خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 24 شوال 1440 هـ

24 شوال 1440

الموضوع: ثقافة العمل والسعي في مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الخطبة الأولى:

عَشِيَّةَ ذكرى استشهاد سادسِ أئمّةِ الهُدى سيّدِنا ومولانا جعفرَ بنِ محمد الصادق (عليه السلام)، نتقدّم بأحرّ مَشاعِرِ العَزاء من صاحب العصر والزمان الإمامِ الحجة (عج) وعمّتِه صاحبةِ هذا المقامِ الطاهر السيدةِ زينبَ الكبرى (سلام الله عليها)، ثم من مراجع التقليد العظام، لا سيّما سماحة سيدِنا الإمام الخامنئيّ (دام ظله)، ومن الأمة الإسلامية جمعاءَ، لا سيّما أتباعِ مدرسةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) الذين يتشرّفون بحمل اسمه جعفريّةً حتى يومنا هذا. فعظّم الله أجورنا وأجوركم بهذا المصابِ الجَلَلِ.

عبادَ الله، في مثل هذه المناسباتِ يَتَبارَى الخطباءُ والمحاضِرون لتسليطِ الضوءِ على جوانِبَ من سيرةِ شيخِ الأئمةِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام)؛ كلٌّ من زاويتِهِ الخاصّةِ، مع اعترافِهم سَلَفاً بالعجزِ والتقصيرِ عن الإحاطةِ بالنَّزْرِ اليَسيرِ من عَظَمةِ شخصيّتِه، ولكنْ لسانُ حالِهِمْ يقول:

أَتَتْ سليمانَ يومَ العَرْضِ قُبَّرةٌ……….تُهْدِي إليهِ جَراداً كان في فِيها

وأَنْشَدَتْ بِلِسانِ الحالِ قائلةً……….إنَّ الهدايا على مِقدارِ مُهْدِيها

لو كان يُهْدَى إلى الإنسانِ قيمتُه……….لَكانَ قيمتَكَ الدنيا وما فيها

فوجدْتُ أنّ أركِّزَ في هذه الخُطبةِ على بُعْدٍ، قَلَّما يُتَطَرَّقُ إليه، في حياةِ الإمامِ الصادق (عليه السلام)؛ أَلا وهو “ثقافةُ العملِ والسعيِ” في مدرستِهِ الخالدةِ سلوكاً وعملاً وتوجيهاً. إذ ممّا يؤسَفُ له أنّ هناك فكرةً خاطئةً سائدةً بين كثيرٍ من الناس، تصوِّرُ المعصومين الأطهارَ (عليهم السلام) وكأنّهم كانوا يعيشون في بُروجٍ عاجِيّةٍ بعيداً عن قضايا المجتمع وشؤونِهِم وشُجونِهِم، مع أنّ الواقعَ يحكي خِلافَ ذلك. فقد كانوا (عليهم السلام) التجسيدَ العمليَّ لتعاليمِ الإسلامِ المحمديِّ الأصيلِ الذي حثَّ على التوازنِ في التعامل مع حاجات الروح والجسد، بما يوافق الفطرةَ السليمةَ؛ فقد رُوِيَ عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) “أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَهُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ، حَتَّى تَرَكَ النِّسَاءَ، وَالطَّعَامَ الطَّيِّبَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ تَعْظِيماً لِلَّهِ؟! فَقَالَ ( عليه السَّلام ): ” أَمَّا قَوْلُكَ فِي تَرْكِ النِّسَاءِ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مِنْهُنَّ .وَأَمَّا قَوْلُكَ فِي تَرْكِ الطَّعَامِ الطِّيبِ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله) يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَالْعَسَلَ .وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّهُ دَخَلَهُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِنَّمَا الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ، وَمَنْ ذَا يَكُونُ أَخْشَعَ وَأَخْوَفَ لِلَّهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، فَمَا كَانَ يَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾”  (مستدرك وسائل الشيعة، ج14، ص215).

