خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 14 ذوالحجة 1441 هـ

الجمعة 14ذوالحجة 1441.

الموضوع يوم الغدير عيد تجلّي الولاية والفضيلة

الخطبة الأولى:

على أعتاب عيدِ الغدير الأغرِّ، نتقدّم بأزكى التهاني وأسمى التبريكات من مقام مولانا صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه) وصاحبة هذا المقام الطاهر السيدةِ زينبَ الكبرى (سلام الله عليها)، ومن مراجع التقليد العظام لا سيّما سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظله)، ومنكم أيها الحضورُ الكريمُ بهذه المناسبة العظيمة. وكلّ عام وأنتم بخير.

إنّ يوم الغدير، وإن كان ظاهريّاً كسائر أيام الشهور والسنوات يحمل رقماً معيَّناً في صفحات التقويم، إلا أنّ عُمقَ الأبعادِ وسَعَةَ المفاهيمِ التي اكتنفَت حيثيّاتِه جعلَت منه أعظمَ أحداثِ التاريخ، لِما تركَ من تأثيرٍ طَبَعَ مَسارَ البشريّةِ، مانحاً حركتَها زَخَماً دائماً لصالحِ أهلِ الحقّ والحقيقة الذين تدور على مساعيهم عجلةُ الحضارة الإنسانيّةِ نحوَ السعادة والخير والفلاح. الأمرُ الذي يفرضُ التعاملَ مع هذه الحادثةِ محطّةً لإحياء التفكُّر العقلانيِّ والفكر الإلهيِّ استمراراً لمسيرة كافّة الأنبياء والأولياء وإكمالاً لمبادئ الأديانِ التوحيديّةِ. فإن أردنا إحياءَ المناسبةِ كما تستحقُّ مكانةً وشأناً، علينا الابتعادَ عن مقاربتِها كواقعةٍ تاريخيّةٍ عابرةٍ نستذكِرُها احتفالاً فحسبُ، بل يجبُ إعمالُ الفكرِ غوصاً في معانيها التي أبرزَها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته الغرّاءِ التي ألقاها فيها، ناهيكُم عن سبرِ السياقِ التاريخيِّ-الحضاريِّ الذي قادَ لهذه الواقعةِ الكبرى. 

عبادَ الله، لعلّ أبرزَ ما يلفتُ النظرَ في مصادر المسلمين لدى تناولها حادثةَ الغدير اتّفاقُها على وقوعها حقيقةً مسلَّماً بها، حتى تعاملوا معها حديثاً متواتراً أكثرَ منها حدَثاً عابراً، فصار يشارُ إليها بعنوان “حديث الغدير” لا حادثةِ الغدير، ما يدلُّ على مدى عظمة الأمرِ. وإليكم بعض تفاصيل الحديثِ من بعض المصادرِ:

أخرج أحمد بن حنبل بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال: “نزلنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) بوادٍ يقال له: وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير، قال: فخطبنا، وظُلِّل لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال رسول اللّه: “ألستم تعلمون؟ ألستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟” قالوا: بلى، قال: “فمن كنت مولاه فإن علياً مولاه. اللّهم عاد من عاداه ووال من والاه”(مسند أحمد، 18838).

قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى سنة 654: اتفق علماء السير أن قصة الغدير كانت بعد رجوع رسول (صلى الله عليه وآله) من حجّة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، وكان معه من الصحابة والأعراب وممن يسكن حول مكّة والمدينة مائة وعشرون ألفاً، وهم الذين شهدوا معه حجة الوداع، وسمعوا منه: من كنت مولاه فعلي مولاه: (التذكرة، ص18).

إذَن، فليس عبَثاً القولُ: إن كان هناك عنوانٌ جامعٌ بين المسلمين يتّفقون عليه بعد الأصول العقَديّةِ، فهو حديثُ الغدير؛ الأمر الذي يبيِّنُ السببَ الذي دعا لإطلاق العيد عليه في كلام المعصومين (عليهم السلام)، بياناً لعظمته الذاتيّة في ترسيخ هويّتهم الإيمانيّة الإلهيّة؛ فعن عمار بن حريز، قال: “دخلت على أبي عبد الله  (عليه السلام) في ‏يوم الثامن عشر من ذى الحجة فوجدته صائماً. فقال لي: هذا يوم عظيم عظّم الله حرمته على المؤمنين، وأكمل لهم فيه الدين وأتمّ عليهم النعمة، وجدّد لهم ما أخذ عليهم من العهد والميثاق” (وسائل الشيعة، ج10، ص444).

