خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 2 ذوالقعدة 1440 هـ

2 ذوالقعدة 1440.

الموضوع: قبسات من خصال السيّدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها)

الخطبة الأولى:

يَهِلُّ علينا شهرُ ذي القعدة مزيِّناً غُرَّتَه بمناسبةٍ عزيزةٍ على قلوب أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعِ مدرستهم الخالدة؛ أَلا وهي ذكرى ولادة كريمةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) السيدةِ فاطمةَ المعصومةِ (سلام الله عليها). فنباركُ لكم جميعاً حلولَ هذه المناسبةِ السعيدةِ، وكلَّ عامٍ وأنتم بخير.

يَحَارُ الإنسانُ كيفَ وأَنَّى يبدأُ الحديثَ حول صاحبةِ الذكرى وعَظَمَتِها! إذ كفاها شرفاً وفخراً أن تكونَ بنتَ الإمام الكاظم (عليه السلام) وأخت الإمام الرضا (عليه السلام) من أمٍّ واحدةٍ؛ فضلاً عن أنّها عمَّةُ الإمامِ الجواد (عليه السلام)، حتى عَدَّها بعضُ أربابِ السِّيَرِ والتاريخ كالشيخِ عبّاسِ القمّي وصاحبِ قاموس الرجال من أفضلِ أبناءِ الإمامِ السابعِ بعدَ شقيقِها الإمامِ الثامن علماً وتُقىً وعبادةً ووَرَعاً، ولا أَدَلَّ على عُلُوِّ مَقامِها عند الله ما نصَّ عليه الإمامُ الرضا (عليه السلام) في زيارتها بالقول: 

“يا فاطمة اشفعي لي فی الجنة. فإنّ لكِ عند الله شأناً من الشأن”، وكيف لا تنالُ تلك المكانةَ الرفيعةَ، وقد حازَت المَجدَ من ناحيةِ الأبِ والأمِّ معاً! أمّا الأبُ؛ فيُغنينا عن التفصيل أنّه الإمامُ الكاظمُ (عليه السلام).

أمّا الأمُّ؛ فهي السيدة ” تُكْتَم”، وكانت من أفضل النساء في عقلها و دينها، مواظِبةً على عبادتها وعبوديّتها لله، لم تَكن تَغفَلُ حتى عن أصغرِ شؤونها الروحيّةِ والمعنويّةِ مستحبّاتٍ وذكراً؛ وممّا يدُلُّ على شدّة حرصها على عبادتها و انقطاعها إلى ربها، أنها لمّا ولَدَت الإمام الرضا (عليه السلام) قالت: أعينوني بمُرضعة. فقيل لها: أَنَقصَ الدَّرُّ؟ -أي نقص لبن الرضاع- قالت: ما أكذب. ما نقص الدّر، و لكن عَلّيَ ورِدٌ من صلاتي وتسبيحي و قد نقص منذ ولَدْتُ ، (عيون أخبار الرضا ، ج1،ص 15).

والوِرد: العمل المندوب والمستحبّ، مقابل الواجب، والجمع: أوراد .

نعم! إنّ السيّدةَ فاطمةَ المعصومةَ (سلام الله عليها) من النساء اللّاتي يمكن أن نُطلِقَ عليها “تاليَ تِلْوِ المعصومِ”، والتي كانت من أقربِ الناس إلى شقيقها الإمامِ الرضا (عليه السلام) الذي منحها لقبَ “المعصومة”؛ فعنه (عليه السلام): “من زار المعصومةَ بقم کمن زارني” (ناسخ التواريخ، ج3، ص68).

وهي عبارةٌ منصوصةٌ عن إمامٍ معصومٍ بحقِّها؛ نَدَرَ أن يُنْقَلَ مثلُها بحقِّ غيرِها من أبناء المعصومين (عليه السلام)، ما يدُلُّ على عِظَمِ شأنها الذي تَجلّى في سفرتِها المباركةِ التي استقرَّ بها المَطافُ في مدينة قم، لتتحوّلَ ببركتها إلى مركزِ إشعاعٍ علميٍّ وحضاريٍّ وروحيٍّ ومعنويٍّ رحِماً كريمةً لتخريجِ كبار العلماء ومَراجِعِ التقليد، بِشارةً سَبَقَ للإمامِ الصادقِ (عليه السلام) أن أطلَقَها قبل ولادةِ السيدةِ المعصومةِ (سلام الله عليها)؛ فعن الحسن بن محمد بن الحسن القمي في تاريخ قم: روى عدة من أهل الري، أنهم دخلوا على أبي عبد الله (عليه السلام) وقالوا: نحن من أهل الري. فقال ( عليه السلام): مرحباً بإخواننا من أهل قم. فقالوا: نحن من أهل الري. فأعاد (عليه السلام) الكلام. قالوا ذلك مراراً، وأجابهم بمثل ما أجاب به أولاً، فقال: “إنّ لله حرماً وهو مكة. وإنّ للرسول (صلى الله عليه وآله) حرماً وهو المدينة. وإنّ لأمير المؤمنين (عليه السلام) حرماً وهو الكوفة. وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم.  وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة”. (بحار الأنوار، ج99، ص266)  قال الراوي: وكان هذا الكلام منه (عليه السلام) قبل أن يولد الكاظم (عليه السلام).