عبادَ الله! لقد أكَّد الإسلام على العمل والسعي الحلالِ سبيلاً لحفظِ كرامةِ الإنسانِ من ذُلِّ السؤال ووسيلةً مهمّةً لبناءِ شخصيّتِه، حتى جعلَ له من الأجر والمَثوبةِ ما لا يمكنُ وصفُهُ؛ فقال رسول الله (ص): ” الکادُّ علی عياله کالمجاهد في سبيل الله” (تحرير الأحكام، ج2، ص247)، وكأنّهما يقفان في خندقٍ واحدٍ؛ أحدُهما يدافعُ عن الحدود الخارجيّة في مواجهة الأعداء، والآخَرُ يُحَصِّن النسيجَ المجتمعيَّ الداخلِيَّ من تغلغُلِ الأعداء ونفوذِهم. ما دعا القرآنَ الكريمَ لجعل العمل والسعي الاقتصاديِّ جزءاً لا يتجزّأُ من برنامج واجباتِ الحياة اليوميّة التي ينبغي أن تؤدّى؛ شأنُها كالفرائض العباديّةِ، ألا تسمعون نداءَ ربِّكم في سورة الجمعة إذ يقول: Pفَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَO (سورة الجمعة، الآية 10).

وفي هذه الآية تأكيدٌ على أهميّة إعطاء كلِّ جانبٍ من الحياةِ حقَّه دونَ شَطَطٍ، وذلك وِفْقَ برنامجٍ دقيقٍ؛ فقد روي عنه (ص) أنه قال: ” إن عيسی بن مريم قال: خَلَق النهارَ لتؤدِّيّ فيه الصلاةَ المفروضةَ التي عنها تُسأَل وبها تُحاسَب، وبَرَّ والديك، وأن تضربَ في الأرض تبتغي المعيشةَ؛ معيشةَ يومِك”.  (بحار الأنوار، ج58، ص207).

وقد بالغَ إمامُنا الصادقُ (عليه السلام) في ذمِّ البطّالين الذين لا هَمَّ لهم سوى ملءِ بطونهم وإهدارِ أوقاتِهم في اللّهو واللّعب، حتى دعاهم لمقارنة أنفسهم بأصغر الحشرات حجماً وأكثرها نشاطاً؛ عسى أن يدفعَهم ذلك الوصفُ للعودة عمّا هم عليه خجلاً؛ يقول الصادق (عليه السلام):  ” أَيعجَزُ أحدُکم أن يکونَ مثل النملة؟ فإنَّ النملةَ تجرُّ إلی جحرها” (الكافي، ج5، ص79).

ثمّ، ألا يدعونا ذلك للتساؤل عن الحكمة وراءَ تأكيد الإسلام على السعي والعمل ورفضِ الكسلِ والبطالة؟ يمكن الإجابةُ عن ذلك بما يلي:

– إنّ العمل والسعيَ يصون المجتمعَ من التلوّث بالمعاصي- وفي الحدِّ الأدنى يقلِّلُ من نِسَبِها- لِما لهما من دورٍ في تفريغِ الطاقاتِ السلبيةِ في ما هو مفيدٌ ومنتِجٌ، لا ما هو ضارٌّ ومُضِرٌّ.

– إنّ المجتمعَ الدؤوبَ خطوةٌ أولى نحو خلقِ مجتمعٍ منتجٍ يعتمد على ذاته، وإلا فسيبقى مجتمعاً استهلاكياً يمدُّ يد الحاجة للآخرين.

– إنّ المجتمعَ الدؤوبَ العاملَ عاملٌ أساسٌ للقضاء على الفقر والحاجة، ما يمهِّدُ للتقدّم نحو تحقيق الغنى الاجتماعيِّ الذي يُعَدُّ بحدِّ ذاته قيمةً كبرى.

– إنّ المجتمع الدؤوبَ الذي يعتمدُ على جهده وتعبه يخفِّف الأعباءَ الماليّةَ عن خزينة الدولة وبيت المال، ما يسمح للدولة بالاهتمام ببرامجها التنمويّة.

