خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 17 شوال 1440 هـ

الجمعة 17 شوال 1440هـ

الموضوع: الأخلاق الإسلاميّة (الأخلاق الإلهيّة) (الدعاء والتواصل مع الله حاجة فطرية ووسيلة جلب الرحمة الإلهية)

الخطبة الأولى

إن التحلّيَ بالأخلاق الإلهية يقتضي التواصل مع ربّ الأرباب وخالقِ الأرض والسماءِ، ولعلّ أفضلَ وسائل الارتباط لبيان الطلباتِ يتمثّل بالتضرّع والمناجاة تحت عنوان الدعاءِ، والذي يعكِسُ بنفسه حاجةً فطريةً أقرَّها الباري عزّ وجلّ في الإنسان منذ أن يفتحَ عينيه على هذا العالَمِ، فتراه يسعى لتوثيق عُرَى العلاقةِ مع مصدر القدرة المطلقةِ الشمّاء.

من هنا، فقد أكّد القرآن الكريم على أهمية الموضوع، مقدِّماً الدعاءَ سبيلاً لتلبية تلك الحاجة الإنسانية الفطرية، ما يدلُّ على أن الدعاءَ ليس مجرَّدَ شأنٍ إسلاميٍّ فحسبُ، بل وسيلةٌ لتأمين حاجةٍ فطريةٍ؛ إذ كم من أُناسٍ نشاهدهم يرفعون أيديَهم للسماء دعاءً وطلباً دون أن يكون مؤمنين بالمعاد أو حتى ذاكرين اسمَ الله، ولكنّها الفطرةُ التي دعَتْهم للتواصل مع الخالق دون أن يشعروا.

عبادَ الله، يقوم طريق صلاح الإنسان وفلاحه على اتّباع فطرته الإلهية السليمة؛ التي يمكن تشبيهُها بكتيِّب تعليمات استعمال جهازٍ ما يشتريه الإنسان، فلا يمكن له أن يستفيد منه إلا بالعمل وفقَ ما ورد فيه. والقرآن والدين يلعبان دورَ المبيِّن لما تقتضيه الفطرة حتى ينالَ الإنسانُ عناياتِ الله ورحمتَه المعنوية.

وبما أنّ اشتمال العبد بالعنايات الإلهية لا يتمّ إلا بما يتوافق والفطرة السليمة، فقد  جعل القرآن الكريم نزولَ بركاتِ الله ورحمتَه عليه رهناً بالدعاء والارتباط بالله تعالى؛ يقول تعالى في الآية 77 من سورة الفرقان: P رَبِّى قُلْ ما يعْبَؤُا بِكُمْ لَوْ لا دُعاؤُكُمْO؛ في إشارة إلى كافّة الفيوضات الربّانيّة لا تنزل إلا في قالب الدعاء. والمحروم من الدعاء محرومٌ من كلِّ خيرٍ.

وما دعوة الله تعالى عبادَه للدعاء ووعدُه بالإجابة إلا لتشمل العبدَ رحمتُه الخاصةُ. ولم يكتفِ بذلك، بل جعل نفسَه قريباً من عباده كي لا يحسّوا بأدنى عقبةٍ تحول بينهم وبين التواصل معه، يقول تعالى: Pادعوني أستجب لكمO (سورة غافر، الآية 60)، ويقول أيضاً: Pوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ  أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ  فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَO (سورة البقرة، الآية 186).

فلا يظنّنّ أحدٌ أنّ الدعاء مجرّدُ طلبٍ لحاجةٍ ما، بل إنه بحدّ ذاته من أسباب استمطار رحمة الله الواسعة، وأفضل طريقةٍ للتواصل مع الرحمان الرحيم في أبرز تجلٍّ للأخلاق الإلهية. وإليكم هذا الحديث نقلاً عن كتاب الدعاء لمحمد بن الحسن ا لصفار يرفعه إلى الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن أبيه، عن سليمان، عن عثمان الأسود عمن رفعه قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “يدخل الجنة رجلان كانا يعملان عملاً واحداً فيرى أحدهما صاحبه فوقه، فيقول: يا رب بما أعطيته وكان عملنا واحداً؟ فيقول الله تبارك وتعالى: سألني ولم تسألني، ثم قال: سلوا الله وأجزلوا فإنه لا يتعاظمه شيء” وبهذا الإسناد عن عثمان، عمن رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “لتسألن الله أو ليقبضن عليكم، إن لله عباداً يعملون فيعطيهم، وآخرين يسألونه صادقين فيعطيهم ثم يجمعهم في الجنة، فيقول الذين عملوا: ربنا عملنا فأعطيتنا، فبما أعطيت هؤلاء؟ فيقول: عبادي أعطيتكم أجوركم ولم ألِتْكم من أعمالكم شيئاً، وسألني هؤلاء فأعطيتهم وهو فضلي أوتيه من أشاء” (عدة الداعي، ص26).