فما أعظَمَ مكانةَ صاحبةِ الذكرى؛ أنْ تمنحَ بقعةً من البركةِ والخيرِ حتى تتجاوزَ حدودَها الجغرافيّةَ مُتَّسِعةً بأبعادِ عظمةِ أهل البيت (عليه السلام) جنّةً عرضُها السماواتُ والأرضُ أُعِدَّت لمن عرفها حقَّ معرفتِها.

فلا نستغرِبُ بعد ذلك ما ورد في فضل زيارتها؛ فقد روى الصدوق في ثواب الأعمال والعيون أيضاً بإسناده، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن فاطمة بنت موسى بن جعفر (عليه السلام)، فقال: “من زارها فله الجنة”.  (عيون أخبار الرضا، ج2، ص267).

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة و الأخوات، ونحن نعيشُ أيّامَ عشرةِ الكرامةِ التي تفصل بين ذكرى ولادَةِ السيدة المعصومةِ (سلام الله عليها) في غرّة هذا الشهر، وولادةِ شقيقِها الإمامِ الرضا (عليه السلام) في العاشر منه، لا بدّ لنا من استثمار هذه الفرصةِ الإلهيّةِ المباركةِ ارتقاءً بمستوى ثقافتِنا الدينيّةِ والأخلاقيّة فرديّاً واجتماعيّاً كي نكونَ على مستوى المناسبةِ أتباعاً حقيقيّينَ لمدرسة أهل البيت (عليه السلام) سعياً وسلوكاً وعملاً بالتعرّض لتلك النفحاتِ الربّانيّةِ تزوُّداً بالمعارفِ الروحيّةِ والمعنويّةِ.

أيّها المؤمنون والمؤمناتُ، في مثل هذه المناسباتِ، أودُّ أن أوجِّه كلمتَين؛ الأولى لكافّةِ مُحِبّي أهل البيت (عليه السلام)، ولا سيّما زوّار مقام السيدة زينبَ الكبرى (سلام الله عليها). والثانية لأهالي منطقة المقام، سيّما مجاوريه.

أمّا في الأولى، فأقول: “اعلموا أنّ السيّدة زينبَ (سلام الله عليها) ليست حِكراً بفئةٍ بعينِها من أتباع أهل البيت (عليه السلام)، بل هي شخصيّةٌ عالميّةٌ عابرةٌ للمذاهب والأديان، تهفو لها قلوبُ الإنسانيّة جمعاءَ من مختلَفِ أرجاءِ البسيطةِ إن عرفوها حقَّ معرفتِها. فاللهَ! اللهَ! في أداء حقِّها في الزيارة معرفةً وعِرفاناً، فإنّكم بمثل تلك الزيارةِ تزدادون من مَقام المَزورِ قرباً وتتخلَّقون بأخلاقه سلوكاً وعملاً، فترتقون بذلك مكانةً ودرجاتٍ”.

أيّها الزوّارُ الكِرامُ، لقد تجسّدَ ما ذكرتُ عمليّاً؛ حين تحوَّلت المعرفةُ الحقيقيّةُ بمقام السيدة زينب (سلام الله عليها) إلى طاقةٍ عظمى استقطبَت خِيرةَ الشبابِ والكُهولِ دفاعاً وتضحيةً وفداءً واستشهاداً دون حَرَمِها وحُرمتِها. ألا يستدعي ذلك من الزوّار أن يهتمّوا بمختلَف جوانب سيرة هذه السيدة العظيمة وأبعادِ حياتها التي دفعَت تلك الثلّةَ من الشهداء المدافعين عن الحرم كي يدفعوا دماءهم وأرواحَهم صوناً لمقامها الطاهر من أن يُدَنَّس؟

وإنّ الدفاعَ عن حرم هذه السيدة (سلام الله عليها)- في هذه المرحلة- يتطلَّبُ الوفاء لدماء الشهداء بحفظ نهج المقاومة ونشر ثقافة الدفاع عن المقدّسات التي تقوم على العزّة والكرامةِ والتضحية والفداء، ورواية فصولِ ملحمة النصر الإلهيّ على زمر التكفيريّين الحاقدة لأهلكم وجيرانكم ومجتمعكم.

أيها الزوار الكرامُ، إنّ أمانةَ الشهداء الغاليةَ في أعناقكم، فصونوها من التشويه والتحريف. واعلموا أنّكم مسؤولون أمام الله تِجاهَها؛ فراقِبوا تصرُّفاتِكم وسلوكيّاتِكم وأنتم في حرم تلك السيدة الجليلة. وإياكم وما يخالِف آدابَ الزيارة من تصرّفاتٍ خرافيّةٍ لا أساسَ لها من قبيل تعليق الأقفال وأمثالها على شبّاك الضريح وقيامِ البعضِ بالزحف على بطونهم أمام الملأ بما لا يقبله عقلٌ أو وردَ فيه نصٌّ من المعصومين (عليه السلام). فالزيارة تجسيدٌ لمواقف العزّة والكرامة الزينبيّة، لا تشويهٌ لها. كما أنّ الزيارةَ مدرسةٌ لها أصولُها التي ينبغي معرفتُها والعملُ بها.

