آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 13 محرم 1441 هـ

 

الموضوع: الإمام زين العابدين (عليه السلام) بطل القيم الروحية

الخطبة الأولى:

في ذكرى شهادة الإمام علي بن الحسين السجاد زين العابدين (عليه السلام)، نتقدم بأحر العزاء وصادق المواساة من مقام مولانا صاحب العصر والزمان (عج) ومراجع التقليد العظام ولا سيما سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله)، ومن الأمة الإسلامية جمعاء ومنكم أيها الحضور الكريم بهذه المناسبة الأليمة، سائلين الله عز وجل أن يوفقنا للسير على هدى صاحب الذكرى وانتهاج نهجه.

للتميُّزِ معاييرُ ينبغي أن تُقاسَ عليها، وإلا لَاسْتَوى الجاهلُ والعالِم منزلةً وجاهاً. ولعلّ من أبرزَ تلك المقاييسِ التي تُعينُنا في تصنيف الأفراد وخِصالِهِم، مَدى التزامهم بالقِيمِ العُليا في أشَدِّ الصِّعابِ وأحلكِ الظروف، فكيف بمن تحدَّوها وتَمَكَّنوا من تحويل تلك المُثُلِ إلى مدرسةٍ خالدةٍ كما فعلَ مولانا الإمامُ زينُ العابدين (عليه السلام)في سيرته العمليّةِ.

لقد واجه الإمام زين العابدين (عليه السلام)تحدّياتٍ كبرى في عصره، ولا سيّما على المستويَين الفكري والثقافيّ، تجسّدت في ما يشبه “حرباً ناعمةً” شنّتها أجهزة الحكم الأمويّ الإعلاميّة بهدف خلق حالة خواءٍ روحيٍّ وتبلُّدٍ فكريٍّ في أوساط الأمّة للقضاء على جوهر الإسلام وتشويه تعاليمه الأصيلة التي كانت قد اكتسبت زَخَماً جديداً في أعقاب النهضة الحسينيّة.

من هنا، ندرك الدور العظيم الذي نهض بأعبائه الإمام السجاد (عليه السلام)حين وجّه اهتمامه لإحياء القيم الروحية والمثل المعنوية في التعامل مع تلك التيارات المنحرفة، فقد رأى أن حركة الدين في الإصلاح لا تقتصر على مواجهة التحدّيات الخارجيّة وإنما البدء بمقارعة طغيان النفس وترويضها وهو الجهاد الأكبر؛ فكان تعزيز الارتباط بالله من خلال الدعاء والمناجاة والسلوكيات سلاحَ الإمام في معركته. وما الصحيفة السجادية ومظاهر عبادة الإمام (عليه السلام)التي طفحت بها كتب التاريخ والسيرة في غمرة تلك الأجواء الفاسدة إلا نوعٌ من الصدمة الإيجابية التي لفتت انتباه الأمة للإسلام وقيمه المعنوية، لتسأل نفسها: إن كان الإسلام هو ما يطبّقه زين العابدين (عليه السلام)، فأين نحن منه؟

عبادَ الله، في الأجواء الملوّثة تضعف مناعة الإنسان وتمسّ حاجته لمراجعة طبيب كي يصف له الدواء الذي يعزّز مناعته. وقد أدى الإمام زين العابدين (عليه السلام)دور الطبيب الروحي للأمة في ظل الأجواء الفاسدة التي سادت عصره، فرأى أنّ العلاج يكمن في مضاعفة جرعة القيم الروحية والمعنوية لتجاوز تلك الحالة. فلا نستغرب بعد ذلك ما تنقل الكتب عن شدة عبادة الإمام (عليه السلام) وزهده وتقواه؛ فقد كانت تلك الطريقة نهجه لإصلاح المجتمع؛ فصار بحقٍّ بطلَ القيم الروحية في عصره.

