَانَ اللهِ الأَكْبَرِ، وَأَطْفَأَ صَوْمُهُ فِيْ ذَلِكَ اليَوْمِ غَضَبَ اللهِ، وَأُغْلِقَ عَنْهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ، وَلَوْ أُعْطي مِلْء  الأَرْضِ ذَهَباً مَا كَانَ بَأَفْضَلَ مِنْ صَوْمِهِ ، وَلاَ يَسْتَكْمِلُ أَجْرَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا دُوْنَ الحَسَنَاتِ، إذَا أَخْلَصَهُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ …قِيْلَ : يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ عَجِزَ عَنْ صِيَامِ رَجَبَ لِضَعْفٍ أَوْ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ، أَوْ امْرَأَةٍ غَيْرُ طَاهِرٍ، يَصْنَعُ مَاذَا لِيَنَالَ مَا وَصَفْتَهُ؟  قَالَ(صلى الله عليه وآله) : يَتَصَدَّقُ كُلَّ يَوْمٍ بِرَغِيْفٍ عَلَىْ المَسَاكِيْنِ ، وَالذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ إِنّهُ إِذَا تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ كُلَّ يَوْمٍ نَالَ مَا وَصَفْتُ وَأَكْثَرَ، إِنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ جَمِيْعُ الخَلاَئِقِ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَلَىْ أَنْ يَقْدِرُوْا قَدْرَ ثَوَابِهِ مَا بَلَغُوْا عُشْرَ مَا يُصِيْبُ فِيْ الجِنَانِ مِنَ الفَضَائِلِ وَالدَّرَجَاتِ .

قِيْلَ : يَا رَسُوْلَ اللهِ فَمَنْ لَمْ يَقْدِرُ عَلَىْ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، يَصْنَعُ مَاذَا لِيَنَالَ مَا وَصَفْتَ؟ قَالَ(صلى الله عليه وآله): يُسَبِّحُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ إِلَىْ تَمَامِ ثَلاَثِيْنَ يَوْمَاً بِهَذَا التَّسْبِيْحِ مِائَةَ مَرَّةٍ: سُبْحَانَ الإِلَهِ الجَلِيْلِ، سُبْحَانَ مَنْ لاَ يَنْبَغِيْ التَّسْبِيْحُ إِلاَّ  لَهُ، سُبْحَانَ الأَعَزِّ الأَكْرَمِ، سُبْحَانَ مَنْ لَبِسَ العِزَّ وَهُوَ لَهُ أَهْلٌR (بحار الأنوار، ج94، ص26)

فاللهَ! اللهَ! في الإقبال على مزيد الطاعة والخير في هذا الشهر، وما أجملَ ما قاله إمامنا الخامنئي دام ظله في شهر رجب:

“إن الأهم هو الجانب المعنوي، فالبعض يتصور أن عليه الاستمرار على أداء الأعمال التي كان يؤديها سابقاً، إلا أن الصحيح هو أن عليه الاستزادة من تلك الأعمال إن كانت صالحة كالصوم المستحب والصلاة المستحبة ومراقبة النفس في أعمالها وهي من أهم الوظائف. وإن كانت تلك الأعمال غير صالحة فعليكم بذل الجهد من أجل التخلص منها لأن النفس البشرية تسعى نحو الكمال”

الخطبة الثانية:

بعد أن استعرضنا بعضاً من فضائل شهر رجب المرجّب، هلمّوا بنا نعرِّج على أهمّ المناسبات التي يتزين بها الشهرُ من غرّته حتى نهايته، لنستذكرَ معاً مع أول أيامه الذي يصادف اليومَ ذكرى ميلاد الإمام الباقر (عليه السلام)؛ وبهذه المناسبة السعيدة نتقدم بأحرِّ التهاني من مولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف) وصاحبة هذا المقام الشريف السيدة زينب الكبرى (سلام الله عليها) ومن مراجع التقليد العظام ولا سيما سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله) ومنكم جميعاً لهذه الذكرى المباركة.

لقد كان ذلك الإمام الهمام مثالاً للتقوى وخشية الله في السرّ والعلانية حتى صار مضرب المثل في تلك الخصلة الربانية. وكيف لا يكون كذلك وهذا ولده الإمام الصادق (عليه السلام) يصف أباه بالقول: Sکَانَ أَبِي يقُولُ فِی جَوْفِ اللَّيلِ فِی تَضَرُّعِهِ: أَمَرْتَنِي فَلَمْ أَئْتَمِرْ، وَنَهَيتَنِي فَلَمْ أَنْزَجِرْ، فَهَا أَنَا ذَا عَبْدُك بَينَ يدَيك وَلَا أَعْتَذِرُR  (بحار الأنوار، ج46، ص290).