 كما أنّ هذا اليومَ عيدٌ من أعظم أعياد الأمة، لشأنه في اجتماع الأمّة احتفاءً بحدَثٍ عزَّزَ هويّتها باستمرار الرسالة ضماناً لمستقبلها وحفاظاً على مبادئها؛ فعن أبي عبد الله عليه السلام قال : “… ويوم الغدير أفضل الأعياد، وهو ثامن عشر من ذي الحجة…”( وسائل الشيعة، ج10، ص443)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):  “يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي. وهو اليوم الذى أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب علماً لأمتي، يهتدون به من بعدي. وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتمّ على أمتي فيه النعمة ورضي لهم الإسلام ديناً” (أمالي الصدوق، ص76).

فعيدُ الغدير رمزُ اتحاد الأمة جمعاء، اقترنَ بها في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي كرّر في الحديث الأخير لفظَ الأمة ثلاثَ مراتٍ، ما يجعل منه أوسعَ بكثيرٍ من الأُطُرِ الطائفيةِ والخلافيّةِ الضيقةِ.

فإذا أردنا إحياءَ الغديرِ كما أراده الحبيبُ المصطفى (صلى الله عليه وآله) فعلينا إسباغَ الصبغةِ الوحدويّةِ على مراسمِها من خلال المبادرة لتعزيز حالة التواصل مع جميع إخواننا  المسلمين مع وجود بعض الخلافات العقدية بتبادل التهاني والزيارات معهم كي نُرِيَ أعداءَنا بأننا صفٌ واحدٌ في محورٍ واحدٍ نرفض كلَّ من يحاولُ اختراقَنا ببثِّ سموم الفتنة والفُرقة.

عبادَ الله، إنّ عيد الغدير هو عيد الإنسانية أيضاً، لما يحملُ من معاني التعاضد والتكافل على الخير والإيمان، والتي تتوق البشريّة لتحقيقها منذ الأزل، وجاهد الأنبياء والأولياءُ لبلوغها. الأمرُ الذي يبيِّنُ مغزى سرورهم وأهلَ السماءِ بهذه المناسبة؛ عن الصادق (عليه السلام) قال: “… هو عيد الله الأكبر، وما بعث الله نبياً إلا وتعيَّد في هذا اليوم وعرف حرمته. واسمه في السماء يوم العهد المعهود وفي الأرض يوم الميثاق المأخوذ والجمع المشهود” (وسائل الشيعة، ج10، ص443).

ومعنى تعييد الأنبياء بهذا اليوم توقُهُم لتحقُّق تلك الحادثة العظيمة وحلولِها حتى تتجسّدَ الأهدافُ التي بذلوا أغلى ما يملكون في سبيلها واستمرارِ مسيرة الهداية نحو وراثة الأرض على يد عباد الله الصالحين كي يعمروها بقيادة من يملؤها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ما يجعلنا بتمثُّلنا لمعاني الغدير منتظرين حقيقيّين للوعد الإلهيٍّ كالأنبياء والصالحين والأولياء على مدى التاريخ. ما يجعل الغديرَ عنواناً للعبادة والعبودية لله تعالى شكراً له على نعمة الولاية؛ فعن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث ( في فضل يوم الغدير) قال: “قلت: فما ينبغي لنا أن نعمل في ذلك اليوم؟ قال : “هو يوم عبادة وصلاة، وشكر لله وحمد له، وسرور لما من الله به عليكم من ولايتنا” (بحار الأنوار، ج37، ص170).

والحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة المعصومين (عليهم السلام).

أسال الله تعالى أن يوفقنا و اياكم و الأمة الاسلامية أن نكون من السائرين علي نهج رسول الله و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة المعصومين (عليهم السلام).

