قضية غزة ليست قضية قطعة من الأرض وقضية فلسطين ليست قضية جغرافية. إنها قضية الإنسانية. قضية فلسطين اليوم مؤشر يميّز بين الالتزام بالمبادئ الإنسانية ومعاداة هذه المبادئ. القضية مهمة إلی هذه الدرجة. أمريكا أيضاً ستتضرر من هذه المعاملة بلا شك. هذه الأمور التاريخية التي تستمر عشرة أعوام أو عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً تعدّ كلحظة واحدة في التحولات التاريخية وستمضي سريعاً. لا مراء أن أمريكا ومستقبل أمريكا سينهزم بسبب أسلوب التعامل الذي انتهجه الأمريكان طوال الخمسين أو الستين سنة الأخيرة فيما يتعلق بقضية فلسطين. قضيّة فلسطين ستبقی وصمة عار وخزي لأمريكا طوال القرون المتمادية في المستقبل. فلسطين سوف تتحرّر، ولا يخالجكم أي شك أو شبهة في هذا الخصوص. فلسطين ستتحرر يقيناً وستعود لأهاليها وستتشكل فيها حكومة فلسطينية. هذا مما لا ريب فيه، لكن السمعة السيئة لأمريكا والغرب سوف لن تزول. سوف يبقی سوء السمعة يلاحقهم. لا شك أن الشرق الأوسط الجديد سيتشكل وفقاً للحقائق التي قدرها الله تعالی. وسيكون هذا الشرق الأوسط الجديد شرق أوسط الإسلام. كما أن قضية فلسطين قضية إسلامية. جميع الشعوب مسؤولة حيال فلسطين. كافة‌ الحكومات مسؤولة قبال فلسطين سواء الحكومات المسلمة أو الحكومات غير المسلمة. أية حكومة تدّعي مناصرة الإنسانية مسؤولة لكن واجب المسلمين أثقل وأكبر. الحكومات الإسلامية مسؤولة وعليها أن تعمل بمسؤولياتها وأية حكومة لا تعمل بواجبها ومسؤوليتها إزاء قضية فلسطين سوف تواجه عواقب ذلك لأن الشعوب استيقظت وتطالب الحكومات، والحكومات مضطرة لتحمل مسؤولياتها أمام هذه القضية.

قضية فلسطين بالنسبة لنا في الجمهورية الإسلامية ليست قضية تكتيك ولا هي حتی استراتيجية سياسية، إنما هي قضية عقائديّة قلبية وإيمانية. لذلك لا توجد بيننا وبين شعبنا في هذا الخصوص أية فواصل واختلافات. بمقدار ما نهتم بقضية فلسطين يهتم بها شعبنا أيضاً.. أولئك الذين يعلمون ما هي قضية فلسطين وهم الأكثرية الساحقة من شعبنا. وتلاحظون في يوم القدس في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان من كل سنة، والتي أعلنها الإمام الخميني يوماً للقدس، تلاحظون أن الناس هنا يتظاهرون في المدن الكبيرة والصغيرة وحتی في القری كما يتظاهرون في يوم الثاني والعشرين من [شهر] بهمن (١١ شباط) ذكری انتصار الثورة الإسلامية والذي يُعدّ شيئاً داخلياً خاصاً بشعبنا وبلدنا، ونراهم يسجلون في يوم القدس نفس المشاعر ونفس التواجد والمشاركة التي يسجلونها في يوم الثاني والعشرين من [شهر] بهمن (١١ شباط). في يوم القدس أيضاً يخرج الشعب في كافة مدن البلاد الكبيرة والصغيرة والقری إلی الشوارع سواء كان الجو حاراً أو بارداً ويعبرون عن مشاركتهم واندفاعهم. واعلموا لو لا أننا – كمسؤولين للبلاد – نمنع الناس لسار الكثير من شبابنا ليشاركوا بأجسادهم وأجسامهم في الساحة الفلسطينية. في