وما بعث الله نبياً إلا وعلّمه صنعةً وحِرفةً يؤمِّنُ بها حاجاتِه الأساسيّةَ كي يتفرَّغَ مرتاحاً لأداء رسالته الإلهيةِ بهداية البشر أسوةً وقدوةً للمجتمع؛ فقد روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال: ” أوحى الله عز وجل إلى داود ( عليه السلام ) أنك نعم العبد؛ لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً، قال: فبكى داود ( عليه السلام ) أربعين صباحاً. فأوحى الله عز وجل إلى الحديد أن: لِنْ لعبدي داود. فألانَ الله عز وجل له الحديد؛ فكان يعمل كلَّ يومٍ دِرعاً، فيبيعها بألف درهم. فعمل ثلاثمائة وستين درعاً، فباعها بثلاثمائة وستين ألفاً. واستغنى عن بيت المال” (الكافي، ج5، ص74).

وهنا، ينبغي أن أشير إلى نقطةٍ هامّةٍ، تَهُمُّ الجميعَ ولا سيّما أبنائي الشباب:

إنّ الإنسانَ الناجحَ لا ينتظرُ حتى تتحسّنَ الظروفُ كي يعثرَ على فرصة العمل التي تناسبه ومستواه الدراسيَّ والاجتماعيَّ، بل يبادرُ في أقسى الظروف للتفكير فيما ينبغي عليه أن يعملَ حلالاً يقي نفسَه ذُلَّ السؤال ويحافظُ على كرامته. وحينما يخطو تلك الخطوةَ الأولى، فليعلمْ أنَّ الله تعالى سيفتح له من أبواب الخير والرزق ما لم يكن يخطرُ بباله. كما لا يفوتني في هذا الإطار أن أدعو أبناءَ المجتمع جميعاً، لا سيّما في هذا البلد الصامد الذي خرج منتصراً من حربٍ كونيةٍ ظالمةٍ شُنَّت عليه، كي يرفضوا ما يُدعى بثقافة “العيب” في التعامل مع بعض المِهَن. فطالما أنّ العمل حلال فهو شرفٌ ما بعدَه شرفٌ، فضلاً عن أنه جهادٌ لا يقلُّ إن لم يكن يزيد أجراً على جهادكم العسكريِّ لأنّ الحرب الاقتصاديةَ أشرسُ وأصعبُ. وقد روي في الحديث:

“إنّ رجلاً أتى أبا عبد الله ( عليه السلام ) فقال: إني لا أحسن أن أعمل عملاً بيدي، ولا أحسن أن أتجر وأنا مُحارَفٌ محتاجٌ.

فقال: اعمل؛ فاحمل على رأسك واستغن عن الناس، فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد حمل حجراً على عاتقه فوضعه في حائطٍ له من حيطانه. وإنّ الحجر لفي مكانه ولا يدرى كم عمقه إلا أنه ثَمَّ [ بمعجزته ]” (الكافي، ج5، ص76).

لم يكتفِ إمامُنا الصادق (عليه السلام) بإصدار التوجيهات فيما يخصُّ العمل والكَدَّ والسعيَ فحسبُ، بل جسَّدَ ذلك عملياً رغم كثرةِ انشغالاته العلمية تدريساً ومناظرةً وتأهيلاً للكوادر وإرشاداً ونشراً للعلوم المحمدية الأصيلة؛ فقد روي عن أحد أصحابه قال: رأيتُ أبا عبد الله ( عليه السلام ) وبيده مسحاة وعليه إزارٌ غليظ يعمل في بستان له، والعرق يتصبّب منه، فقلت: جُعلت فداك! أعطني المسحاة أكفِك العمل. فقال لي: إني أحبّ أن يتأذّى الرجل بحرّ الشمس في طلب المعيشة.

