خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 18 رمضان 1440 هـ

الموضوع: الاهتمام بالأيتام في سيرة الإمام علي (عليه السلام)

الخطبة الأولى:

لعلّ من أنْسَبِ الصفات التي يمكن أن نطلقَ على هذه الأيّامُ التي نعيشها، هي أيّامُ أميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالب (عليه السلام) الذي يُعَدُّ بحقٍّ إمامَ الإنسانيّةِ والبشريّةِ جمعاءَ؛ يستوي في الإقرارِ بفضله وأفضليَّتِه من يعتقِدُ بإمامته وولايتِه ومن لا يؤمن بهما، اتِّباعاً للفطرة السليمة التي تَنْزِع للكمال وتتوق للسعادة بحثاً عن مَنارِ الهداية تأسِّياً واقتداءً.

فهذا شِبلِي شُمَيِّل المفكِّرُ يقدِّسُ شخصيةَ الإمام (عليه السلام) رغمَ عدم اعتقادِهِ بأيِّ دينٍ، تجسيداً لانجذابِ الإنسانِ نحوَ القِيَمِ العُليا الساميةِ، حتى قال: ” الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالب، عظيمُ العظماء، نُسخةٌ مفرَدةٌ، لم يَرَ لها الشرقُ والغربُ صورةً طِبْقَ الأصلِ، لا قديماً ولا حديثاً”.

أمّا جورج جرداق، فقال: “ماذا عليكِ- يا دنيا- لو حشَدْتِ قُواكِ فأعطيتِ في كلِّ زمنٍ عليّاً بعقله، وقلبه، ولسانه وذي فِقَارِه”.

عبادَ الله، بما أنّنا نعيش في مجتمعٍ تعرَّضَ لحربٍ إرهابيّةٍ وحشيّةٍ خلَّفَتْ الكثيرَ من الأيتام الذي حُرِموا نعمةَ الأُبُوَّة، في ظروفٍ مشابهةٍ لِما مرَّت به الأمّةُ في عهدِ الإمامِ عليّ (عليه السلام) نتيجةَ الحروبِ التي فُرِضَتْ عليه، فقد اخترتُ لهذه الخطبةِ عنوانَ “الاهتمام بالأيتام في سيرته المباركة”، عسى أن يكون دافعاً لنا لمزيد من المبادرات الإنسانية تجاهَ تلك الشريحةِ التي تعيش بين ظَهرانِينا.

تعَدَّدَت التعاريف المقدَّمةُ عن اليتيم، إلا أنّها اتَّفَقَت على أنّه ذلك الشخصُ الذي يفقِدُ غطاءَ رعايتِه ودعمِه الاقتصاديِّ لفقدان أبيه، أو ينتابُه شعور بالخَلَأِ العاطفيِّ والمحبّةِ نتيجةَ فقدِ أمِّه.

فإذا علِمْنا تأصُّلَ حاجة الإنسان للعطف والحنان والاهتمام، لا سيّما لدى الأطفال، عندئذٍ ندرك مدى خطورةِ تجاهل الاهتمام بالأيتام، ما يجعلهم مستعِدّين للتحوُّل إلى بُؤَرِ توتُّرٍ اجتماعيّةٍ تهدِّدُ نسيجَ المجتمعِ وأمنَه في المستقبل.

من هنا، نفهم الحكمةَ الكامنةَ وراء حثِّ التعاليم الإسلاميّةِ على رعاية اليتيم والاهتمام به عطفاً وحناناً ودعماً، حتى طَفَحَت الرواياتُ والأحاديثُ بأجر كافل اليتيم وعِظَمِ منزلتِه عند الله؛ يقول تعالى:

Pيسْألُونَكَ عَنِ الْيتَمَی قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْO (سورة البقرة، 220)

نعم! تشيرُ الآيةُ الكريمةُ إلى أهمّيّة ترسيخ ثقافة الاهتمام بالأيتام واستيعابِهِم كمسؤوليّةٍ يتحمَّلُها كافّةُ أبناءِ المجتمع، من خلال عدم الاكتفاء بتأمين احتياجاتِهم الماليّة والغذائيّة فحسب، بل بالعمل على دمجهم في المجتمع وتوفيرِ بيئةٍ مليئةٍ بالعطفِ والحنانِ والرعايةِ تحيطُ بهم؛ إذ لا فائدةَ من بناء دُورِ الأيتام دونَ أن تحظى بالأجواء السليمةِ الأُسَرِيَةِ. وإليكم نموذجاً من سيرة الإمام (عليه السلام) في التعامل مع الأيتام:

