آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 6 محرم الحرام 1441 هـ

6 محرم الحرام 1441

الموضوع: الإصلاح العنصر الأساس في الثورة الحسينية

الخطبة الأولى:

لكلّ حركةٍ ثوريةٍ عناصرُها التي تميِّزها عن غيرها، ولا تَشِذُّ الثورةُ الحسينيةُ عن تلك القاعدةِ؛ وهي أعظمُ ثورةٍ خالدةٍ عرفَتها البشريةُ لِتَمَحْورِها على دين الله ونُصْرَةِ أوليائه، الأمرُ الذي يدفعُ المهتمّينَ بدراستها أفراداً ومجتمعاتٍ كي يبحثوا عن العنصر الأساسِ الذي قامت عليه، حتى يتمكنوا من استكشاف ذلك العاملِ الذي يتحكَّمُ بمسار المجتمع ويؤثِّر فيه طوال قرونٍ متمادِيةٍ. ناهيكُم عن أهمّيَّته في التعرُّف على حقيقة الثورة الحسينية واستلهامِ الدروس والعِبَرِ منها، باعتبارها مدرسةً متكاملةً للقِيَمِ الإنسانيةِ والإسلاميةِ.

وأيُّ سبيلٍ أفضلُ لذلك من الرجوع لصاحب النهضة نفسِهِ؛ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)، عبرَ كلماتِهِ وتصريحاتِه التي سلَّطَت الضوءَ على ذلك العنصرِ بكلِّ شفافيّةٍ ووضوحٍ. وَلْنستمعْ إليه في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية بالمدينة قبل توجّهه لكربلاء؛ إذ يقول (عليه السلام):

“إنِّي لَم أخرُج أشراً ولا بطراً وَلا مفسداً وَلا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في ‌أُمَّة جدّي” ()

ويفصِّلُ (عليه السلام) القولَ في كلمةٍ أخرى له، نافياً أيَّ شكلٍ من أشكال الصراع على السُّلطة أو النزوعِ لحُطام الدنيا من وراء حركته الثورية، بل وضعَ نَصْبَ عينيه إزالةَ الغبارِ المتراكمِ على معالِم الدين والعمل بالفرائض والسنن الإلهيّة؛ حيث يقول: ” وَلَکِنْ لِنَرِيَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِی بِلَادِكَ” ()

ما يُبَيِّنُ أولويّةَ إصلاحِ حالِ الأمّة والمجتمع عنصراً أساساً في الثورة الحسينية؛ الأمرُ الذي يجعل منها حِراكاً ثقافياً اجتماعياً سياسياً شاملاً يدور حول محور إصلاح شأن المجتمع على مختلف المستويات والأبعاد والمجالات في سبيل تحسين ظروفه لتحقيق الرُّقِيِّ والتقدّم الحضاريِّ والأخلاقيِّ، بعدَ أن لَمَسَ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) الحاجةَ مُلِحَّةً للقيام بأعباء تلك المسؤولية في عهد الحكم اليزيديِّ.

عبادَ الله إنّ مصطلحَ الإصلاح، الذي دعا إليه الإمامُ الحسينُ (عليه السلام)، مفهومٌ قرآنيٌّ يشكِّلُ جزءاً لا يتجزَّأُ من رسالة الأنبياء؛ حيث يقول تعالى على نبيه شعيب(عليه السلام): “ِإنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ”

فالمجتمعات التي تبتعد عن التعاليم الدينية الأصيلة، تُصابُ بآفات الانحراف والفساد التي قد تستفحِلُ لتضربَ البنى الاجتماعيةَ ممزِّقةً النسيجَ الإنسانيَّ، ما يستدعي القيام بإصلاحاتٍ جذريّةٍ تعيدُ الأمور إلى نِصابِها، وتحمي مسيرةَ البشريّة من التيه والضياعِ. فالإصلاحُ من المنظور القرآنيِّ صِنْوُ الرسالة والنبوة شمولاً؛ فهو يعالِجُ كافّةَ مَكامِنِ الخَلَلِ في المجتمع ثقافياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. ولعلّ استعراضَ مواقف الأنبياء والرسل قرآنياً يؤكِّدُ تلك الحقيقةَ؛ فهذا نبي الله صالح (عليه السلام) يعمل على إصلاح مجتمعه من خلال محاربة ظاهرة الإسراف والتبذير التي سادت عصرَه، مبيِّناً ذلك بقوله: Pوَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَQ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِی الْأَرْضِ وَلَا يصْلِحُونَO

