خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 8 رجب 1440 هـ

الجمعة 8 رجب 1440

الموضوع: فضائل الإمام الجواد (عليه السلام) ودور أُمِّه الطاهرة (سلام الله عليها) فيها

الخطبة الأولى:

 لا زلنا نَتَعَرَّض لنفحاتِ شهرِ رجبَ الربّانيّةِ في هذه الأيّامِ المباركة العابقةِ بمضاعفة الحسنات، واللّيالي الكريمةِ المتألِّقةِ برِفعةِ الدرجات.

ومن تمامِ فضل الله تعالى علينا في شهر رجبَ الأصَبِّ بالخير صَبّاً، أنْ جعلَه ينبوعاً صافياً متدفِّقاً  بمناسباتٍ عظيمةٍ يعُبُّ المؤمنون من نَميرِ بركاتِها عَبّاً. وها نحنُ مقبِلون بعد أيّام على إحداها؛ أَلا وهي ذكرى ولادة بابِ أبوابِ المُرادِ، ابنِ الرضا (عليه السلام) إمامِنا محمدِ الجوادِ (عليه السلام). فنتقدّم منكم جميعاً سلفاً بأحرِّ التهاني وأسمى التبريكات، سائلين الله تعالى أن يعيدَها باليمن والخير والنصر والبركات.

قد ارتأَيْت أنْ أختارَ من سيرة الإمام الجواد (عليه السلام) العطِرةِ، ما يناسبُ مناسبة عيد الأمّ التي يحتفل بها أبناءُ هذا البلد الطيب خلال الأسبوع القادم (21 آذار)، لأسلِّطَ الضوء على جوانب من عظمة شخصيّة والدة الإمام الجواد الطاهرة (عليه السلام) معرِّجاً على دور الأمّ في تربية الأجيال بإيجاز.

لفظةُ الأمِّ في العربيةِ تعني أصلَ كلّ شيئٍ وأساسَه وجذرَه؛ وإنّما سُمِّيَت والدةُ الإنسان بالأُمِّ لدورِها الأساسِ فی وجود الإنسان ولادةً واستمرارِ حياته رعايةً… وكفاها شرفاً أن خصَّها الله بالذكر توصيةً بعد أن قرنَ حقَّه بحقِّ الوالدين بقوله: Pوَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ Q وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُO (سورة لقمان، 13-14).

فإن كان للأمّ ذلك الحقُّ العظيمُ والفضلُ الكريمُ بشكلٍ عامٍّ، فكيف بأمّهات المعصومين (عليهم السلام) وقد كُنَّ  الوعاءَ الذي احتوى تلك الأنوار الإلهية رعايةً وعطفاً وحناناً ورأفةً حتى يستنيرَ الكونُ بهُداهُم؟ و كيف بأم الامام الجواد(عليه السلام)؟

فلذلك أراد الله تعالى أن يُظهِرَ فضلَ والدة الامام الجواد بلسان ثلاثةٍ من المعصومين (عليهم السلام) ما جعلها أفضل نساء زمانها، مع أنّها كانت جاريةً تنتمي لطبقةٍ اجتماعيّةٍ قد تكون متدنّيةً حسْبَ تقسيمات ذلك العصر. وإليكم ما قيل في فضلها

 قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشأن الإمام الجواد (عليه السلام) ووالدته: Sبأبي ابن خيرة الإماء، ابن النوبية الطيبة الفم المنتجبة الرحمR (الكافي، ج1، ص323) .

و قال المحدّث القميّ‏ رحمه الله: “وكانت نوبيّة، من أهل بيت مارية القبطيّة، أُمّ إبراهيم ابن الرسول‏ (صلى الله عليه وآله وسلم).  وكانت من أفضل نساء زمانها.

وقال حسين بن عبد الوهّاب (رحمه الله): S… عن كلثم بن عمران، قال: … قال الرضا عليه السلام لأصحابه: قد شبّه الإمام الجواد بعيسى بن مريم”… وشبيه عيسى بن مريم عليهما السلام، قُدِّسَت أُمٌّ ولدَتْه [أي الجواد عليه السلام‏] …R (عيون المعجزات، ص121).