وأستعرض فيما يلي نماذج من أسلوبه العلاجي لداء الأمة الأخلاقي نقلاً عن معاصريه:

الارتباط بالإمام (عليه السلام) من عوامل ترسيخ خشية الله:

“حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ بِنْتُ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تَأْمُرُنِي أَنْ أَجْلِسَ إِلَى خَالِي عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، فَمَا جَلَسْتُ إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا قُمْتُ بِخَيْرٍ قَدْ أَفَدْتُهُ: إِمَّا خَشْيَةٌ للهِ تَحْدُثُ فِي قَلْبِي لِما أَرَى مِنْ خَشْيَتِهِ للهِ تَعَالَى، أَوْ عِلْمٌ قَدْ اسْتَفَدْتُهُ مِنْهُ” (الإرشاد، ج2، ص140).

بثّ روح الإصلاح الحسينية في العبادة:

رغم أن للطقوس الدينية أهميةً كبيرة، لكنّها ليست معياراً لتقييم الدين، حتى تتحوّل تلك المفاهيم الرمزيّة لممارسات عمليّة تسهم في بناء المشروع الإلهي بخلق جنّة الله على الأرض يستظلّ فيها الإنسان على المستويين الفردي والجماعيّ بثمارها الطيّبة قسطاً وعدلاً.

وهو ما أشار إليه الإمام الحسين (عليه السلام)في معرض بيان الهدف من نهضته حين قال:

“إنّ هذِهِ الدُّنْيا قَد تَغَيَّرَت وَتَنَكَّرَتْ وأدْبَرَ مَعرُوفُها، فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إلاَّ صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالمَرعَى الوَبِيلِ، ألا تَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ لا يُعْمَلُ بِه، وَأنَّ الباطِلَ لا يُتناهى عَنهَ.  لِيَرْغَبْ المُؤْمِنُ في لِقاءِ اللهِ مُحِقّاً فَإنِّي لا أرَى الْمَوتَ إلاّ سَعادَةً، وَلاَ الحَياةَ مَعَ الظَّالِمينَ إلاّ بَرَماً. إنَّ النّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيا وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلى ألسِنَتهم، يَحُوطُونَهُ ما دَرَّت مَعائِشُهُم، فَإذا مُحِّصُوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدَّيّانُونَ” (تحف العقول، ص245).

ورغم القيود التي كانت مفروضة على الإمام زين العابدين (عليه السلام)، كان يستثمر كلّ فرصة ولو رمزية للتذكير بالرسالة الحسينية من خلال عباداته؛ تأكيداً على أن الدين الذي لا يدعو للمقاومة ومواجهة الطغيان بعيد عن جوهره الإلهي؛ فكان أوّلَ من صلّى على هذه التربة؛ إذ بعد أن فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره أخذ قبضة من التربة التي وضع الجسد الشريف الذي بضّعته السيوف، فشدّ تلك التربة في صرّة وعمل منها سجادة ومسبحة … ولما رجع الإمام هو وأهل بيته إلى المدينة صار يتبرّك بتلك التربة ويسجد عليها ويعالج بعض مرضى عائلته بها ، فشاع هذا عند من يقتدي بهم .

فأوّل من صلّى على هذه التربة هو زين العابدين، ثمّ تلاه ولده محمّد الباقر (عليهما السلام) وحثّ أصحابه عليها، ثمّ ولده جعفر الصادق (عليه السلام)؛ ففي مصباح المتهجّد لشيخ الطائفة الشيخ الطوسي قال : “كان للإمام الصادق عليه السلام خريطةٌ من ديباجٍ صفراء فيها تربة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فكان إذا حضرتهُ الصلاةُ صبّهُ على سجادتهِ وسجدَ عليه. ثمّ قال: إنّ السجودَ على تربة أبي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع” (وسائل الشيعة، ج3، ص608).

ويروي صاحب الوسائل عن الديلمي، قال: كان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلّا على تربة الحسين (عليه السلام) تذلّلاً لله واستكانة إليه، ولم تزل الأئمّة من أولاده وأحفاده تحرك العواطف، وتحفز الهمم، وتوفر الدواعي إلى السجود عليها، حتّى التزمت الشيعة الإماميّة بها إلى هذا اليوم.