عن حبيب بن أبي ثابت أنّه قال: “جِيءَ بمقدارٍ من العسل إلى بيت المال، فأمرَ الإمامُ عليّ عليه السلام بإحضار الأيتام. وفي الحين الذي كان يُقَسِّمُ العسلَ على المستحقِّين، كان بنفسه يطعم الأيتام من العسل، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما لهم يلعقونها؟ فقال: إنّ الإمام أبو اليتامى وإنّما أَلْعَقْتُهُم هذا برعاية الآباء”.  (الكافي، ج1، ص406).

وقد كان (عليه السلام) يؤكِّد على الجانبِ العاطفيِّ في الاهتمام باليتيم لتقدُّمِه على الجوانبِ المادّيّة على أهمِّيَّتِها؛ فعنه (عليه السلام):  “ما مِن مُؤمِنٍ ولا مُؤمِنَةٍ يَضَعُ يَدَهُ عَلى رَأسِ يَتيمٍ تَرَحُّماً لَهُ، إِلاّ كَتَبَ اللّه لَهُ بِكُلِّ شَعرَةٍ مَرَّت يَدُهُ عَلَيها حَسَنَةً”. (ثواب الأعمال، ص181).

قد يظنُّ بعضُ أهل الخير والمحسِنين أنّ مهمَّتَهم انتهت بتدشين حَجَرِ الأساسِ وبناء دار الأيتام، بينما توجِّهُنا الرواياتُ إلى المفهوم الحقيقيِّ لتلك الدار والمتمثِّلُ في خلق أجواء المحبّة والعطف والحنانِ لهم بغضِّ النظرِ عن المكانِ والمبنى؛ فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: “خَيرُ بَيتٍ فِي المُسلِمينَ بَيتٌ فيهِ يَتيمٌ يحسَنُ إِلَيهِ وَشَرُّ بَيتٍ فِى المُسلِمينَ بَيتٌ فيهِ يَتيمٌ يُساءُ إِلَيهِ أَنَا وَكافِلُ اليَتيمِ فِى الجَنَّةِ هكَذا”. (البر والصلة للمروزي، ح195).

ولا يُطلَق على أيِّ دارٍ اسمُ دار الأيتام إلا إذا أحسَّ فيه هؤلاء بالطمأنينة والراحة والسرور؛ فعنه (صلى الله عليه وآله):

“إنَّ في الجَنَّةِ داراً يُقالُ لَها دارُ الفَرَحِ لايَدخُلُها إلاّ مَن فَرَّحَ يَتامَى المُؤمِنينَ” (كنز العمال، 6005) .

وأيُّ مسؤوليّةٍ أعظمُ من رعاية اليتيم، وهذا إمامُنا عليٌّ (عليه السلام) قد خصَّص لتلك الشريحة الاجتماعيّةِ فِقرةً هامَّةً من وصيّتِه الخالدةِ، حين قال: “اللَّهَ اللَّهَ فِی الْأَيتَامِ فَلَا تُغَيرُوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لَا يضيعوا بحَضْرَتِكُمْ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يقُولُ مَنْ عَالَ يتيماً حَتَّى يسْتَغْنِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ كَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ لِآكِلِ مَالِ الْيتيمِ النَّار” (الكافي، ج7، ص51).

عبادَ الله، لا يظُنَّنَّ أحدٌ أنّ العباداتِ في الإسلام مقتصِرةٌ على أداء الواجبات صلاةً وصياماً وحجّاً وزكاةً، بل هي أوسعُ من ذلك بكثيرٍ؛ إذ هناك فرائضُ اجتماعيّةٌ لا تقِلُّ أهميةً عنها إن لم تَعْلُها في بعض الحالات لآثارها المعنويّة وبركاتِها الروحيّةِ، ومنها كفالةُ الأيتام التي ذُكِرَ لها من الفضائلِ التي سنستعرض بعضاً منها في هذه العجالة:

تعزيز الجانب الإنسانيِّ وقضاء الحوائج:

إنّ أردنا أن نتقرّب إلى الله، فعلينا التوجّهَ بالقلب إليه. ولا يمكن تحقيق ذلك الأمرِ إلا بترقيقه وتكسيرِ الحُجُبِ التي تحولُ دونَ تَسَرُّبِ أنوارِ الرحمة الإلهيةِ إليه؛ فالقلبُ القاسي محرومٌ من تلك النعمة. وأنجعُ علاجٍ لقسوة القلب هو الاهتمام باليتيم الذي يفتح أبوابَ السماء في وجه كافله. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” أَتُحِبُّ أَن يَلينَ قَلبُكَ وَتُدرِكَ حاجَتَكَ؟ اِرحَمِ اليَتيمَ وامسَح رَأسَهُ وَأَطعِمهُ مِن طَعامِكَ، يَلِن قَلبُكَ وتُدرِك حاجَتَكَ”. (كنز العمال، ج3، ص167).

الخلاص من العذاب:

يودُّ كلٌّ منا- كلّما كبُرَ به السِّنُّ- أن يعمل على الاستعداد للعالَمِ الآخَر بما يُنجيه من أهواله وعذابه، فيزيدُ من جُرعةِ عباداتِه ومستحبّاته عسى أن يجتازَ تلك المحطّةَ الحتميّةَ ناجياً. ولعلّ أهمَّ عملٍ يضمنُ سبيل الخلاص هو الاهتمامُ بالأيتام.

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله): “مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيمَ (عليه السلام) بِقَبْرٍ يعَذَّبُ صَاحِبُهُ ثُمَّ مَرَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ فَإِذَا هُوَ لَا يعَذَّبُ فَقَالَ: يا رَبِّ مَرَرْتُ بِهَذَا الْقَبْرِ عَامَ أَوَّلَ فَكانَ يعَذَّبُ وَ مَرَرْتُ بِهِ الْعَامَ فَإِذَا هُوَ لَيسَ يعَذَّبُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيهِ أَنَّهُ أَدْرَك لَهُ وَلَدٌ صَالِحٌ فَأَصْلَحَ طَرِيقاً وَ آوَى يتِيماً فَلِهَذَا غَفَرْتُ لَهُ بِمَا فَعَلَ ابْنُهُ”(بحار الأنوار، ج14، ص286) .

 الجنة هي الجائزة الكبرى:

إن كانت هناك حسرةٌ على أهل النار؛ فهي- بلا ريب- حين يرون أهلَ الجنّة متنعِّمين في درجاتهم، بينما يتقلّب أصحابُ الجحيم في صنوف العذاب. مع أنّ الفرصة كانت سانحةً لهم في الدنيا كي يغيِّروا مصائرهم ببعض الأعمال التي يأتي على رأسها الاهتمامُ باليتيم.

عن أبي مريم الأنصاري قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ اليتيم إذا بكى اهتزَّ له العرش، فيقول الرب تبارك وتعالى: من هذا الذي أبكى عبدي الذي أسلَبتُه أبوَيْه في صِغَرِهِ. فَوَعزتي وجلالي! لا يُسكِتُهُ أحدٌ إلا أوجبتُ له الجنة” (ثواب الأعمال، ص200)

عبادَ الله، ألا يَجدُرُ بنا-ونحن في هذا الشهر الفضيل- أن نبادِرَ لحجزِ أماكننا من الآن في الفردوس بالاهتمام بالأيتام ولا سيّما من أبناء وبنات الشهداء وكفالتِهم. وهذا إمامنا علي (عليه السلام)، مع ما له من مكانةٍ عند الله، كان يُرْهِقُ نفسَه لأمرهم، حتى يعلِّمنا أهميّة الموضوع. 

وأختم كلامي في هذه الخطبة بقصةٍ نقلها المرحومُ المجلسيُّ (ره) عن الشيخ عبدِ اللهِ التُستَريِّ (ره)؛ حيث قال: كان الشيخُ من أصحاب الفضل والفضيلة وذا مقامٍ عالٍ. وعندما انتقل إلى رحمته تعالى، رآه أحدُ العلماء في المنام على أحسن هيئةٍ. فبادره بالسؤال: بِمَ بلَغتَ تلك المرتبةَ؟ فأجاب: في أحد الأيام، كنت ألقي درساً في الحديث بالمسجد الجامع بأصفهانَ. فدخل رجلٌ وبيده تفاحةٌ، وأهدانيها. فلما أنهيتُ الدرسَ، خرجتُ من المسجد والتفاحةُ بيدي. فلقيتُ في طريقي طفلاً (يبدو أنه كان) يتيماً، فناولتُه التفاحةَ. ففرح لها أشدَّ الفرحِ. فأعطاني الله ما ترى من نعمة لذلك.