قصة شرائها جاريةً عن لسان الإمام الکاظم (عليه السلام)

Sعَنْ يَزِيدَ بْنِ سَلِيطٍ الزَّيْدِيِّ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَنَحْنُ نُرِيدُ الْعُمْرَةَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَلْ تُثْبِتُ هَذَا الْمَوْضِعَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَهَلْ تُثْبِتُهُ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ‘ إِنِّي أَنَا وَأَبِي لَقِينَاكَ هَاهُنَا وَأَنْتَ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَمَعَهُ إِخْوَتُكَ، فَقَالَ لَهُ أَبِي‏: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَنْتُمْ كُلُّكُمْ أَئِمَّةٌ مُطَهَّرُونَ، وَالْمَوْتُ لَا يَعْرَى مِنْهُ أَحَدٌ، فَأَحْدِثْ إِلَيَّ شَيْئاً أُحَدِّثُ بِهِ مَنْ يَخْلُفُنِي مِنْ بَعْدِي فَلَا يَضِلَّ. قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ وُلْدِي وَهَذَا سَيِّدُهُمْ وَأَشَارَ إِلَيْكَ … ثُمَّ قَالَ لِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام): إِنِّي أُوخَذُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَالْأَمْرُ هُوَ إِلَى ابْنِي عَلِيٍّ سَمِيِّ عَلِيٍّ وَعَلِيٍّ …ثُمَّ قَالَ لِي: يَا يَزِيدُ وَإِذَا مَرَرْتَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَلَقِيتَهُ – وَسَتَلْقَاهُ – فَبَشِّرْهُ أَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ غُلَامٌ أَمِينٌ مَأْمُونٌ مُبَارَكٌ، وَسَيُعْلِمُكَ أَنَّكَ قَدْ لَقِيتَنِي فَأَخْبِرْهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا هَذَا الْغُلَامُ جَارِيَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مَارِيَةَ جَارِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أُمِّ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُبَلِّغَهَا مِنِّي السَّلَامَ فَافْعَلْR. (الكافي، ج1، ص315، ح 14)

فسلام الله على الإمام الجواد (عليه السلام) وأبيه وأمّه (عليه السلام).

نعم! لم تنل الأمُّ من المكانة والمقام ما نالته في ديننا الحنيف، حتى قال الإمام الخميني (رض): “لم تحظَ المرأةُ بالاهتمام ما حظيت به في الإسلام، حتى فاقت به الرجل… فالنساء هنّ من يربّين العظماء الشجعان من الرجال في حجورهنّ… فهنَّ كالقرآن في بناء الإنسان” ليقارن في موضع آخر بين رسالة الأمّ ورسالة الأنبياء مؤكّداً بالقول: “على الأمّهات أن يؤدِّينَ عمل الأنبياء بتزكية أبنائهنّ”. معتبراً الأمومةَ وأعباءَها أشرفَ عملٍ، قائلاً: “… إنّ تربية الأبناء (الصالحين) لصالح المجتمع أشرفُ عملٍ في العالم…”.

لقد كان الإمام الخميني (رض) يرى أنّ كافّة مصائب مجتمعاتنا الفردية والاجتماعية تعود بجذورها لسوء التربية، داعياً للتعامل مع الأمّ باعتبارها أعظمَ مدرسةٍ لتخريج أهمّ عناصر بناء الحضارات. وقد كان (رض) يعيش تلك الحقيقة في حياته العملية من خلال التأكيد على دور الأمّ في المنزل والأسرة بتربية الأبناء، حتى مازَحَته مرةً زوج ابنه السيدة طباطبائي بالقول: يبدو أنكم ترون ضرورة التزام المرأة (الأمّ) منزلَها؟ فأجاب (رض): “إياكم أن تستهينوا بالمنزل والأسرة وتربية الأبناء. إذ إنّ أعظم خدمة للمجتمع يتمثّل في تربية أفراد صالحين”. فقد كان الإمام (رض) يعتقد أنّ الأمّ وحدها هي القادرة على القيام بأعباء التربية، دون الرجل، لما تمتلك من جرعة مضاعفة من العاطفة والحنان، والتي بها قوام الأسرة.

وكم في التاريخ من نماذج لعلماء ونوابغ حُرِموا من نعمة الأب، فتحمّلت الأمّ مسؤوليتها في التربية على أكمل وجه، ما مهّد طريق المستقبل المشرق لأبنائهم.