عباد الله، لكل علاقة بين طرفين أصولُها وأخلاقياتُها التي ينبغي العملُ وفقَها حتى تترسّخ وتتوطّد؛ فمن غير المعقول أن يتعامل الشخص مع كبار الشخصيات كما يتعامل مع الناس العاديين. فكيف بالتعامل مع رب العالمين ومالك يوم الدين الذي بيده الأمرُ كلُّه! أفلا يجدُرُ بالعبد أن يتحلّى بأرقى أخلاقيات التواصل معه سبحانه وتعالى؟

نعم! إنّ الخُلُقَ الأسمى لتعامل الإنسان الموحِّد مع الله يتمثّل في الدعاء المحبَّبِ لدى الله. وقد صرّح المعصومون (عليهم السلام) بذلك؛ فقد سأل حنان بن سدير الإمامَ الباقرَ (عليه السلام): “أي العبادة أفضل؟ فقال (عليه السلام): ما من شيء أحب الى الله من أنْ يُسال و يُطلب ما عنده، و ما أحدٌ أبغضُ إلى الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده” (مكارم الأخلاق، ص311).

ولكن، بقي سؤال يطرح نفسه وهو: ما الحكمة وراء حثّ رب العالمين عبادَه على دعائه للتواصل معه؟ والإجابة واضحة؛ لقد اقتضت إرادة الله تعالى الخيرَ المطلقَ لعباده، فلا يريد أن يُحرَمَ أحدٌ منه، فدعاهم للارتباط به، حتى إنه اصطفى-لجلالة أمر الدعاء- خيرة خلقه كالرسل والأنبياء ممن كانوا أهل الدعاء والمناجاة والتضرع؛ إذ لم يبلغ إبراهيم (عليه السلام) ذلك المقامَ الرفيعَ إلا بكثرة الدعاء؛ فقد سأل زرارة عن معنى قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ. قال(عليه السلام): الأوّاهُ هو الدّعَّاء.

وكيف لا يكون الدعاء شرطاً للنبوة والرسالة وهو الحد الفاصل بين العبودية والاستكبار؛ فقد روى زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: “إن الله عزوجل يقول: إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين. قال: هو الدعاء. وأفضل العباده الدعاء” (الكافي، ج2، ص466).

الخطبة الثانية:

شهد الأسبوع الماضي ونهايته تطوراتٍ مهمّةً على مستوى المنطقة، شكّلَت تطوراً نوعياً لصالح محور المقاومة ومؤشِّراً على تغييرات أساسية في أسلوب مسار مقاومة شعوب المنطقة وبعض الدول الداعمة لها في مواجهة الأعداء المتغطرسين وعلى رأسهم الاستكبار العالمي وربيبتها الصهيونية الخبيثة. وسأستعرض في البداية شرحاً توصيفياً للواقع من خلال نماذجَ عمليةٍ لأخلُص منها النتائج.

إن مراجعة تاريخ منطقتنا خلال نصف القرن الماضي يدفعنا لتقسيمه إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل المقاومة، ومرحلة ما بعد المقاومة، لما شكّلته المقاومة من عنصر تحولٍ في تقرير مصير شعوبها وتعزيز اقتدارها في مواجهة أعدائها. ولا ريب في أن مسار المقاومة طوالَ تلك الفترة اتخذ طابعاً تصاعدياً؛ إذ يكفي أن نلقي نظرةً على وضع حالة المقاومة منذ بداية تبلورها حتى الآن.

وهنا، يجب أن ننوّه بدور الثورة الإسلامية المباركة في إيران والتي أعطت زَخَماً كبيراً للحالة المقاوِمة على مستوى المنطقة ما جعلها تحقق قفزاتٍ هائلةً إلى الأمام؛ لم يكن أبناء المشروع المقاوم ليتصوروه حين بدؤوا العمل، ولا كان الأعداء ليتخيلوا أن يتحول ذلك المشروع المقاوم إلى الصخرة التي تتكسر عليها مؤامراتُهم ومخططاتُهم.