أمّا النبيُّ موسى (عليه السلام)، فقد أوصى أخاه هارونَ (عليه السلام) بالسير على منهج الإصلاح في قومه: Pوَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِی قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَO

فالإصلاحُ القرآنيُّ-عبادَ الله- رفضٌ للواقع الفاسد وعملٌ لتغييره واستعدادٌ للتضحية في هذا السبيل؛ وهو ما جسّده الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) في ثورته قولاً وتطبيقاً. فلم ينعزل الحسينُ (عليه السلام) عن واقع عصره ومجتمعه مكتفياً بالتنظير فحسبُ، بل درس شروط مجتمعه وعاش آلامَه وآمالَه، فوجدَ الحلَّ في القيام بحركته الثورية وتقديم روحه شهيداً ثمناً لإصلاح أمته وإعادة مسارها نحو الفلاح والصلاح. وما إعلانُه (عليه السلام) عن رضاه بالعواقب التي آلَ إليها مصيرُه إلا تأكيدٌ على عُلُوِّ غاياته ونُبْلِ أهدافه التي سعى لتحقيقها بإصلاح شأن مجتمعه وإنقاذ أبنائه من الانحراف في سبيل الله، لنفهمَ في ضوء ذلك ما جاء في وصفه (عليه السلام):  “وبذل مهجته فيك، لينقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة” ()

نعم! إنّ أعظمَ درسٍ نستلهمه من الثورة الحسينية أنَّ عظماء التاريخ يستهينون بالمَصاعِبِ ويتجرَّعون الغُصصَ ويبذلون المُهَجَ في سبيل إصلاح مجتمعاتهم، ما يحقِّقُ لهم الخلودَ استمراراً في النهج ومودَّةً في القلوب. وهذه بطلة كربلاء زينبُ الكبرى (سلام الله عليها) نموذجٌ بارزٌ لأحد خِرِّيجي تلك المدرسة الحسينية، حين وقفت على جسد أخيها الحسين (عليه السلام) مخاطبةً ربَّها:  “اللهم تقبل منا هذا القربان”. فالحسين (عليه السلام) شهيد الإصلاح بمفهومه القرآني في سبيل إحياء النهج النبويّ لتحقيق سعادة البشرية نجاةً في الدنيا وفلاحاً في الآخرة.

الخطبة الثانية:

وجدنا أنّ الإصلاح في المدرسة الحسينية يحمل معانيَ الإخلاصِ والإرادة واقتران القول بالفعل والتضحية بأغلى الأثمان رفضاً للظلم ومقاومةً للجور تحقيقاً للعدالة ودفاعاً عن الحق ونشراً للحقيقة. وهو ما دعا الحسينَ (عليه السلام) للوقوف في وجه يزيدَ وإطلاقِ حركته الثورية رافضاً كلَّ المحاولات لثَنْيِهِ عن بلوغ أهدافه النبيلةِ موطِّناً نفسَهُ لبذلِ كلِّ غالٍ ونفيسٍ في هذا السبيل الذي اختار حتى وإن كان على حسابِ دمه ودماء أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه وبناته.

إنّ ذلك المفهومَ الإصلاحيَّ للثورة الحسينيةِ هو الذي حقَّقَ لها الخلودَ وجعل منها منطَلَقاً لكلِّ حركةٍ تحرُّرِيةٍ عالمياً، لِتَوْقِ كلِّ المظلومين لتحقيق مضامينِها عبرَ التاريخِ؛ الأمرُ الذي يجعل منها مدرسةً بكلِّ ما تحمله الكلمةُ من معنى، انبثقَ منها محورُ المقاومةِ الذي يجسِّدُ أبناؤها القيمَ الحسينيةَ فداءً وإباءً وشهادةً وصموداً وإيثاراً في مواجهة يزيديِّي العصر من استكبارٍ وصهيونيةٍ ورجعيةٍ.

