خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 10 شوال 1440 هـ

10 شوال 1440

الموضوع: الأخلاق الإسلاميّة (الأخلاق الإلهيّة) (التوبة) (قبول التوبة؛ حقيقتها ومعناها)

الخطبة الأولى:

لا يشكّ أحدٌ بصدق وعد الله في قبول توبةِ التائب إليه، حتى قال الإمام الباقر (عليه السلام): “الله أفرح بتوبةِ عبده من العقيم الوالد، ومن الضّال الواجد، ومن الظمآن الوارد”  (كنز العمال، 10165).

وهنا، تُطرَح مجموعةٌ من الأسئلة قد تخطر في الأذهان، منها: هل تمحى آثار المعاصي جميعُها، أو يبقى شيءٌ منها؟ وهل قبول الله تعالى للتوبة يعني أنّه رضي عمّن تاب إليه، أو هو مجرّد قبول لأنّه وعد بقبولها دون الرضى الحقيقيّ؟

الأمر الذي حدا بي للحديث في هذه الخطبة عن حقيقة قبول التوبة ومعناها، عسى أن أقدِّمَ إجاباتٍ شافيةً عن فحواها. واللهُ وليُّ التوفيق.

عبادَ الله، لقد بشَّرَ القرآن الكريمُ في العديدِ من آياته بأصل قبول التوبة عند الله، قانوناً إلهيّاً لا يقبلُ أيَّ استثناءٍ؛ يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة التوبة، الآية 104).

وفي آية أخرى:﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (سورة غافر، الآية 3).

وفي آية ثالثة: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (سورة النساء، الآية 110).

ولكنّ قبولَه ذلك ليس كأيِّ قبولٍ؛ فهو انعكاسٌ لسَعَةِ رحمته وعفوه، والتي يمحو بها ما سلف من معاصي التائب ويغطّيها حتى عن الملائكة التي تَحُفُّ به، كي لا تسجِّل عليه آثارَها، كما يدلُّ على ذلك صريحُ الروايات؛ فالتائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له.

وإنّ قبوله تعالى توبةَ عبدِهِ، إعلانٌ صريحٌ عن نجاح الأخير في الثورة على نفسِهِ، ما يعني انحسارَ الغضبِ الإلهيِّ لصالح امتداد الرحمةِ الربّانيّةِ لتشمل حالَ التائبِ العاملِ بشروط التوبة التي ذكرناها في الخطب السابقة. وتلك حقيقةُ التوبةِ.

وإنّ قبولَ التوبة انعكاسٌ لعظمة لطفِ الله وكرمِهِ بحقِّ عبده التائب؛ إذ إنه تعالى هو بذاته من يتبنّى عمليةَ تيسير التوبة وتذليل كلِّ العقباتِ التي تحُولُ دونَ تحقيقها؛ وفي الرواية عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنَّ الله تعالى يبسط يده بالتوبة لمسيء اللّيل إلى النهار، ولمسيء النهار إلى اللّيل حتّى تطلع الشمس من مغربها، وبسط اليد كناية عن طلب التوبة، وطالب التوبة يقبله البتّة” (صحيح مسلم، 2759).

ألا يدعونا ذلك لمخاطبة أنفسنا- وكلُّنا خطّاؤون- قائلين: ألا يستحقُّ منا ذلك الربُّ الغفورُ الرحيمُ، الذي يهمُّه شأنُ سعادتِنا وفلاحِنا إلى ذلك الحدِّ، أن نبادِرَ لما يُرضيه كي يفرحَ-كما في الحديث- بالإنابة إليه توبةً نصوحاً؟

وفي الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال لمحمّد بن مسلم: “ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما والله إنّها ليست إلّا لأهل الإيمان”، فقال له: فإنّ عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب، وعاد في التوبة؟ قال عليه السلام: “يا محمّد بن مسلم، أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثمّ لا يقبل الله توبته!؟”، قال: فإنّه فعل ذلك مراراً، يذنب ثمّ يتوب ويستغفر، فقال: “كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، وإنّ الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيّئات، فإيّاك أن تقنط المؤمن من رحمة الله”. (الكافي، ج2، ص434). فالتوبة حين تؤتى بشروطها، لن تلقى من الله إلا القبولَ.