فعلا صدق من قال وراء كل رجل عظيم امرأة، قد تكون أختاُ أو زوجة أو معلمة وصدق الشاعر الذى قال:

الأم مدرسة إذا أعدَدْتَها                       أعدَدْتَ شعباً طيّبَ الأعراق ”

فالله اللهَ يا أبنائي وبناتي الأعزاء بأمهاتكم والبرّ بالوالدين، وما أشدَّ ما يحزن القلبَ أن نسمع ونشهد من مظاهر مؤسفة تَنِمُّ عن استهتار وعقوق بعيداً عن توجيهات معصومينا (عليه السلام)؛ وعن الإمام الباقر (عليه السلام): Sإن موسی بن عمران قال: يا رب أوصني! قال: أوصيك بي. قال: يا رب أوصني. قال: أوصيك بي (ثلاثاً). قال: يا رب أوصني! قال: أوصيك بأمك. قال: يا رب أوصني! قال: أوصيك بأمك. قال: يا رب أوصني! قال: أوصيك بأبيكR (معاني الأخبار، ص114).

وعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: Sجاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله من أبِرُّ؟ قال(ص): أمك، قال: ثم من؟ قال(ص): أمك ،قال: ثم من؟ قال(ص): أمك ،قال: ثم من؟ قال(ص): أباكR (الكافي، ج2، ص159).

أسأله تعالى أن يرحم آباءنا وأمهاتنا ويطيل في أعمار الباقين منهم ويوفقنا لبرهم أحياءً وأمواتاً ويعين أبناءنا على ذلك عملاً بما قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق:

Sفَحَقُ‏ أُمِّكَ‏ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَداً وَأَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لَا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَداً وَأَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَشَعْرِهَا وَبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَا مُسْتَبْشِرَةً بِذَلِكَ فَرِحَةً مُوَابِلَةً مُحْتَمِلَةً لِمَا فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَأَلَمُهَا وَثِقْلُهَا وَ غَمُّهَا حَتَّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ الْقُدْرَةِ وَ أَخْرَجَتْكَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَ تَجُوعَ هِيَ وَ تَكْسُوَكَ وَ تَعْرَى وَ تُرْوِيَكَ وَ تَظْمَأَ وَ تُظِلَّكَ وَ تَضْحَى وَ تُنَعِّمَكَ بِبُؤْسِهَا وَ تُلَذِّذَكَ بِالنَّوْمِ بِأَرَقِهَا وَ كَانَ بَطْنُهَا لَكَ وِعَاءً وَ حَجْرُهَا لَكَ حِوَاءً وَثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً وَنَفْسُهَا لَكَ وِقَاءً تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنْيَا وَبَرْدَهَا لَكَ وَدُونَكَ فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَ تَوْفِيقِهِR. (تحف العقول، ص  263)

فتحيةً لكافة الأمهات في عيدهن، ولا سيما أمهاتِ الشهداء والجرحى والمفقودين دفاعاً عن دينهم وأرضهم وعرضهم. وكل عام وهنّ بخير.

 

 

الخطبة الثانية:

لا يفوتني قبل الدخول في الخطبة الثانية أن أتقدم منكم جميعاً بالتهاني سلفاً لمناسبة ذكرى ولادة وليد الكعبة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، التي ستحلّ نهايةَ الأسبوع القادم. وبسبب ضيق الوقت، سنخصص لها خطبة الأسبوع القادم إن شاء الله.

عباد الله، في غمرة تيه العالم بصحراء الماديات التي تضرب كلَّ القيم النبيلة، يأتي شهر رجب بمثابة واحةِ راحةٍ روحيّةٍ خضراءَ يجد فيه الإنسان المؤمن ملاذاً لتجديد قواه الروحية واستعادة طاقاته المعنوية من خلال مجموعة من الأعمال؛ وعلى رأسها الاعتكافُ الذي حثّ عليه الإسلام ونال حظوةً مميَّزةً في سيرة المعصومين الأطهار (عليه السلام).

والاعتكافُ لغةً لزوم الشيء وحبس النفس عليه. أمّا اصطلاحاً؛ فقد عرّفه الإمام الخميني (رض): “وَهُوَ اللَّبَثُ فِی المَسجِدِ بِقَصدِ التَعّبُدِ بِهِ وَلا يعتَبَرُ فِيه ضَمُّ قَصدِ عِبادَةٍ أخری خارِجَةً عَنهُ وَإنْ کانَ هُو الأحوِطR يعني المقصود الأصلي من الاعتكاف هو الحضور في بيت الله تعالى بقصد التعبد.