إنّ الثورة الحسينيةَ بمفهومها الإصلاحيِّ تحقِّق المعجزاتِ وتقلِبُ موازينَ القوى لصالح محور الحقِّ والمقاومةِ؛ إذ كما أثبتَ الحسينُ (عليه السلام) بحركته أنّ الدمَ ينتصرُ على السيف، فقد أكَّد خِرِّيجو مدرسته في العصر الحديثِ تلك الحقيقةَ من خلال الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام الخميني (رض) وخَلَفِه الصالحِ الإمامِ الخامنئيِّ (دام ظله) بإعادة إحياءِ قِيَمِ النهضة الحسينيةِ وبَثِّها في الأمة حركاتِ مقاومةٍ وتحريرٍ تقفُ في وجه القوى الكبرى الاستكبارية والصهيونية وتُلحِقُ بها الهزائمَ، حتى صارت تلك الثورةُ الإسلاميةُ المباركةُ مصنعاً لحسينيّي عصرنا من أمثالِ سيد المقاومة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الذي يلقي الرعبَ في قلوب أعدائه بإشارةٍ من يده ويبثُّ روحَ العزة والكرامة في أبناء الأمة وأحرار العالم على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، فضلاً عن شباب اليمن الأبطال في مواجهة آل سعود وآلة قتلهم الأمريكية الصهيونية.

إنّ الثورة الحسينية بمفهومها الإصلاحي يجمع كافّةَ الأحرار تحت رايتها الإنسانيةِ، لأنها خلاصةُ قيمها التي تهفو للعيش في ظلِّها، فترى المسيحيَّ والسنيَّ والشيعيَّ ينجذبُ لها، كما انجذب لرأس الحسين (عليه السلام) مرفوعاً على الرمح ذلك الراهبُ المسيحيُّ.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إن كان الحقُّ والحقيقةُ مهوى أفئدة البشر يجمعهم عبرَ التاريخ، فإنّ الحسين (عليه السلام) هو تجسيدٌ لهما بحركته الإصلاحيةِ، ما جعلنا نرفع شعارَ “الحسين يجمعنا حقاً وحقيقةً” عنواناً لعاشوراء هذا العامِ.

فحقُّ الحسين (عليه السلام) هو حقُّ الإنسانية في الحياة بسعادة وأمنٍ ورخاءٍ في إطار قِيَمِ الخيرِ والفضيلةِ، وحقُّ الحسين (عليه السلام) هو حقُّ الأحرار في رفض الذل والخنوع بشجاعةٍ وبسالةٍ واقتدارٍ بوجه الظالمين والمستكبرين، وحقُّ الحسين (عليه السلام) هو حقُّ محور المقاومة في الدفاع عن شرف الأمة وكرامتها وتحرير الأرض وصَوْنِ استقلالِ الوطنِ وحريته وتقديم الأرواح دونَ ذلك، وحقُّ الحسين (عليه السلام) هو حقُّ الأمة في إزالة كلِّ مظاهر الفساد والإفساد وعلى رأسها الكيانُ الصهيونيُّ الغاصبُ، باعتباره مصدرَ الشرورِ في العالم.

فحقُّ الحسين (عليه السلام) هو أساسُ كافة الحقوق الإنسانية والإسلامية التي تجمع البشر على الخير والفضيلة. من هنا نجد المقاومين حسينيين سواء كانوا من الحشد الشعبي في العراق أو حزب الله في لبنان أو المقاومة في سوريا أو الشعب والحرس الثوري والبسيج في إيران.