أمّا كلمتي الثانيةُ؛ فهي موجَّهةٌ لأهالي المنطقة ومجاوري المقام الطاهر:

لقد شرَّفكم الله بفخر استضافة الزوّار، فكونوا أهلاً لهذا الشرف حتى تنالوا الكرامة الزينبيّةَ بالقبول خُدّاماً لزوّارها، ولتلك الاستضافة شروطٌ يجب أداؤها على أحسنِ وجهٍ؛ أهمُّها:

– احترام الزوّار جميعاً؛ فإنّ تكريمهم من تكريم صاحبة المقام التي لا ترضى بأدنى إهانةٍ لزوّارها.

– التحلّي بآداب الاستضافة عشقاً ومحبّةً حتى يلمسَها الزائرُ سلوكاً ومعاملةً. وكم يَحُزُّ في النفس أن نرى مظاهرَ سيِّئةً لا تناسب المقامَ لا سيّما ظاهرةَ التكدّي والاستعطاء في الحرم وأطرافه من قِبَلِ قلّةٍ قليلةٍ لا تراعي شرفَ المكان، ما يدعونا للتصدّي لها من باب النصيحة والإرشاد.

–  تهيئة أفضل الشروط لراحة الزوّار، من خلال توفير بيئةٍ نظيفةٍ تجعل الزائر يخرج بانطباعٍ حَسَنٍ عن الاستضافة والمُستضيفين. وهنا، نعبِّر عن أسفنا الشديد لغياب أو ضعف النظافة حوالَي الحرم الشريف بما لا يناسب شأنَ صاحبته.

والأدهى من ذلك، أن نرى تراكُمَ القمامة في حارات المنطقة دون أن يَرِفَّ لمن يمُرُّ بها جفنٌ أو ينتابَه شعورٌ بالخجل. ممّا يدعو للأسى والإزعاج والحزن لكلّ من يهتمُّ لأمر مجاورة المقام.

لا ريب في أنّ جزءاً من المسؤوليّة تتحمّله البلديّةُ والجهاتُ المعنيّةُ بهذا الشأن، إلا أنّ القسمَ الأكبرَ منها يقع على عاتق سكان المنطقة الذين ينبغي أن تتعزّز ثقافتهم بالإحساس بالمسؤولية تجاهَ  نظافةِ منطقتهم من خلال المبادرة للعمل على نظافة المكان الذي يعيش أو يعمل فيه وتوسيع دائرة العمل حتى تشمل المنطقةَ بأسرِها. وإنّ أمثالَ هذه المبادرات لَتنعكِسُ فوائدَ مادّيّةً وصحّيةً على الجميع.

ولا بدّ لي، هنا، أن أُشيدَ بمبادرة إخوانكم المجاهدين الأبطال المدافعين عن الحرم  في القيام بالتطوّعِ في القيام بعمليات التنظيف والتجميل في المنطقة، راجياً من الله لهم القبولَ، كما أتمنى على أهالي المنطقة التعاونَ معهم في عملهم بالحفاظ على النظافة. مع أنّ مثلَ هذا الأمرِ لا يستهلك وقتاً كثيراً ممّن هو مشغولٌ بعمله، فكيف بمن يقضي أوقاتَه في ما لا ينفع.

من هنا، أَمُدُّ يدي إليكم جميعاً للمشاركة في نظافة وتنظيف المنطقة. وإنني مستعدٌّ بكلِّ فخرٍ أن أنزل بنفسي شخصياً للمساهمة في هذا النشاط الاجتماعيِّ خدمةً لعمتنا زينب (سلام الله عليها). كما أدعو أبنائي الشبابَ الأعزاء وإخواني رجالَ الدين الأكارم كي يشاركوا في هذه المبادرة الجهاديّة خطوةً أولى نحو تحويل منطقة السيدة زينب (سلام الله عليها) إلى مكانٍ يستحقّ شرف الاسم، وهو أمرٌ ممكنٌ بسهولةٍ. وكيف لا يمكن وقد تحقَّق ما هو أصعبُ منه حين استطعتم بتكاتفكم وجهادكم أن تنظّفوا المنطقة من رِجسِ التكفيريين الإرهابيين!

وإنّ الجهل والتخلّفَ والإهمال لا تقلُّ خطورةً على المنطقة من التكفير والإرهاب. وكما دفعتم الإرهابيين عن أسوار المقام، فلن تَعدِموا الوسيلةَ لإزالة الجهل والإهمال عن جوار السيدة وإحلال ثقافة الأخلاق والنظافة والاهتمام بالشأن الاجتماعيّ محلَّها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*