فما أحوجَنا- عبادَ الله- لمثل تلك الثقافة التي تساهم في بناء الأوطان وتقدمها. وسلام الله على صاحب الذكرى الأليمة الإمام الصادق (عليه السلام) يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

الخطبة الثانية:

لا زال العدوُّ الاستكباريُّ الصهيونيُّ وأذنابُه يخرجُ علينا كلَّ يومٍ بصِنفٍ نَتِنٍ من ممارساتِهِ العَنجَهيّةِ، التي شهدْنا خلال الأسبوعِ الفائتِ اثنتين منها، تَنِمّانِ عن حقدٍ متأصِّلٍ تجاهَ الشعوب الإسلاميةِ ومقدَّساتِها، كما تعكِسانِ حالةً من الغباءِ والحُمْقِ غيرَ مسبوقةٍ بمثلِ هذا الوضوح. وسأستعرض في هذه الخطبة ما جرى توصيفاً لأستخلِص تداعياتِها تحليلاً ونتيجةً، عملاً بواجبي الشرعيِّ خطيباً للجمعة في بيان قضايا الساعة ممّا يهمُّ مصلحةَ الأمة الإسلامية ويدرأ عنها المفاسد.

أما الحادثةُ الأولى؛ فهي ما يُدعى بمؤتمر البحرين الاقتصادي، والشعب البحرينيُّ منه بريءٌ. ذلك المؤتمرُ الذي وُلِدَ ميتاً قبل أن يبدأ أعمالَه، لأنّه بُنِيَ على باطلٍ. وكيف لا يكون على باطل، وقد شارك في تنظيمه ودعمه كلُّ الجهاتِ التي لا تُكِنُّ للشعب الفلسطينيِّ إلا العداءَ فقط، بينما تتجاهرُ بكلِّ وقاحةٍ بوقوفها إلى جانب الكيان الصهيونيِّ. فهل يَصلُحُ مثلُ هذا المؤتمر كي يكون لصالح القضية الفلسطينية، وقد تآمر منظِّموها لسبعة عقودٍ من الزمن عليها؟ بل كيف نتوقّع منهم التفكير في إيجاد حلولٍ اقتصاديةٍ للفلسطينيين واللاجئين منهم، وهم أهمُّ عوامل مأساتِهم؟

لقد اقترحوا في مؤتمرهم المشؤوم مساعداتٍ ماليةً بالمليارات لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من خلال إعادة توطينهم في بلدان أخرى أو بناء مساكنَ لهم على حَدِّ زعمهم حتى يتحقق السلام المزعوم بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني! وكأنّ القضية الفلسطينية- التي سالَت أغلى الدماء في سبيلها ودونَ الدفاعِ عن كلِّ حبّة ترابٍ فيها- سِلعةٌ تُباعُ وتُشتَرى في أسواقِ النِّخاسَةِ.

وهنا، أخاطب أولئك المنبطحين الخانعين الذين يقفون وراء ذلك المؤتمر:

“لقد أعمى الذلُّ قلوبَكم، وطمسَ المالُ عقولَكم، وأطارَ الخوفُ من سيدكم الصهيوأمريكي ورقةَ التوتِ التي كانت بالكادِ تستُرُ عوراتِكم، حتى ظننتم أنّ بيعَ الشرف والكرامة الذي تعوَّدْتُم عليه، يمكن تطبيقه على الشعب الفلسطيني. فإمّا أنّكم غافلون عن حقيقة الشعب الفلسطيني ومقاومته, وتلك مصيبةٌ. أو أنّكم متغافلون عنها، والمصيبةُ في هذه الحالة أدهى وأعظم.

كنا في السابق، نستشهد بالمثل العربيِّ (الأرض هي العِرضُ). وما ظننّا أن ينبريَ من يدّعي انتسابَه للعروبة كي يعرِض الأرضَ والعِرضَ للبيع. وأيُّ أرضٍ؟ أرضٌ تُعَدُّ وقفاً إسلامياً مسيحياً وإنسانياً مقدَّساً لا يحقُّ لأيٍّ كانَ أن يتنازلَ عن ذرة ترابٍ منها إلى يوم القيامة. أما العِرضُ؛ فلا نستغرِبُ أن تَصدُر تلك المبادرةُ الخبيثةُ من جهاتٍ تعوَّدَت الإهاناتِ والتقريعاتِ من سيّدها الأمريكيِّ رغمَ مئاتِ الملياراتِ التي تدفعها له.