فحقُّ الحسين (عليه السلام) اليوم هو حق الولي الفقيه الذي يقود الأمة بكل اقتدار وعزة في مواجهة أعتى القوى الاستكبارية والصهيونية ويصل ليلَه بنهاره دفاعاً عن حقوق المظلومين حتى ولو كانوا في نيجيريا أو كشمير. وهو حق المرجعية الصالحة على الأمة الإسلامية بإصدار فتوى الجهاد الذي صان العراقَ ووحدتَه.

ومن حقِّ الحسين (عليه السلام) إيصالُ صوت الحقِّ المتمثل في عصرنا بمواقف الولي الفقيه إلى أقصى نقاط العالم، كما فعلت زينب (س) مع إمام زمانها أخيها الحسين (عليه السلام) وخاطبت طاغية زمانها: “فکد کيدك وَاسْعَ سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحوا ذکرنا” .

فالحسين (عليه السلام) يجمعنا حقاً وحقيقةً، ولن نعرف الحسينَ (عليه السلام) حقاً وحقيقةً إلا إذا تبرَّأْنا من كلِّ أعداء الإنسانية الذين يقتلون الأبرياء في فلسطين واليمن والعراق وسوريا ولبنان وكشمير ونيجيريا.

ولن نعرف الحسين (عليه السلام) حقاً وحقيقةً إلا إذا عرفنا الحق والحقيقة في ما جرى في سوريا حين دفعت قوى الاستكبار والصهيونية والرجعية بشُذّاذ الآفاق التكفيريين الدواعش ليُعمِلوا في المسلمين شيعةً وسنةً والمسيحيين قتلاً وذبحاً ودماراً دون تمييزٍ، وهذا الجامع الكبير بحلب أبرز شاهدٍ على حرق آلاف الكتب والآثار الإسلامية السنية. وهذه كنيسة “أم الزنار” بحمص وأخواتها شاهدة بالدمار والحرق الذي تعرضت له على ذلك.

أما حقيقة الحسين (عليه السلام)، فإنه ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وردت في فضله الأحاديث المتواترة، ومع ذلك فقد قضى شهيداً مظلوماً عطشاناً، قد طحنت جسده سنابكُ الخيل حتى صارت أخته تخاطبه متسائلةً: أأنت أخي وابن أمي؟، وقطعت رأسُه بعد أن جلس على صدره شمر اللعين! ورُفع رأسُه على أسِنَّةِ الرماح وهو يتلو القرآن إعلاناً أنه استشهد دون دينه وقرآنه!. حقيقة الحسين (عليه السلام) أن نعلمَ تفاصيلَ ما تعرَّضَ له في مقتله؛ حيث يروي الخوارزمي:

“ثم جعل يقاتل حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة، فوقف يستريح وقد ضعف عن القتال. فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته فسالت الدماء من جبهته، فأخذ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محدد مسموم، له ثلاث شعب، فوقع في قلبه؛ فقال الحسين ( عليه السلام ): بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره، ثم أخذ السهم وأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح ، فلما امتلأت دما رمى بها إلى السماء ، فما رجع من ذلك قطرة وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء ، ثم وضع يده على الجرح ثانياً فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته وقال: هكذا والله أكون حتى ألقى جدي محمداً وأنا مخضوب بدمي، وأقول يا رسول الله قتلني فلان وفلان.

قال السيد ابن طاوس: قال الراوي: وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي : واأخاه وا سيداه وا أهل بيتاه ليت السماء انطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل . قال : وصاح الشمر : ما تنتظرون بالرجل؟ قال: فحملوا عليه من كل جانب، فضربه زرعة بن شريك على كتفه، فضرب الحسين زرعة فصرعه، وضربه آخر على عاتقه المقدس بالسيف ضربة كب ( عليه السلام ) بها لوجهه، وكان قد أعيا، فجعل ( عليه السلام) ينوء ويكبو، فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثم انتزع الرمح فطعنه في بواني صدره، ثم رماه سنان أيضاً بسهم فوقع السهم في نحره، فسقط ( عليه السلام )، وجلس قاعداً، فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعاً وكلما امتلأتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته، وهو يقول: ” هكذا ألقى الله مخضباً بدمي، مغصوباً علي حقي”…لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*