الخطبة الثانية:

مع هذه الأيام المباركةِ من شهر رمضانَ الكريمِ، سنستقبل معاً مناسباتٍ مهمّةٍ دينيّةً وسياسيّةً؛ فالليلةَ، نحن على موعدٍ مع ذكرى حادثةٍ كبرى أليمةٍ أدْمَتْ قلبَ التاريخ ألماً وشحَنَتْ صدرَ الزمانِ غيظاً، حين تجرّأَ أشقى الأوّلين والآخِرين بارتكاب جريمته الشنعاءِ بحقِّ الإنسانيّة  مستهدِفاً بسيفِ حقدِه الشيطانيِّ رأسَ مولى الموحِّدين وأميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالب (عليه السلام) وهو في محرابِ عبادتِه مخضِّباً شَيبتَه الطاهرةَ دماً سُحْرَةَ التاسعَ عشَرَ من شهر رمضان سنةَ أربعين للهجرة بمسجد الكوفة وهو ينادي: “فزت ورب الكعبة”. فأعظمَ الله أجورنا وأجوركم بهذا المصابِ الجَلَلِ، ولا تقصِّروا في مواساةِ صاحب العصر والزمان (عج) وعمتِه الطاهرةِ السيدةِ زينبَ الكبرى (س) بالمشاركة الفاعلةِ الحاشدةِ في المجالس التي تقام بالمناسبة.

ولا تنسَوا-أحبّائي- أنّ هذه الليلةَ هي الأولى من الليالي التي يُرجى أن تكونَ ليلةُ القدر فيها، فضلاً عن ليلتَي الحادي والعشرين والثالث والعشرين من الشهر. فاللهَ! اللهَ! في إحيائها بصالحِ الأعمال والعباداتِ التي سنذكر بعضاً منها:

– الغُسل، قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام: “من اغتسل ليلةَ القدر وأحياها إلى طلوع الفجر خرج من ذنوبه” (وسائل الشيعة، ج7، ص262)

– الإحياء، قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يطوي فراشَه، ويشُدُّ مِئزَرَه في العشر الأواخر من شهر رمضان، وكان يوقظ أهله ليلة ثلاثٍ وعشرين، وكان يرُشُّ وجوهَ النيام بالماء في تلك الليلة. وكانت فاطمة عليها السلام لا تدع أحداً من أهلها ينام تلك الليلة، وتداويهم بقلّة الطعام، وتتأهب لها من النهار، وتقول: محرومٌ من حُرِمَ خيرَها”. (مستدرك الوسائل، ج7، ص470).

وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: “من أحيا ليلةَ القدر غُفِرَت له ذنوبُه، ولو كانت ذنوبُه عددَ نجومِ السماء، ومثاقيلِ الجبال، ومَكائيلِ البحار” (بحار الأنوار، ج95، ص146)

– أداء صلاة ليلة القدر بالكيفية المذكورةِ في كتب المفاتيح والأدعية.

– التوسّل بالقرآن الكريم وتلاوة بعضٍ من سورها وقراءة بعض الأدعية المخصوصةِ كما ذُكِرَت في كتب الأدعية.

– زيارةُ الإمام الحسين (عليه السلام) من بُعْدٍ أو قُربٍ، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام، قال: “إذا كان ليلةُ القدر، يَفْرُقُ اللهُ عز وجل كلَّ أمرٍ حكيمٍ، نادى منادٍ من السماء السابعة من بُطنانِ العرش أنَّ الله عز وجل قد غفر لمن أتى قبرَ الحسين عليه السلام”. (بحار الأنوار، ج95، ص166)

نسأله تعالى أن يوفِّقنا لأداء حقِّ ليلةِ القدر، وإجابةِ دعَواتِنا لخيرِ الدنيا والآخرة. وأكثِروا من الدعاء بتعجيل فرَج مولانا صاحبِ العصر والزمان (عج) فإنّ فيه تعجيلاً لفرَجِنا.