الخطبة الثانية:

كنت قد سلّطتُ الضوء في خطبة عيد الأضحى المبارك على مقتطفاتٍ من رسالة الإمام الخامنئيّ (دام ظله) التي وجَّهها لحجاج بيت الله الحرام هذا العام، ووعدتُكم بمزيدٍ من التفصيل حول أهمِّ ما ورد فيها في هذه الخطبة.

منذ انتصار الثورة الإسلامية المباركة، سنَّ الإمامُ الخمينيُّ (رض) بنظرته الإلهيّة العديدَ من السنن الحسنة التي لا تزال مستمرّةً حتى الآن، ومنها رسالةُ الحجِّ التي كان يوجِّهها للحجيج سنويّاً، ويُعنَى بها، حتى نُقِل عن الإمام الخامنئي (دام ظله) قولُه: “عندما اقتُرِح على الإمام (رض)قبل انتصار الثورة الاسلامية لأول مرة إعداد رسالة يوجِّهها للحجاج، أجاب (رض): لقد قمتُ بذلك وأرسلتُها”. ما يدلُّ على أهمية استثمار فرصة الحجّ لتوعية المسلمين وإطلاعِهم بما يُصلِحُ شأنهم. ولم يغفل إمامُنا الخامنئي (دام ظله) عن ذلك الأمر، مُصدِراً بيانَ حجّه السنويٍّ مترجَماً لعدّة لغاتٍ. وقد أكّد سماحتُه هذا العامَ على أهمية الحج الاستثنائية في تقريب أبناء الأمة لمواجهة أعدائها، قائلاً:

“…إن تبادل المعلومات والمعطيات بين الشعوب التي تنتمي إلی دول ومناطق متباعدة جغرافياً، ونشر الوعي والتجارب والاطلاع علی ظروف بعضهم البعض وأحوالهم، وإزالة حالات سوء الفهم، وتقريب القلوب، واختزان القدرات المتاحة لمواجهة الأعداء المشترکين، کله يشکل إنجازاً حيوياً هائلاً جداً تحققه فريضة الحج، الأمر الذي لا يمکن تحقيقه عبر مئات من المؤتمرات المعتادة الرائجة”.

من هنا، نفهم السبب الذي يدعو السلطاتِ هناك لحرمان أبناء سوريا واليمن المقاومين من أداء الحج خوفاً من اطّلاع المسلمين عن كثَبٍ على حقيقة الموقف هناك بعيداً عن التجييش والتشويه الإعلاميِّ الحاقد.

كما دعا الإمام الخامنئي (دام ظله) نخب العالم الإسلامي ومثقفيه لتحمّل مسؤولياتهم في موسم الحج لفضح مؤامرات الأعداء وتأكيد التمسك بقضايا الأمة العادلة، فقال:

” إن نخب العالم الإسلامي ـ الذين توافد بعضهم حالياً من مختلف البلدان لأداء مناسك الحج ـ يتحملون رسالة کبيرة وخطيرة. وبفضل همم هؤلاء ومبادراتهم الفاعلة ينبغي أن تُنْقَل هذه الدروس إلی جميع الشعوب وإلى الرأي العام، لتتحقق علی أيديهم عملية التبادل المعنوي للأفکار والدوافع والتجارب والمعلومات”.

وهنا، خصَّص سماحته للقضية الفلسطينية مساحةً هامّةً من البيان، قائلاً:

” تُعَدُّ قضية فلسطين اليوم من أهم قضايا العالم الإسلامي وهي تأتي في مقدمة کل القضايا السياسية المتعلقة بالمسلمين من أي مذهب أو عرق أو لغة کانوا. فقد وقع في فلسطين أکبر ظلم شهدته القرون الأخيرة… إن الخدعة المتمثلة في “صفقة القرن”، والتي يجري التمهيد لها من قبل أمريکا الظالمة وأعوانها الخونة، تشکل جريمة ليس بحق الشعب الفلسطيني فحسب وإنما بحق المجتمع البشري قاطبة. إننا ندعو الجميع إلی مشارکة فعالة لإفشال هذا الكيد والمكر المدبَّر من قبل العدو، ونری بحول الله وقوته أن هذه المؤامرة وغيرها من أحابيل جبهة الاستکبار کلها مکتوب عليها الفشل والهزيمة أمام عزيمة جبهة المقاومة وإيمانها”.