إنّ في الصدر كلاماً كثيراً لا يتّسِعُ له المجالُ، ولكن في كلمةٍ واحدة: لقد خسئتم- يا من اجتمعتم في مؤتمر البحرين- ولن تتحقق أمانيكم، وستذهب أحلامُكم ومشاريعُكم الشريرةُ أدراجَ الرياح، كما ذهبت أمثالُها تحت ضربات أبناء المقاومة الفلسطينية. واعلموا- وليعلم الجميع- بأنّ الشعب الفلسطينيَّ الحيَّ المقاومَ متشبِّثٌ بقضيته وقادرٌ على تمييز العدو من الصديق. وعند الشدائد يقف صفاً واحداً دفاعاً عن قضيته متناسياً كلَّ خلافاته، وهو ما شهدناه خلال المؤتمر”.

أما الحَدَثُ الآخَرُ الذي يشهدُ على مدى الحماقة والحقد الذي بلغته الإدارة الأمريكيةُ الترامبيةُ، فَتَمَثَّل باستخدام سلاحه الصَّدِئِ المسمَّى بالعقوبات ليستهدفَ أعَزَّ وأعلى مقامٍ إسلاميٍّ مقدّسٍ لدى مليارات المسلمين ألا وهو المرجعيةُ الدينيةُ المتمثلة بسماحة ولي أمر المسلمين المرجع الديني آية الله العظمى الإمام الخامنئي (دام ظله)؛ وكفانا والمسلمين وأحرارَ العالم بذكر هذا الاسم شرفاً وفخراً وعزاً.

حقيقةً، لا أدري ماذا أقول. إنّ قرار ترامب الأخيرَ وتصريحَه باسم سماحة الإمامِ القائدِ فيه، لم يَدَعْ مجالاً للشكِّ لديَّ ولا لدى كلِّ شخصٍ عاقلٍ في أنّ ترامب ليس أحمقَ فحسبُ، بل ضربَ الأرقام القياسيةَ في الغباء والسفاهة. وينبغي عرضُهُ على أطباءَ ومعالجين متخصصين قبل أن تستفحلَ حالتُه. والمشكلةُ أنّ السلطة بيد أحمقَ مثلَه كالسكين بيد مجنون.

لذا، فإنّ كلمتي لن تكون موجَّهةً لترامب، بل هي لمستشاريه ومن حولَه إن كانوا عقلاءَ، وأقول: “هل تعلمون معنى مرجع تقليد المسلمين وقائدهم ووليِّ أمرهم؟ أصلاً هل هناك قوةٌ في العالم تستطيع أن تستهدفَ مقام المرجعيةِ التي تتبعها المليارات من المسلمين؟

إن كنتم تعلمون فتلك مصيبةٌ. وإن كنتم لا تعلمون فالمصيبةُ أعظمُ. وعليكم المسارعةَ في هذه الحالةِ لقراءة تاريخ الإسلام والتشيّع إن كنتم تعقلون. لعلكم تطالعون سيرة الميرزا الشيرازي الذي استطاع بفتوىً منه حول تحريم التنباك ومن منزله المتواضع في العراق فرض عقوباتٍ على أكبر استعمار حديث كبريطانيا حتى التزم بالفتوى أقربُ المقرَّبين للشاه القاجاري من نسائه وحواشيه.

كما أوصيكم- يا مستشاري ترامب الأحمق- أن ترجعوا إلى فتوى الإمام الخميني (رض) بحق سلمان رشدي بعد تعرضه للرسول والقرآن بالإهانة، وما تركت من آثار عالمية جعلَت بريطانيا في موقع المحاصَر.