أيها الإخوة والأخوات، يصادف نهايةَ الأسبوعِ القادمِ آخِرُ جمعةٍ من شهر رمضانَ المباركِ؛ وهو يومٌ عظيمٌ أطلقَ عليه إمامُنا الخمينيُّ الراحلُ (رض) يومَ القدس العالميَّ إرثاً خالداً باسمه تذكيراً بقضيّةِ الأمّة المركزيّةِ التي حملَ لواءَها الإمامُ الراحلُ منذ الأيامِ الأولى لانطلاق الثورة الإسلاميةِ، وتحوّلَتْ إلى عنوانٍ لسياستها الإستراتيجيّةِ بعد انتصارها، لتصبحَ الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانيةُ معقِلَ المقاومةِ دفاعاً عنها على امتداد المنطقة في ظلِّ قيادة سماحة الإمامِ القائدِ الخامنئيِّ (دام ظله)؛ ما منح قضيةَ القدس روحاً جديدةً استمدَّت زَخَمَها من روح الثورة الإسلامية بعد أن أضحَت مدرسةَ عقيدةٍ وثقافةٍ عريقةً من عُمُر الثورة التي تدخل عقدَها الخمسين وهي أكثرُ قوةً وأشدُّ اقتداراً في مواجهة أعدائها.

لن ندركَ أهميةَ العلاقةِ العضويةِ التي تجمع الثورةَ الإسلاميةَ الإيرانيةَ بقضية القدس، إلا حين نلقي نظرةً على مُكتَسَباتِ القضية الفلسطينيةِ بانتصار الثورة الإسلامية؛ إذ بدأَت بافتتاح أولِ سفارة لدولة فلسطينَ في طهران بدلَ سفارة الكيان الصهيوني، لتتطوَّر إلى خلقِ محورٍ للمقاومة دعماً للحق الفلسطيني على امتداد المنطقة، حقَّقَ الانتصاراتِ تِلوَ الانتصارات على قوى الاستكبار والصهيونيةِ والرجعيةِ على طريق تحرير القدس الشريف من دَنَسِ الاحتلال.

في المقابل، لكُم أن تتصوَّروا وضعَ القضية الفلسطينية المَأْساوِيَّ لولا مواقفُ الجمهورية الإسلاميةِ. فهذه صفقةُ القرنِ المشؤومةُ ومؤتمرُ السلام الاقتصادي المزعومُ المُزْمَعُ عقدُه في البحرين أكبرُ الأمثلةِ على مصير القدس لو وقَعَتْ بيدِ المنبطِحين من عبيدِ الاستكبار والصهيونيةِ، ناهِيكُم عن عملياتِ التطبيعِ الفَجَّةِ التي يتبَنَّوْنَها ويعملون عليها.

أيها الإخوة والأخوات، لقد دفعَت الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانيةُ أغلى الأثمانِ، وتحمَّلَت أقسى الضغوط- ولا تزال- في سبيل الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعمِ محورِ المقاومة. وهي تَعْتَزُّ بمواقفها تلك لأنها تقوم بواجبها الدينيِّ والعقائديِّ والأخلاقيِّ دفاعاً عن ا لمظلوم ودفعاً للظالمِ. ولن تتراجعَ عن هذا المسارِ قَيْدَ أَنْمُلةٍ لأنّها ترى في قوة قوى المقاومة قوةً لها وفي عزتِهم عزةً لها؛ تعتبر انتصارَ الأشقاءِ في سوريا في الحرب الكونية الإرهابيةِ التي شُنَّتْ عليها انتصاراً لها، كما تَعُدُّ إنجازاتِ الأبطالِ اليمنيّين العسكريّةَ في مقارعتهم للعدوان الأمريكي السعوديّ إنجازاتٍ لها، وتتعاملُ مع صمود المقاومة اللبنانية والفلسطينية في مواجهة الكيان الصهيونيِّ باعتباره صموداً لها، وتنظر لإباءِ فصائل الحشد الشعبيِّ في الثبات أمامَ مؤامرات الأمريكان وأذنابِهم إباءً لها. فمحورُ المقاومةُ كالجسد الواحدِ؛ فِكْرُهُ القدسُ وتحريرُ فلسطينَ والأراضي المحتلّةِ كافّةً، وقلبُه النابضُ إيرانُ الإسلامِ المحمديِّ الأصيلِ الذي يَمُدُّها بما تحتاجُ من دمٍ ودعمٍ.