نعم! فبعد أن كانت مجموعة من الفلسطينيين تواجه المحتلين الصهاينة بصدورهم العارية، لا يملكون إلا الحجارةَ سلاحاً في نضالهم، صار الفلسطينيون بعد انتصار الثورة الإسلامية ودعمها يستهدفون العمق الصهيوني بمئات الصواريخ يومياً رداً على الاعتداءات التي يتعرضون لها، مُخَلْخِلين فخرَ صناعة العدو التكنولوجية والمسماة بالقبة الحديدية، ليُسقِطوا أسطورة تفوقهم المزعوم، ويدفعوهم للتوسل بأي وسيلة كي يقبلوا شروطَ المقاومة وطلب وقف إطلاق النار، نادمين على الساعة التي فكروا فيها بالاعتداء.

أما قصة المقاومة في لبنان؛ فالحديث عنها يحلو حين نعلم أن تلك المقاومة المتمثلة بشباب حزب الله المؤمن، والتي استطاعت أن تهزم العدو الصهيوني وتطرده خارج الحدود من خلال مقاومةٍ استمرت قرابةَ ثمانيةَ عشرَ عاماً؛ هي الآن وصلت إلى مستوىً من الجهوزية والتطور النوعي؛ بحيث لن يتمكن العدو الصهيوني من مجاراتها في أي معركة قادمة سوى بضعة أيام، لينقل بعدها أبطال المقاومة المعركة إلى داخل حدود العدو المصطنعة في فلسطين المحتلة ويسيطروا على مناطق فيها. وهذا ليس مبالغاً فيه. لأن مناورات العدو العسكرية وتدريباته تحكي هذا النوعَ من التطور.

وأهمُّ من ذلك كلِّه، أن المقاومة هناك تحولت إلى قوة كبرى مؤثرة في المعادلات الإقليمية والدولية؛ فهذا سيدُ المقاومة سماحة السيد حسن نصر الله يوجه نصيحةً للعدو الصهيوأمريكي بألّا يرتكبوا أي حماقة لأن أقل خطأٍ منهم تجاه محور المقاومة سيُواجَهُ بردٍّ قاطعٍ لا قِبَلَ لهم به إطلاقاً.

أما في سوريا والعراق، فقد استطاع أبناؤهما المقاومون إحباط أكبر مؤامرة صهيوأمريكية رجعية تكفيرية؛ إذ بعد أن كان التكفيريون يمتدون بأوامر أسيادهم لضرب محور المقاومة مرتكبين الفظائع، انحصر نطاقُهم وضاق في بؤرة قاحلة في الصحراء أذلاءَ خانعين، بعد أن تخلى عنهم أسيادُهم. لتحرر المقاومة الأرض وتحمي العِرض.

وفي اليمن الصامد الذي كان في يوم من الأيام الحديقة الخلفية لآل سعود الذين كانوا يستضعفونهم ويذلّونهم في لقمة عيشهم. هاهم أبناء اليمن المقاوم اليوم بعد أن انضوَوْا تحت لواء محور المقاومة يلقنون جيوش العدوان الصهيوأمريكي السعودي دروساً قاسيةً، فارضين عليهم معادلة الرد بالمثل على المطارات ومنشآت النفط، ناقلين المعركة إلى أرض العدو، مستخدمين أعلى تقنيات الطائراتِ المسيَّرةِ بدون طيار دون أن تتمكن الردارات الامريكية من كشفها واعتراضها.

ولولا حاجزٌ من الالتزام ببعض المعايير الأخلاقية والإنسانية لكان أبناء اليمن الأبطال قد بلغوا مناطقَ لم يكن ليخطرَ ببال آل سعود وسلمان ومن لفَّ لفَّهم، الذين صاروا يتوسلون الدول الأخرى من خلال عقد مؤتمر مكة كي ينقذوهم مما ورطوا أنفسهم به بسبب استكبارهم وعتوِّهم.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إن كانت تلك نماذجَ من عزة عناصر محور المقاومة وإنجازاتها التي يجب شكر الله تعالى عليها، فكيف بقلب ذلك المحور وقلعتها الصامدة ومعقِلِها الراسخِ الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة سماحة ولي أمر المسلمين الإمام القائد السيد الخامنئي (دام ظله)!