عباد الله، في ضوء ما ذكرنا، ذكر علماءُ الأخلاق للتوبة وقبولِها تفاسيرَ ومعانيَ عديدةً، وقدّموا نماذجَ وافيةً. وأكتفي بما أورده العلّامة النراقيّ (قدّس سرّه) في جامع السعادات حين قال: “ثمّ الناظر بنور البصيرة ….يعلم أنّ التوبة توجب سلامة القلب، وكلّ قلبٍ سليم مقبولٌ عند الله ومتنعّم في الآخرة في جوار الله، ويعلم أنّ القلب خُلق في الأصل سليماً صافياً، إذ كلُّ مولود يولد على الفطرة، وإنَّما مرِضَ واسودَّ بِأمراض الذنوب وظلماتها ودواء التوبة يزيل هذه الأمراض، ونور الحسنات يمحو هذه الظلمات، ولا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات، كما لا طاقة لظلام اللّيل مع نور النهار، ولكدورة الوسخ مع بياض الصابون والماء الحارّ.

نعم إذا تراكمت الذنوب بحيث صارت رَيناً وطبعاً، وأفسدَت القلبَ؛ بحيث لا يقبل الصفاء والنورانيّة بعد ذلك. مثلُ هذا القلب لا تفيده التوبة، بمعنى أنّه لا يرجع ولا يتوب، وإن قال باللسان تبت، إذ أوساخ الذنوب غاصت في تجاويفه وتراكمت فيه بحيث لا يقبل التطهير، ولو بولغ فيه أدّى إلى انخراق القلب وهلاكه، لصيرورة الأوساخ جزءاً من جوهره، كما أنّ الثوب الّذي غاص الوسخ في تجاويفه وخلله وتراكم فيه، لو بولغ في تطهيره بالماء والصابون أدّى ذلك إلى انخراقه.

وهذا حال أكثر الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله، فإنّهم لا يرجعون ولا يتوبون، لصيرورة ذمائم الأخلاق ورذائلها ملكات راسخة في نفوسهم وغاصت أوساخها في تجاويف قلوبهم، بحيث لا يتنبّهون ولا يتيقّظون حتّى يقصدوا التوبة، ولو قصدوها فإنّما هو بمجرّد اللسان، والقلب غافلٌ خالٍ عن الإيمان، بل تتعذّر عليه التوبة لبطلان حقيقتها. (جامع السعادات، ج3، ص54-55).

وفي الخبر: أنّ الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال كان العفو مرجوّاً: أربعة من أعمال القلوب، وهي: التوبة أو العزم على التوبة، وحبّ الإقلاع عن الذنب، وتخوّف العقاب عليه، ورجاء المغفرة، وأربعة من أعمال الجوارح، وهي: أن تصلّي عقب الذنب ركعتين، ثمّ تستغفر الله تعالى بعدهما سبعين مرّة وتقول سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرّة، ثمّ تتصدّق بصدقة، ثمّ تصوم يوماً.

فما أيسرَ العملَ بتلك الخطواتِ لمن جدَّ في طلب التوبة!

وهنا، لا بدّ لي أن أوجِّهَ كلمةً لأبنائي الشبابِ، أملِ الأمة، الذين تحاصرهم فتنُ الدنيا وشهواتُها لتفتِنَهم عن التوبة، فأقول: إياكم واليأسَ من التوبة، حتى ولو تكرَّر تعثُّرُهم في سبيلها. فعليكم السيرَ في هذا الطريقِ بكلِّ جِدٍّ ودَأَبٍ. فإن بابَ التوبة مفتوح ونِسَبُ القبولِ فيها مطلَقةٌ، ولكن بشرطها وشروطها كما ذكرنا.