إنّ تلك الكلماتِ بحق مولود اليوم الاول من شهر رجب، لتستأهل أن تكون عنوان طريق السالكين الى الله والساعين للمعنويات وخشية الله؛ وتلك من خصال عباد الله المقربين في شهر العبودية والعبادة، الذين لا يمنعهم أي مانع من التقرب إلى الله بأية ذريعة؛ إذ قد يكون الصوم في هذا الشهر شاقاً على البعض، فيستبدلون به الصدقةَ لينالوا أجر الصائمين فيه. وإليكم ما روي في صدقات الإمام الباقر (عليه السلام) على لسان ولده الإمام الصادق (عليه السلام) حيث يقول: Sدَخَلْتُ عَلَی أَبِي يوْماً وَهُوَ يتَصَّدَّقُ عَلَی فُقَرَاءِ أَهْلِ الْمَدينَةِ بِثَمَانِيةِ آلَافِ دينَارٍ وَأَعْتَقَ أَهْلَ بَيتٍ بَلَغُوا أَحَدَ عَشَرَ مَمْلُوکاًR (بحار الأنوار، ج46، ص302)

نعم! لقد كان إمامنا الباقر (عليه السلام) يسعى من خلال ذلك التصدق لترسيخ ثقافة الاهتمام بحقوق الآخرين في سبيل القضاء على الفقر، وتخفيف الحاجة في المجتمع، دون تمييز بين إنسان وآخر على أساس عرقه أو دينه أو مذهبه؛ فالإسلام يرفض التعدي على أملاك الغير وحقوقهم مهما كانت انتماءاتهم الدينية، يقول أبو ثمامة: Sسألت الإمام الباقر يوماً عن دَينٍ عَلَيَّ من أحد أتباع فرقة المرجئة قبل انتقالي للسكن والاستقرار بمكة؟ فأجابني: ارْجِعْ إِلَی مُؤَدَّي دَينِك وَانْظُرْ أَنْ تَلْقَی اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَ لَيسَ عَلَيك دَينٌ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يخُونُR (علل الشرائع، ج2، ص528).

فما أحوج مجتمعاتنا اليوم لمثل هذه السلوكيات! ونحن نرى ما تعانيها من مصائب ومحن نتيجة ضرب حقوق الغير عرضَ الحائط. فلا حول ولا قوة الا بالله.

ألا يعلم أولئك المعتدون على حقوق الآخرين أنهم يخدمون – من حيث يدرون أو لا يدرون – مشروع الاستكبار والصهيونية؟ الذي قام الكيان الصهيوني على أساسه باغتصاب حق الشعب الفلسطيني وتشريدهم، وإقامة دولة إسرائيل المزعومة على أرض لا صلةَ للصهاينة شُذّاذِ الآفاق بها، وسْطَ تواطؤٍ عالميِّ مريب.

نعم! أيها الإخوة والأخوات؛ إن تبشير سماحة امامنا الخامنئي دام ظله مراراً وتكراراً بحتمية زوال الكيان الصهيوني ليس مجردَ شعار فحسب، بل حقيقةٌ تاريخيةٌ دينيةٌ عقائديةٌ وأخلاقيةٌ نابعةٌ من أصلٌ بديهيٍّ وهو أنّ من لا أصلَ له أو جذورَ في أرضٍ ما لا يمكن له أن يستمر فيها مغتصباً بالقوة حتى ولو طال الزمن. فكيف بالكيان الصهيوني وقوى الاحتلال الامريكي؟ وهم يشهدون المنطقةَ من حولهم تحولت لبراكين غضب من الشعوب الرافضة لوجودهم والمتبنية لثقافة المقاومة ضدهم، والمستنكرة لممارسات بعض الحكام المخزية في الدعوة للتطبيع مع الكيان الغاصب.