نعم! إن تلك الجمهورية الإسلامية تمثل قمة حالات تطور مشروع المقاومة؛ ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم كلِّه، ويكفينا والجميعَ موقف سماحة الإمام الخامنئي (دام ظله) عندما التقى بسماحته رئيس الوزراء الياباني حاملاً رسالةً من ترامب؛ حيث قال سماحته: إن ترامب لا يستحق الرد أو حتى تلقي رسالة منه.

أي موقف أعزّ من ذلك الموقف؟ وشتّان بينه وبين المنبطحين من حكام آل سعود الذين يتلقون الإهانات تلوَ الإهانات من سيدهم الامريكي الذي يشبههم بالبقر الحلوب، وهم ساكتون خانعون. وشتان بين أولئك الخانعين الأذلاء من حكام آل سعود الذين يدفعون مئات المليارات من الدولارات لشراء الاسلحة، ثم تذهب عليهم حسراتٍ بما يتلقون من صفعات سيدهم الامريكي. وبين موقف الجمهورية الاسلامية الايرانية المقاوم في مواجهة تهديدات ترامب وتخرُّصاتِه؛ فلم يكتف الإيرانيون برفع الشعارات، بل أبدوا استعدادهم للرد عملياً من خلال إسقاط طائرة تجسس أمريكية بدون طيار، والتي تعتبر فخر الصناعة العسكرية الأمريكية تكنولوجياً بما تمتلك من إمكانات فنية هائلة تتيح لها التحليق على ازتفاعات هائلة تجنباً لإسقاطها.

ولكم أن تتصوروا وَقْعَ الخبر الصاعق على الأمريكان والصهاينة وأذنابهم حين سمعوا بنبأ إسقاط تلك الطائرة من قبل القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الذين نشروا صور استهدافها، كي يرسلوا رسالةً مفادُها:” إننا نحن من أسقطنا تلك الطائرة بكامل إرادتنا وبصورة متعمدة ولن نخشى أي رد منكم. وإنّ أرضنا وسماءنا وبحرنا حرامٌ على أعدائنا. وإنّ هذه العملية رسالةٌ لمن يهمّه الأمر حول بعض ما تمتلك إيران من قدرات صاروخية وتكنولوجية. وما خفيَ أعظمُ”

نعم! إنه المشروع المقاوم الذي أوصل إيران إلى هذا المستوى من القوة والاقتدار، والذي جعل الأمريكان ينكرون نبأ استهداف الطائرة في البداية، ليبادر ترامب بحماقته المعهودة للادعاء أنها أسقِطَت عن طريق الخطأ، لكن الأمريكان بعد نشر صور الاستهداف من قبل القوات المسلحة الايرانية والحرس الثوري، اضطروا للاعتراف واللجوء للصمت. طبعاً ترامب لن يتخلى عن حماقاته وسيغرِّد تغريدةً على تويتر مهدداً ومتوعداً بالرد في الزمان والمكان المناسب.

ولكن هيهات هيهات أن يرتكب أي حماقة ضد إيران، لأنه يعلم قبل غيره أنه سيعرض قواعد بلاده العسكرية وجنوده وأساطيله في المنطقة للدمار الكامل.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم كل ما تمتلك من قدرات عسكرية وصاروخية فائقة الدقة، لن تبادر للاعتداء على أحد، كما ذكر سماحة إمامنا القائد، ولكنها سترد الصاعَ عشرةً ومائةً وألفاً في حال تجرأ أيُ أحد على ارتكاب مثل تلك الحماقة.

وإن إسقاط طائرة التجسس الأمريكية يعني أن كل القدرات العسكرية الجوية الأمريكية باتت تحت مرمى الدفاعات الجوية الإيرانية، وليس لها القدرة على الاقتراب من حدود إيران وسواحلها.

كما أنها رسالة واضحة على أن إيران ترد على التهديد بالتهديد على  قاعدة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) “رد الحجر من حيث أتى، فإن الشر لايدفعه إلا الشر)).

ختاماً، أقول: “إن التطورات المتسارعة الأخيرة أكبر دليل على انقلاب موازين القوى في المنطقة لصالح محور المقاومة. وإن ما بشر به إمامنا القائد بقرب أفول أمريكا وزوال إسرائيل وأداء صلاة المقاومة جماعةً في القدس بعد الانتصار النهائي قادم لا ريب فيه، وعداً من الله تعالى غيرَ مكذوبٍ. وما النصر إلا من عند الله القوي العزيز”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*