كما أدعوكم لفهم معنى المرجعية وشروط القيادة لدى أتباع مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)؛ إذ إنّ من أهمِّ شروطها أن يكون زاهداً في الدنيا مُعرِضاً عن زخارِفِها، وإلا لم يَحِقَّ له ذلك. واللهِ! لو تكلَّمتُ عن زهده وبساطة عيشه وورعه وتقواه، لجعلْتم منه قِدّيساً.

ولكن يكفيكم ما ترون من ملابسَ بسيطةٍ يرتديها وفرشٍ قديمٍ في منزله المتواضع وهو قائد الأمة الإسلامية، لم يلتق به أحدٌ إلا وتذكَّر قول جده علي (عليه السلام) حين قال: ” إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى””.

نعم! إنّ ثروة مرجعنا وقائدنا هي قلوب المليارات في العالم والتي تهفو إليه محبةً وعشقاً واستعداداً لبذل الأرواح والأنفس دونه ومكانتِه من أي سوء وتعدٍّ.

فيا أيها الأعداءُ الحمقى! أعيدوا حساباتِكم، قبل أن تدورَ بكم الدوائرُ، وتندموا على ما أقدمتم، ولاتَ حين مَندَمٍ!

لقد أردتم من خلال قراركم الأحمق أن تمنعوا الشعب الإيراني وشعوب محور المقاومة من رفع أصواتهم باللعنة عليكم. ولكن خسئتم. فمن هنا ومن جوار مقام بطلة كربلاء ستهدر حناجرُ الزوار ومعها مليارات الأحرار من إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وفلسطين وأفغانستان وباكستان ونيجيريا وحتى فنزويلا، وبأعلى صوتها تردد شعارها الخالدَ الأبديَّ وبقبضاتها المرفوعة بمختلف مذاهبها وانتماءاتها وأعراقها ولغاتها وبلدانها: “الموت لأمريكا.. الموت لأمريكا”.

وإنّ تلك الشعوب الوفيةَ لن تنسى مواقف إمامها القائد الخامنئي (دام ظله) في الدفاع عن المظلومين والأحرار والمستضعفين، وهي تنادي بأعلى أصواتها: “لبيك ياخامنئي… لبيك يا خامنئي”

وسيبقى إمامنا الخامنئي (دام ظله) شوكةً في حلوق أعدائه يُحبِطُ مؤامراتِهم ويبشِّر بأفولهم ويعد بتحقّق الوعد الإلهي بالنصر الآتي؛ إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.

وختاماً نذكر شيئاً من مصيبة استشهاد إمامنا الصادق (عليه السلام)، مصداقاً لقوله (عليه السلام) عن شيعته “يحزنون لحزننا”:

عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمرَ ، قَالَ :وَجَّهَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ ـ وهُوَ والِيهِ عَلَى الْحَرَمَيْنِ : أَنْ أَحْرِقْ عَلى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ دَارَهُ ، فَأَلْقَى النَّارَ فِي دَارِ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه‌السلام) ، فَأَخَذَتِ النَّارُ فِي الْبَابِ وَالدِّهْلِيزِ ، فَخَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه ‌السلام) يَتَخَطَّى النَّارَ ويَمْشِي فِيهَا ، ويَقُولُ : « أَنَا ابْنُ أَعْرَاقِ الثَّرى، أَنَا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ‌ خَلِيلِ اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (الكافي، ج1، ص473).

يقول بعض أرباب المقاتل: “إنه لمّا كان الغد، دخل عليه بعض شيعته فوجدوه حزيناً باكياً، فقالوا له “ممّن هذا التأثر والبكاء, أمِنْ جرأة القوم عليكم أهل البيت وليس منهم بأوّل مرة ؟”، فقال الإمام (عليه السّلام) : لا، ولكن لمّا أخذت النار ما في الدهليز, نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن في صحن الدار من حجرة إلى حجرة، ومن مكان إلى مكان هذا وأنا معهن في الدار، فتذكّرت روع عيال جدّي الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء لمّا هجم القوم عليهنَّ، ومناديهم ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين “.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*