وها نحن اليوم نشهد بحمد الله ثمرات تضحيات محور المقاومة انتصاراتٍ تلوَ أخرى على قوى الشر الاستكبارية والصهيونية وعملائها من التكفيريين الإرهابيين رغم شدة الضغوط والمؤمرات، ولكن كما يقول إمامنا الخامنئي (دام ظله): “إنّ مع الصبر نصراً”

وهو قولٌ التقى عليه شعبا إيران وسوريا المقاومان حين واجها عدوان الأصيل والوكيل معاً طوال تاريخهما المقاوم. فكما صمدت إيران الثورة وانتصرت بعد حرب السنوات الثماني المفروضة، كذلك انتصرت سوريا العروبة في حرب السنوات السبع الكونية التكفيرية التي استهدفتها، كلُّ ذلك بفضل المقاومة قولاً وعملاً، والتي أثبتت الأيام والتجارب كما قال الإمام الخامنئي (دام ظله): “إن كان الثمن الذي يجب دفعه مقابل الصمود والمقاومة غالياً، فإن الثمن المدفوع مقابل الاستسلام والخنوع أغلى بكثير”.

ويكفي أن نتأمّل في وجوه المنبطحين من دعاة التطبيع في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم وقد صارت مسودّةً ترهقها قترة من الذل والمهانة، بينما انظروا إلى وجوه قادة محور المقاومة المسفرة الضاحكة المستبشرة بنصر الله، وهي تلتقي على العزة والسؤدد كما جرى في لقاء سيادة رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد مع سماحة الإمام الخامنئي (دام ظله) في مشهدٍ سيخلّده التاريخ في ملاحمه الكبرى مصداقاً لقوله تعالى: P وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ O (سورة آل عمران، الآية 26).

أيها المؤمنون والمؤمنات، اليوم عادت أمريكا وحلفاؤها بعد سلسلة هزائمها وإخفاقاتها في المنطقة لتفتح دفاترَها القديمة، لتعيد تجربة ما أُثبِتَ فشلُه مراراً وتكراراً، من خلال دقّ طبول الوعيد والتهديد بفرض أقسى العقوبات على الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة، وإدراج بعض عناصرها السياسية على قائمة إرهابها المزعوم، على أمل أن تحقق في المضمار الاقتصادي والسياسي ما عجزت عن تحقيقه في الميدان العسكري.

ولكن هيهات هيهات أن تنال من عزيمة محور المقاومة تلك التُرَّهاتُ الأمريكية الصهيونية بإشهار سيف قوائم الارهاب، لأننا نعلم أنهم الإرهابيون الحقيقيون بجرائمهم التي ارتكبوها في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وسوريا. وإن كانت هناك جهةٌ وقعت ضحيةً للإرهاب فإنها محور المقاومة وشعوبها التي قدمت آلاف الشهداء نتيجة العمليات الإرهابية المدعومة استكبارياً وصهيونياً ورجعياً. وفي هذا السياق نستذكر أحد شهدائها الذي يصادف الأول من شهر رجب ذكرى شهادته الأليمة؛ وهو الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (رض) الذي امتزجت دماؤه بدماء المؤمنين من المصلين الجمعةَ في أطهر بيوت الله، بحرم مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالنجف الأشرف، في جريمة ليست بغريبة على أدوات الاستكبار والصهيونية التي لا ترعى حرمةً ولا ديناً، ليكرروا جريمتهم الشنعاءَ مرة أخرى فيما بعد، ولكن بحق شهيد محرابٍ آخر؛ وهو الشهيد الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (رض) بنفس الطريقة وبنفس المكان، فرحمة الله على أولئك الشهداء.

والحمد لله الذي جعل أعداءنا من الحمقى الذين يكررون الأخطاءَ نفسَها بحق محور المقاومة، والتي لن تزيد المقاومين إلا بصيرةً وصموداً وتمسكاً بالمبادئ كلّما اشتدَّت الخطوبُ والمحنُ؛ فنحن أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي صمد في شِعبِ أبي طالب على الحصار والتجويع، ورفض قبل ذلك كلَّ المُغرَيات لرفع يده عن الدعوة للحق قائلاً: Sوالله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك ما ترکتهR.

ونحن نقول اليوم سيراً على ذلك النهج المحمدي: واللهِ لو عرضتم أموالَ الدنيا على محور المقاومة وقادتِها على أن يتخلوا عن مقاومتهم، لن يتنازلوا عنها قيدَ أنملةٍ… وكيف يفعلون ذلك وهي عنوانُ عزتهم وكرامتهم وانتصاراتهم وشرفهم؟ لا تزيدهم ضغوط الأعداء وتهديداتهم إلا تمسكاً بها، استلهاماً من صرخة أبي الأحرار الحسين (عليه السلام) حينما قال: Sألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلةR (اللهوف في قتلى الطفوف، ص59).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*