وما أحوجَنَا في عالم اليوم إلى الاقتباس من تلك القيم السامية في عصرنا الذي تعصف به أزمةٌ أخلاقيّةٌ وروحيّةٌ! نسأله تعالى أن يوفِّقنا للتحلّي بمكارم الأخلاق قولاً وعملاً.

الخطبة الثانية:

كان العالَمُ أجمعُ شاهداً بكلِّ إعجابٍ وانبهارٍ قبل بضعة أيام على إحياء إحدى أهم المناسبات التي شهدها التاريخ البشري وذلك على امتداد البسيطة؛ أَلا وهي ذكرى عاشوراء الحسين (عليه السلام)، التي لا يزيدها كرورُ الليالي والأيام إلا خلوداً وبقاءً، لتبقى متألِّقةً هويةً جامعةً لكلِّ معاني الخير وقيم الفضيلة تجمع حولها الملايين حباً ومودةً وانتماءً وسلوكاً.

وقد كانت هذه البقعة الطاهرة التي تتشرّف باحتضان قطعةٍ نفيسةٍ من الملحمة الحسينية، من خلال مقامَي السيدتين زينب الكبرى ورقية عزيزة الحسين (سلام الله عليهما)، مسرحاً لأروعِ مَشاهِدِ العشق والولاء الحسيني ببرامجها العاشورائية التي شهدَت حضوراً لافتاً من مختلف شرائح المجتمع.

من هنا أجدُ لِزاماً على نفسي أن أتقدم بالشكر من كافة الفعاليات التي ساهمت في إحياء عاشوراء؛ من مواكب وحسينيات ومساجد وبيوت ومكاتب مرجعية ومقامي السيدتين ولجنة الإشراف عليهما ومصلى مقام السيدة زينب (سلام الله عليها) مدراءَ وعاملينَ وجهات أمنية وصلَت ليلَها بنهارها حفاظاً على أمن الزوار وراحتهم، كما لا أنسى توجيه الشكر للعلماء والمبلغين والخطباء والرواديد الذين أحيَوْا تلك البرامجَ بكلّ إخلاص. سائلاً الباريَ عز وجل الأجرَ والقبولَ لهم جميعاً.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد علَّمَتنا المدرسة العاشورائية كيف ينتصر المظلوم على الظالم بالرغم من قلة العدد وكثرة العدو، حتى صارت منارةً لكلّ حركة ثوريّة إصلاحيّة عبرَ التاريخ. وقد جسدت الثورة الإسلامية المباركة تلك الحقيقة حين انتصر الشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني (رض) وأسقط أعتى نظام شاهنشاهي، ليكمل مسيرته بقيادة الإمام الخامنئي (دام ظله) مواجهاً بكل عزة أشد الضغوطات والتهديدات رافضاً تسلم رسالة رأس الإدارة الأمريكية، ليرد الصاع صاعين بإسقاط طائرة تجسسها المتطورة، واحتجاز ناقلة نفط بريطانية قانونياً رداً على القرصنة الانجليزية.

لقد علَّمتنا المدرسة العاشورائية أنّ بقاءَ الحقِّ منتصراً رهنٌ باستمرار الوعي والبصيرة بقيم الحقِّ؛ حتى نعرفَ الرجالَ بالحق، لا الحقَ بالرجال. ونستذكر في هذا المقام كلمةً للشهيد مرتضى مطهري حين خاطب الأمة قائلاً: اكشفوا شمر زمانكم، فشمر بن ذي الجوشن هلك منذ أكثر من ألف وبضع مئات من السنين. وقد حددت الثورة الإسلامية مسارها برفض الاستكبار والصهيونية ودعم المظلومين والأحرار، واستمرت على هذا النهج بعد أكثر من أربعة عقود على انتصارها، بل وامتد تأثيرها حتى صارت قيمها الحسينية محوراً للمقاومة تعيد إحياء الملحمة الحسينية انتصاراتٍ كبرى تهز أركان قوى الاستكبار والصهيونية والتكفير

لقد علّمتنا مدرسة عاشوراء أن كلَّ يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء، طالما أن الصراع بين الحق والباطل مستمرٌ، وما علينا إلا أن نحسم أمرنا باختيار مخيم الحق الحسيني في مواجهة جيوش الباطل.