و اليوم محور المقاومة قد أصبح ناجحاً ومتفوقاً على أعدائه وأقوى من كل زمان مر عليه والدليل على ذلك ضعف العدو الإسرائيلي والأمريكي في السنوات الماضية في مقابل المقاومة وأبنائها، وهو مصداقُ ما أراده الله تعالى لتبقى كلمةُ المقاومة هي العليا.

و نحن قد جربنا وعلمنا أن العدو لن يفهم إلا لغة المقاومة والجهاد وكما قال الإمام الخميني (رض): “يجب أن يطلق الجميع صرخات “الموت لأمريكا” إلى أن يتمكنوا من التخلص من شرِّها في كل أنحاء العالم.” وسوف نطلقها من هنا بأعلى أصواتنا كي يعرفَ القاصي والداني أننا على العهد الخمينيِّ باقون حتى تحرير القدس: “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل”

أيها المؤمنون والمؤمنات، في مثل هذه الليلة، كان إمامُكم أميرُ المؤمنين (عليه السلام) على موعدٍ مع حَدَثٍ كان يترَقَّبُه طوالَ حياتِه؛ إذ أفطر على عَجَلٍ في منزل ابنته أمِّ كلثوم مكتفياً بتناول لُقَيماتٍ من الخبز والملح. مكرِّراً توجُّهَه نحو باب الحجرة محدِّقاً للسماء مُكْثِراً من الذكر والاسترجاع قائلاً: “إنا لله وإنا إليه راجعون”. ما أدخلَ القلقَ في قلب ابنته متسائلةً عن السبب الذي يدعو أباها لذلك.

قالت أم كلثوم: لم يزل أبي تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، يخرج ساعة بعد ساعة يقلّب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول: والله ما كَذِبتُ ولا كُذِّبْتُ، وإنها الليلة التي وُعِدْتُ بها. ثم يعود إلى مصلاّه و يقول: اللهم بارك لي في الموت و يكثر من قول: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ويستغفر الله كثيراً….

قالت أم كلثوم: فجعلت أرقب الأذان، فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء، ثم أيقظته فأسبغ الوضوء وقام ولبس ثيابه وفتح بابه ثم نزل إلى الدار وكان في الدار إوزٌّ قد أهدي إلى أخي الحسين (عليه السلام)، فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه وكن قبل تلك الليلة لم يصحن فقال (عليه السلام): لا إله إلا الله، صوائح تتبعها نوايح، وفي غداة غد يظهر القضاء فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحل حتى سقط فأخذه وشده وهو يقول:

أشدد حيازيمك للموت          فإن الموت لاقيكا

ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت، اللهم بارك لنا في لقائك.

… ثم فتح الباب وخرج إلى المسجد وهو ينشأ ويقول:

خلوا سبيل المؤمن المجاهد          في الله ذي الكتب وذي المشاهد

في الله لا يعبد غيرَ الواحد          ويوقظ الناس إلى المساجد

وسار الإمام إلى المسجد فصلى النافلة في المسجد ثم علا المئذنة فأذن، فلم يبق في الكوفة بيت إلا اخترقه صوت أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم نزل عن المئذنة وهو يسبح الله ويقدسه ويكبره و يكثر من الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) …..

واتجه إلى المحراب وبدأ يصلي وكان (عليه السلام) يطيل الركوع والسجود في صلاته، فقام الشقي ابن ملجم وأقبل مسرعاً يمشي حتى وقف بإزاء الأسطوانة التي كان الإمام يصلي عندها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وسجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها وشد عليه اللعين ابن ملجم فضرب الإمام على رأسه فشقه نصفين، فوقع يخور في دمه وهو يقول: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله؛ ثم صاح الإمام فزت ورب الكعبة.

فاصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائكة في السماء وهبت ريح عاصفة سوداء مظلمة، ونادى جبرائيل بين السماء والأرض: “تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء”. لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*