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة و الأخوات، تمرُّ علينا وعلى الأمة الإسلامية ذكرى حادثةٍ أليمةٍ، يتفطَّرُ لهَولها قلبُ كلِّ مسلمٍ غيورٍ على دينه ومقدَّساتِه؛ ألا وهي حادثة هدمِ بقاع أئمة البقيع الطاهرة منذ حوالَي تسعةِ عقودٍ من الزمن، وذلك على أيدي زمرةٍ لم يكن لها حظٌّ من الدين، ولا نصيبٌ من العقل، بل داست بهَمَجِيَّتِها كلَّ القيم الإنسانية والتقاليدِ البشريّةِ؛ فقد تجرَّأَ المجرمون الوهابيون من بني سعود- لا أسعدَهم الله- بدفعٍ من ربِّهم الأعلى المستعمر البريطاني العجوز الخبيث وبالتواطؤِ مع مراكزه الجاسوسيةِ لارتكاب تلك الجريمةِ الفظيعةِ بتدمير جزءٍ مهمٍّ من إرثِ الأمة الحضاريِّ التاريخيِّ، بهدف القضاء على الآثار الإسلاميةِ التي تذكِّرُ المسلمين بمجدهم الذي نالوه بفضل تضحيات أولئك الأئمة وعلمهم وفضلهم، في محاولةٍ منهم للعودة بالأمة إلى الوراء.

ولا يزال ذلك الخطُّ الوحشيُّ مستمراً من خلال ما شهدناه في هذا البلد المقاوم وسواه من اعتداءات المجموعات التكفيرية على أماكن العبادة والمقامات الإسلامية والمسيحية، قبل أن ترتدَّ على أعقابها خاسئةً مدحورةً بفضل المقاومة والصمود.

أيها الإخوة والأخوات، لعل من أهم الدروس المستفادة من تلك الحادثة ضرورةَ اتخاذ الأمة ولا سيما نخبها موقفاً حاسماً في مواجهة التحديات وذلك في ظلِّ قيادةٍ إسلاميةٍ تتمتع بالشجاعة والإقدام في التعامل مع التحديات.

فلو وُجِدَ آنذاك مثلُ تلك القيادةِ التاريخيةِ لتوجيه الأمة لَما تجرّأَ الأعداءُ على التمادي في غِيِّهم مشترين ذمائمَ حفنةٍ من وعّاظ البلاط لتبرير جريمتهم الشنعاءِ.

أما اليوم، فقد قيَّضَ الله لهذه الأمة قيادةً ومراجع تتخذ مواقفَ حازمةً في مواجهة أعدائها ولا سيما الاستكبار والصهيونية والتكفيرية العالمية، ما جعل اليأس يدِبُّ في قلوبها نتيجة تعرُّض مؤمراتها للفشل والخيبة.

وما فتوى المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد السيستاني حفظه الله، بتأييد من باقي المراجع العظام، بالجهاد ضد الدواعش والتكفيريين في العراق إلا نموذجاً على تلك المواقف المشرِّفة. وإن كان إمامنا الخامنئيُّ دام ظله حاز فضل السَّبق في هذا المضمار.

ولقد شهِدنا البارحةَ إحدى مواقف الإمام الخامنئي دام ظله في هذا الإطار، في مشهدٍ تجلَّت فيه عظمة شخصية سماحته ولاً لأمر المسلمين ومرجعاً دينياً كبيراً وقائداً لدولة كبرى في المنطقة؛ حين رفض سماحتُه، لدى استقبال رئيس الحكومة الياباني، الردَّ على رسالة ترامب الأحمق، ما أدخل السرور في قلب كل المقاومين والأحرار، وحطّم أحلامَ الأعداء بنجاح ضغوطاتهم لكسب النقاط.

أيها الإخوة والأخوات، لقد ظنّ الأحمق ترامب أنّ حلبَه مئاتِ مليارات الدولارات من آل سعود، سينطبق على إيران الإسلام، ولكنّه صُدِمَ وأتباعُه من موقف الإمام القائد الحكيم الشجاع دفاعاً عن الجمهورية الإسلامية. وإليكم تفاصيلَ ما جرى أمسِ:

في مستهلّ اللقاء توجّه رئيس الوزراء الياباني إلى الإمام الخامنئي بالقول: أودّ إيصال رسالة الرئيس الأمريكي إلى سماحتكم. فردّ قائد الثورة الإسلامية على رئيس الوزراء الياباني قائلاً: نحن لا نشكّ في حسن نواياكم وجديّتكم لكن فيما يخصّ رسالة رئيس الولايات المتحدة، فإنني لا أعتبر أنّ شخص ترامب جدير بتبادل الرسائل وليس لديّ ردّ عليه ولن أردّ عليه.