نعم! إن الحج فرصة ذهبية لاستعراض إنجازات المقاومين الأحرار من أبناء الأمة وانتصاراتهم على أعدائها، لا سيما ونحن نحتفل هذه الأيامَ بذكرى انتصار حرب تموز على يد أبطال حزب الله المؤمنين ضد العدو الصهيوني، ما ألقى الرعبَ في قلوب الصهاينة، وجعلهم يحسبون ألف مرة في مصير كيانهم المزعوم قبل التجرُّؤ على مجرَّد التفكير بالاعتداء على لبنان، لأن ذلك يعني نهايتهم للأبد.

إنه ذلك الرعبُ الذي يدفع أعداءَ الأمة لمنع رجلِ دينٍ مسلمٍ كهلٍ يعاني من الأمراض وآثار التعذيب كالشيخ الزكزكي من تلقّي العلاج المناسب، بل والتضييق عليه حتى في المشفى الذي أُرسِلَ إليه خارجَ بلده. فأين المتشدِّقون بحقوق الإنسان في الغرب من هذه الحادثة؟!

أيها المؤمنون والمؤمنات:

أمّا النقطة اللافتة في بيان الإمام الخامنئي (دام ظله) هذا العامَ، تبيينُهُ لحقيقة الاستكبار الغربي المتمثّل بالإدارة الأمريكية ومن معها، والتي تقوم على ضرب القيم الإنسانية عرضَ الحائط في سبيل تحقيق مصالحها المادية؛ حيث حذّر سماحتُه من الاغترارِ بمظاهرِ الغرب البرّاقة التي تخفي وراءها أبشعَ الجرائم وأسوأَ الشرور، مستشهِداً في هذا السياق بشركة بلاك واتر الصهيوأمريكية التي تشكِّل الوجهَ الغربيَّ لداعش الإرهابيةِ وعصابات جيش الكيان الصهيوني؛ في الترويج لأساليب القتل الوحشية وابتكار الجديد منها سعياً وراء المال.

نعم! إن خطورة مثل تلك المنظمات الإرهابية كبلاك واتر أنها بؤرة لحثالة المجتمع الغربي وغيره من عصابات القتل والإجرام والجريمة، من المعقَّدين نفسياً الذين يتلذّذون بقتل الأبرياء دون حسيبٍ أو رقيبٍ.

لذا، فإنّ تنبيه الإمام الخامنئي (دام ظله) من خطورة تلك الشركة يعتبر ناقوسَ خطرٍ للأمة كي تتوخّى الحذرَ من مجموعاتٍ عنصريةٍ غربيةٍ شريرةٍ تشكل خطراً ضد البشرية جمعاء، ولكنها تمارس نشاطاتِها بصورة قانونية معترف بها كبلاك وا تر وتتقاضى مقابلَها أموالاً طائلةً.

وما رفضُ سماحة الإمام الخامنئي (دام ظله) تلقيَ رسالةِ ترامب -ولو من يد رئيس الحكومة الياباني- إلا في سياق التعامل بشدة مع الأعداء، وكأنّ سماحتَه يقول: لقد شاهدنا وأبناءُ المنطقة والعالم مضمونَ رسالتكم النتنة عملياً من خلال جرائم جنودكم وأذنابكم بحق أبناء المنطقة، فلا داعيَ لفتحها أصلاً، فرميُها في سلة المهملات أَوْلَى.

أما أبناءُ المقاومة المؤمنون الأحرارُ؛ فالرحمة والرأفةُ والأبوّةُ هي العناوينُ التي تطبعُ لقاء الإمام الخامنئي (دام ظله) بهم، وهو ما شهدناه لدى استقبال سماحته وفداً من قياديي اليمن المقاوم، وتلقيه رسالةً من قائد المقاومة هناك؛ حيث قرأها سماحتُه بكل عنايةٍ وتقدير، موجِّهاً توصياتِه الهامَةَ في هذا الخصوص.

Pقُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌO (سورة آل عمران، الآية 26).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*