حرب غزة سار شبابنا إلی المطار ولم يغادروه رغم كل المحاولات، إلی أن غادروه بنداء مني. لو لم أوجّه لهم هذا النداء لما تركوا المطار. كانوا يقولون خذونا إلی غزة، وكانوا يتصورون أن بوسعهم الوصول إلی غزة. هكذا هي دوافع شبابنا ومحفزاتهم. قضية غزة وفلسطين قضيتنا وهي قضية إسلامية وقضية كل المسلمين وتمثل واجباً بالنسبة لنا. وما نقوم به إنما هو واجبنا ولا نمنّ به علی أحد. فنحن إنما نقوم بواجبنا. ونسأل الله تعالی أن يعيننا لنستطيع أداء واجباتنا ولكن أنتم الأعزاء الحاضرين هنا أصروا علی هذا الكلام الذي قاله السادة وهو أن الأساس هو الكفاح والنضال، وأنه لا سبيل لحل قضية فلسطين سوی المقاومة. قولوا هذا الكلام بصراحة وعلناً ولا تسمحوا للمجاملات السياسية والتعتيم السياسي بأن يتغلب علی هذا المنطق. كل فلسطيني تنحّى عن طريق المقاومة تضرر. إسرائيل ليست صادقة في مطالبتها بالسلام، وحتی لو كانت صادقة فهي علی باطل ولا حق لها هنا، لكنها ليست صادقة. الذين انخرطوا في طريق التفاوض اضطروا للقبول بما يفرضه عليهم العدو، ولو ابتعدوا لحظة واحدة عن طريق ما يفرضه عليهم العدو فسوف يقصون أو يهانون، وقد شاهدتم مصاديق للحالتين. أقصوا البعض وأهانوا البعض. طريق القدس وطريق فلسطين وطريق إنقاذ قضية فلسطين وحلها هو طريق الكفاح فقط، وهذا ما قاله السادة وأنا مسرور لأن هذه القضية مما تجمعون عليه. الذي لا يوافق هذا السبيل إنما يوجّه الضربات للقضية الفلسطينية من حيث يدري أو لا يدري. إذا كان يدري ففعلته هذه خيانة وإذا كان لا يدري فما يقوم به جهل وغفلة، لكنها علی كل حال ضربة توجه للقضية الفلسطينية. إنهم بذلك يوجّهون الضربات للقضية الفلسطينية. ليس أمام فلسطين من سبيل سوی المقاومة، هذا ما يجب أن يقولوه ويطالبوا به وعلی الحكومات الإسلامية أن تكرره. طبعاً الكثير من الحكومات العربية خرجت من الامتحان في قضية غزة وما قبلها وما بعدها من القضايا فاشلة فشلاً ذريعاً. خرجوا من الامتحان فاشلين جداً. كلما طرحت قضية فلسطين قالوا إنها قضية عربية! حينما يحين وقت العمل تلغی فلسطين تماماً من معادلاتهم كلها، وبدل أن يساعدوا فلسطين والفلسطينيين وإخوتهم العرب – حتی لو كانوا غير مؤمنين بالإسلام فليلتزموا بعروبتهم علی الأقل – تراهم ينسحبون من الساحة كلهم. خرجوا من الإمتحان فاشلين للغاية. وهذا ما سيُخلّد في التاريخ. وهذه العقوبات وهذا الجزاء لا يختص بالآخرة، فهو موجود في الدنيا أيضاً. كما أن النصرة الإلهية لكم أنتم الذين تجاهدون وتناضلون لا تختص بالآخرة. في هذه الآية التي تليت – وكرّرها السيد خالد مشعل – تقول الملائكة: «نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة»‌. إذن، ليست المسألة في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضاً تعمل ملائكة الله وقواه المعنوية علی مدّ يد العون للذين: «قالوا ربنا الله ثم استقاموا».
~الإمام الخامنئي ٢٠١٠/٢/٢٧