فالاعتكافُ بهذا المعنى تحرُّرٌ من أنانيّة النفس للتحليق في آفاق الرحمن الرحبةِ؛ وكأنّ ملازمة بيت الحقّ وهجرَ بيت الخَلق طوعاً رمزٌ لحقيقة تلك العبادة المستحبّة، عملاً بحديث الإمام الصادق (عليه السلام):Sفِي التَّوْراةِ مَکْتُوبٌ يا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبادَتي أمْلأ قَلْبَك غِنى وَلا أكلُكَ إِلی طَلَبِك وَعَلَيَّ أنْ أسُدَّ فاقَتَكَR (الكافي، ج2، ص83)

وفي الحديث النبويّ: Sمَنِ اعْتَکَفَ يوْماً اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَينهُ وَ بَينَ النّارِ ثَلاثَةَ خَنادِقَR (الدر المنثور، ج1، ص202)

وفي حديثٍ آخر: Sاَلْمُعْتَکِفُ يعْکِفُ الذُّنُوبَ وَيجْري لَهُ مِنَ الْأجْر کَأجْرِ عامِلِ الْحَسَناتِ کُلِّها…R (كنز العمال، 24012)

فما أجدَرَ بنا، ولا سيما الشبابَ، أن نستثمر هذا الشهر لأداء تلك الفضيلة كي تصيبنا من نفحاتها المعنوية ما تعيننا على مصاعب الدهر، وتنجينا من أهوال القبر، وتأخذ بيدنا يومَ الحشر.

أمّا محور حديثي في هذه الخطبة، فيدور حول أبعاد الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية للعراق الشقيق على رأس وفد رفيع؛ حيث تعلّقَت أنظار العالم ووكالات الأنباء بتفاصيلها وتداعياتها ونتائجها المترقَّبة، لا سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار الثقلَ الإستراتيجيَّ الذي يحظى به كلٌّ من الدولتين في محور المقاومة.

ولكن أتدرون لماذا حظيَت تلك الزيارة بذلك الاهتمام العالميِّ الواسعِ؟

لأنّها أتت بعد زيارة ترامب الأخيرة قبل عدة أشهرٍ للعراق، وبالتزامن مع ارتفاع نبرة تهديداته الهَوجاءِ ضدّ الجمهورية الإسلامية بفرض حصارٍ خانقٍ عليها، وقطعِ تواصلِها مع جيرانها والعالم. فماذا كانت النتيجة؟

 لن أدخل في تفاصيل الاتفاقات التي وُقّعَت  بين الجانبين الإيراني والعراقي على أهميتها، بل سأكتفي بمقارنة بسيطة بين الزيارتين من حيث الشكل؛ الأولى لرئيس دولة تعتبر نفسَها القوة الكبرى في العالم وتدّعي أنها ستفرض حصاراً لم يشهد له التاريخ على إيران. والثانية لرئيس دولةٍ يدّعي ترامب أنّه يحاصرها. حتى نعلمَ مَن يحاصِرُ الآخَرَ؟

وإليكم تلك المقارنة:

1- دخل الرئيس الأمريكي ترامب العراقَ خِلْسةً بكلّ ما للكلمة من معنى؛ فلم يُعلَن عن زيارته مسبقاً. وفي المقابل سبقَ زيارةَ الرئيس روحاني إعلانٌ رسميٌّ عن موعدها وجدول أعمالها.

2- حتى يؤكّد ترامب سفرَه خِلسةً توجّه للعراق تحت جُنحِ الظلام ليلاً. بينما وصل الرئيس روحاني ضيفاً عزيزاً على العراق جِهاراً نهاراً.

3-لم يصطحب ترامب معه في زيارته سوى زوجته. بينما رافق الرئيسَ روحاني وفدٌ كبيرٌ رفيعُ المستوى.