انظروا إلى ما قال سيد المقاومة السيد نصر الله في إحياء ليلة العاشر من محرم حين شدد على أن “قائد مخيمنا اليوم هو الإمام الخامنئي ومركزه الجمهورية الإسلامية الايرانية وتحاول أميركا أن تحاصره”.  وأضاف: “الليلة وغداً سنقول لترامب ونتنياهو نحن قوم لا يمس بإرادتنا لا حصار ولا عقوبات ولا فقر ولا جوع”، وتابع “نحن سنقول للإمام الخامنئي في وجه أميركا وإسرائيل ما تركناك يا ابن الحسين”. وهو صدىً مُدَوٍّ لكلمات أنصار الحسين (عليه السلام)حين رفضوا التخلي عنه في أشد اللحظات وأحلك الظروف.

نعم! ما تلك المواقف سوى دليل ساطع على خلود النهج الحسيني قولاً وفعلاً وسلوكاً وممارسةً، تأكيداً للمقولة الخالدة للإمام الخميني (رض): “كل ما لدينا بفضل محرم وصفر” .

وتبقى لمصيبة الحسين (عليه السلام) حرارةٌ في القلوب لا تطفأ أبداً؛ فهذا إمامنا الباقر (عليه السلام) يقول: “ولقد كان أبي عليه السلام بكى على أبيه الحسين عليه السلام عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له: يا ابن رسول الله، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فقال له: ويحك، إن يعقوب النبي عليه السلام كان له اثنا عشرة ابناً، فغيب الله عنه واحداً منه، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وكان ابنه حياً في الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني؟ (مناقب آل أبي طالب، ج3، ص303).

قال ابن نما: ثم إن عمر بن سعد أقام بقية يوم عاشوراء والثانى إلى الزوال ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فنادى في الناس بالرحيل إلى الكوفة وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن معه من الصبيان ، وعلي بن الحسين ( عليهما السلام ) مريض بالدرب. (مثير الأحزان، ص64)

قال السيد ابن طاووس: وقلن: بحق الله إلا ما مررتم بنا على مصرع الحسين ، فلما نظر النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن .(بحار الأنوار، ج45، ص58)

قال : فوالله لا أنسى زينب ابنة علي وهي تندب الحسين ( عليه السلام ) وتنادى بصوت حزين وقلب كئيب : وا محمداه ، صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، وا ثكلاه ، وبناتك سبايا ، إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء . وا محمداه ، وهذا حسين بالعراء ، تسفي عليه ريح الصباء ، قتيل أولاد البغايا وا حزناه ، وا كرباه عليك يا أبا عبد الله ، اليوم مات جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . يا أصحاب محمد ! هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا . (اللهوف، ص180).

قال ابن شهر آشوب: وكانت زينب تقول : وا محمداه ! صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين مرمل بالدماء ، صريع بكربلاء ، مقطع الأعضاء ، مجزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، بأبي من معسكره نهبا ، بأبي من فسطاطه مقطع بالعرا ، بأبي من لا هو غائب فيرجى ، ولا مريض فيداوى ، أنا الفداء للمهموم حتى مضى ، أنا الفداء للعطشان حتى قضى ، أنا الفداء لمن شيبته تقطر بالدماء. (المناقب، ج4، ص113)

قال السيد ابن طاوس: ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين ( عليه السلام ) ، فاجتمع عدة من الأعراب حتى جروها عنه. (اللهوف، ص180).

قال الكفعمي: قالت سكينة: لما قتل الحسين ( عليه السلام ) اعتنقته فأغمى علي فسمعته يقول : “شيعتي ما إن شربتم ري عذب فاذكروني * أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني” فقامت مرعوبة قد قرحت مآقيها وهى تلطم على خديها، وإذا بهاتف يقول : بكت الأرض والسماء عليه * بدموع غزيرة ودماء. (نفس المهموم، ص377).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*