ثمّ أشار قائد الثورة الإسلامية إلى كلام السيد شينزو آبي حول أنّ أمريكا مستعدّة لإجراء مفاوضات صادقة مع إيران وردّ سماحته قائلاً:  لا نصدّق أبداً هذا الكلام لأنّه لا تصدر مفاوضات صادقة من قبل شخص مثل ترامب. وأكّد سماحته: قلّما يُلاحظ وجود صدق لدى المسؤولين الأمريكيّين.

ووجّه قائد الثورة الإسلامية خطابه لرئيس الوزراء الياباني قائلاً: الرّئيس الأمريكي التقى بجنابكم منذ أيام وتحدّث إليكم حول إيران أيضاً. لكن بعد عودته من اليابان أعلن على الفور حظر قطاع البتروكيميائيات الإيراني، هل هذه رسالة صداقة؟ هل هذا يُثبت أنّه ينوي إجراء مفاوضات صادقة؟ وشدّد سماحته في هذا الصدد: سوف لن نكرّر أبداً تجربة التفاوض المريرة التي خضناها خلال السنوات الأخيرة مع أمريكا.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد طبَّق الإمام الخامنئي دام ظله في موقفه التاريخيِّ المنهج القرآني في التعامل مع الأعداء والأصدقاء؛ عملاً بالآية الكريمة ” أشداء على الكفار، رحماء بينهم”، فأشاد باليابان دولةً صديقةً ومهمةً في آسيا، وندَّدَ بامريكا وغطرستها.

كما أنّ موقف سماحته الأخير انعكاسٌ لمدرسة جده الحسين (عليه السلام) حين رفض البيعةَ لطاغية زمانه رغم التهديد والوعيد حين قال (عليه السلام): “إنّا لله وإنّا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد، ثمّ قال: يا مروان أترشدني لبيعة يزيد!! ويزيد رجل فاسق، لقد قلت شططاً من القول وزللاً، ….”

ولقد جسَّدَ إمامُنا الخامنئي دام ظله موقف جده الحسين (عليه السلام) حين قال: “مثلي لا يبايع مثله”

أيها الاخوة والاخوات، بمثل هذه المواقف الحسينية الصامدة التي جسَّدَها إمامنا الخامنئي (دام ظله)، تُرسَمُ خارطة طريق العالم والمسقبل لصالح المقاومين والأحرار؛ ومن يدعي أنه حسيني عاشورائي، فلا يبايع مثل يزيد، لا يبايع من يسير على نهج يزيد، نهج الفساد والظلم والاستکبار والاستبداد والغطرسة.

ولم يكن موقف سماحته الأخير أثناء لقاء رئيس الحكومة الياباني إلا صدىً لإيمانه بالله واعتماده على الشعب الإيراني الصامد ومحور المقاومة؛ والتي ترفع شعاراً أطلقه الإمام الخميني الراحل وأكد عليه الإمام القائد الخامنئي (دام ظله)؛ ألا وهو: الموت لأمريكا.

ونقول من وحي موقف الإمام القائد في اللقاء الأخير: أيها الترامبيون الحمقى! لقد أعلنَها الإمام القائد مدوِّيةً بشكلٍ لا لبْسَ فيه، بأن الثوريين والمقاومين من أبناء الخميني (رض) لن يسمحوا لأنفسهم، التي أُعِزَّت بالصمود والإيمان بالوعد الإلهي بالنصر، أن بجلسوا مع الأمريكان أو تلقي رسائل منهم. أما لغة التهديد والوعيد والحصار فلن تجدي نفعاً إلا مع العبيد المنبطحين من أذناب أمريكا، وهذا هو الدرس الذي نستطيع أن نتعلمه من موقف الإمام الخامنئي لمجتمعنا ومستقبلنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*