4-لم يتمكّن ترامب إلا من زيارة قاعدة عسكرية لجنوده الذين اكتفى بلقاءِ عددٍ محدودٍ منهم ليُقفِلَ راجعاً مسرعاً بعد ثلاث ساعاتٍ فقط من وصوله، في سلوكٍ أشبَهَ بتصرّفات اللصوص. أما الرئيسُ روحاني فقد استمرّت زيارته ثلاثة أيام وسطَ استقبالٍ حافلٍ من قِبَل كبار المسؤولين العراقيين، أُجْرِيَت فيه كافّة البروتوكولات الرسمية الخاصّة التي تليق بكبار الضيوف من الرؤساء.

5- فشل ترامب خلال زيارته في اللقاء بكبار المسؤولين العراقيين على مستواه الرسمي باعتباره رئيساً لأمريكا. بينما يمكن القول بأنه لم يبق مسؤولٌ عراقيٌّ حكوميٌّ أو غير حكوميٍّ إلا والتقى بالرئيس روحاني في أجواءٍ من الوئام والأخوّة والودّ.

6- أمّا على المستوى الشعبيِّ؛ فلا حاجةَ للحديث عن هذا الأمر بالنسبة لترامب. ولا يمكن التغاضي عن حفاوة الاستقبال الشعبيّ الذي حظي به الرئيس روحاني من مختلف الأطياف الممثلة للشعب العراقي؛ إذ يكفي أن نشير لتجمع المواطنين وعلى رأسهم زعماء وأبناء العشائر العراقية الأصيلة في السفارة الإيرانية قبل وصول الرئيس روحاني للعراق تعبيراً عن مشاعر الفرح والسرور وعمق العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني.

7- وأمّا أهمُّ برامج زيارة الرئيس روحاني للعراق، والتي لن يحلمَ بتحقيقها ترامب ومن معه، فتَمَثَّل في توجهه للنجف للتشرّف بزيارة مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن ثمّ اللقاء بسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني(دام ظله) وباقي المراجع والعلماء وأعضاء من أسرة الإمام الخميني (رض) هناك.

بعد تلك المقارنة السريعة، نخاطب ترامب والعالمَ كلَّه: هل أمريكا تحاصر إيران؟ أم أنّ الحقيقة عكس ذلك؟

إنّ ما رافق زيارة الرئيس روحاني للعراق من حفاوة وتقدير يكشف حقيقة وضع أمريكا المتأزِّم في المنطقة، وأنّها هي المحاصَرة والمنبوذة والمكروهة من شعوبها، التي لن تنسى مواقف الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة في الدفاع عن حقوقها وأرضها وكرامتها في مواجهة الاستكبار والصهيونية والتكفير والإرهاب.

كما أنّ هذه الزيارة كشفت فشل المشروع الأمريكي. وهذه حقيقةٌ لا يتبنّاها محور المقاومة فحسب، بل اعترف بها ترامب نفسُه حين قال في أعقاب زيارته الفاشلة للعراق بحسرة: “حين تكون قابعاً وزوجتَك في طائرة مظلمة، لا يُسمَحُ فيها بالإضاءة وسطَ نوافذَ مغطّاةٍ بستائرَ تمنع أي بصيص نور… عندها سينتابك القلق حقاً… على نفسك… وعلى زوجتك بالخصوص”

وما أحبطَه أكثرَ، أنّه شعر بالأسى على تلك التريليونات السبعة التي أنفقتها الإدارة الأمريكية على مشروعها في العراق والمنطقة، لتكون حصيلتُها التسلّل على رؤوس أصابع قدميه كاللصوص وسط الظلام لزيارة قاعدة عسكرية لثلاث ساعات فقط… فأيُّ خزيٍ وعارٍ أعظم من ذلك؟

أما محور المقاومة، فلن يزيده ذلك الحدث إلا إيماناً بالله الذي يعزُّ من يشاء ويذلُّ من يشاء، وتصميماً على التمسك بالمقاومة سبيلاً لعزة شعوب المنطقة. وهما ما يقوم عليه أصل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة سماحة الإمام القائد الخامنئي (دام ظله) الذي أطلق بشارتَه قائلاً: “إنّ أمريكا سائرةٌ نحو الأفول”، وما ذلك على الله بعزيز، وإنّ المستقبل مشرقٌ وزاهرٌ بالنصر للمقاومة وأبنائها كما شهدنا في سوريا والعراق ولبنان وغيرها…فنحن نعيش- كما قال إمامنا الخامنئي- أيام بدر وحنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*