خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 20 محرم 1441 هـ

20 محرم الحرام 1441

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهية) – الدعاء أفضل طرق اتصال المجتمع بالله.

الخطبة الأولى:

لا يمكن للإنسان أن يعيش بمعزل عن الآخرين لتلبية حاجاته. فمتطلباته كثيرة وطاقته محدودة؛ ما يدعوه للاستعانة بقدرات من حوله تعويضاً لنقصه، وهذه الحاجة الفطريةَ تستلزم على الأفراد والمجتمعات البحث عن أفضل الطرق للتواصل، الأمر الذي يبيّن الحكمةَ من الدعوة لالتزام الأخلاق سبيلاً لاستقطاب الغير وخلق جسور التفاعل.

عِبَادَ الله، إن كان أمرُ التواصل بين الأفراد والمجتمعات والحضارات لازماً لتقويتها، وهم محدودون قدرةً وقوةً، فكيف بالارتباط بخالق الكون ورافع السماء، الذي لا يحُدُّهُ حدٌ محدود؟ أفلا ينبغي لنا التوجه إليه كي نجبرَ عجزَنا بقوته ونرفع ضعفنا بقدرته؟

وما أروعَ دعاءَ إمامِنا السجاد (عليه السلام) في صحيفته منوِّهاً بتلك الحقيقة قائلاً:

“اَللَّهُمَّ وَ إِنَّكَ مِنَ الضُّعْفِ خَلَقْتَنَا وَعَلَى الْوَهْنِ بَنَيْتَنَا وَمِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ابْتَدَأْتَنَا فَلاَ حَوْلَ لَنَا إِلاَّ بِقُوَّتِكَ وَلاَ قُوَّةَ لَنَا إِلاَّ بِعَوْنِكَ”.

وهذه الحاجة لاستمداد القدرة الإلهية إن تجسَّدَ في شيئٍ بأجلى صوره فهو في الدعاء الذي يختصر المعانيَ الآنفةَ جميعاً.

ما يميِّزُ الدعاءَ عن سائر طرق التواصل الأخرى التي أَلِفَها البشرُ، أن طرفَ العلاقة اللامتناهي قوةً وقدرةً هو الذي يتحبّبُ إلى الطرف الأعجز بالغَ العجز، حتى إنه ليدعوه إليه ويجعل من تقربه إليه دعاءً ومناجاةً عملاً مأجوراً ومثوباً عليه؛ فقد ورد في الأثر: “وَفِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى (عليه السلام): يَا مُوسَى كُنْ إِذَا دَعَوْتَنِي خَائِفاً مُشْفِقاً وَجِلًا، وَعَفِّرْ وَجْهَكَ فِي التُّرَابِ وَاسْجُدْ لِي بِمَكَارِمِ بَدَنِكَ، وَاقْنُتْ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْقِيَامِ وَنَاجِنِي حَيْثُ تُنَاجِينِي بِخَشْيَةٍ مِنْ قَلْبٍ وَجِلٍ”(بحار الأنوار، ج90، ص305).

وَ إِلَى عِيسَى (عليه السلام): “يَا عِيسَى ادْعُنِي دُعَاءَ الْغَرِيقِ الْحَزِينِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُغِيثٌ، يَا عِيسَى أَذِلَّ لِي قَلْبَكَ وَأَكْثِرْ ذِكْرِي فِي الْخَلَوَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ سُرُورِي أَنْ تُبَصْبِصَ إِلَيَّ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ حَيّاً وَلَا تَكُنْ مَيِّتاً، وَأَسْمِعْنِي مِنْكَ صَوْتاً حَزِيناً”(بحار الأنوار، ج14، ص295).

وكأن الله تعالى يوفر على عبده الجهد ويختصر عليه الطريق بتعليمه أفضل أخلاق التواصل معه بالدعاء من خلال العشق الذي يتجلى في العاشق الإلهي الذي يبادر لإظهار محبته خلوةً وجلوةً شوقاً لا ينتظر أمراً من المعشوق ولا توجيهاً، وتلك أعلى درجات العبودية. وما آيات القرآن الكريم التي تحثّ على الدعاء والمناجاة مع حالة التضرع إلا تحقيقاً لتلك الحقيقة، يقول تعالى: Pادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَO (سورة الأعارف، الآية 55).

و فی موضع آخر يقول سبحانه: Pوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ‌ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ‌O (سورة الأعراف، الآية 205).

و التضرع» في الأصل من مادة «ضرْع» بمعنى الثدي، و على هذا يكون فعل التضرع بمعنى حلب اللبن من الضرع الذي يستلزم  تحريكَ الأصابع على حلمة الثدي من جهاتها المختلفة استداراراً للحليب، لهذا استعملت هذه الكلمة في من يُظهِر حركاتٍ خاصّةً إظهاراً للخضوع و التواضع. وكأنّ الآية تحثّنا على أن نُقبِل على اللّه بمنتهى الخضوع و الخشوع و التواضع، بل يجب أن تنعكس روح‌ الدعاء في أعماق الروح، وعلى كافة أبعاد الوجود، ليبقى اللسان مجرّد ترجمانٍ يتحدث نيابة عن جميع الأعضاء.

أما ما نستوحيه من الدعاء تضرعاً وخيفةً في الآية؛ فلعله الدعوة للارتباط بالله سراً وعلناً ظاهراً للعيان يستوعب الجميع ليخلق مجتمعاً إيمانياً يقوم على أساس التوجه الفردي والجماعي إلى الله، ما ينعكس أخلاقاً إلهيةً تسود بين أفراد المجتمع، يعيشون كلَّ لحظة من لحظات حياتهم في محضر الله، ملتجئين إليه وحدَه في الشدائد مصدرَ قوةٍ مطلقةٍ لا تجاريها اَي قوةٍ مهما تعاظمَت، وعاملين في سبيله دون رياءٍ، وقد ورد في الحديث أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لما كان في إحدى غزواته، ووصل جنود الإسلام إلى وادٍ رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير قائلين: «لا إله إلّا اللّه» و «اللّه أكبر» فقال النّبي (صلّى اللّه عليه وآله): “يا أيّها الناس اربعوا على أنفسكم، أمّا إنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إنّكم تدعون سميعاً قريباً، إنّه معكم” (صحيح البخاري، 4205)، ومعنی اربعوا علی انفسکم أي ارفقوا بانفسکم؛ فلا حاجة للصياح إن كان الله حاضراً معكم.

عباد الله، نعم، إنه مفهوم الدعاء الحقيقي الذي يؤدي التخلُّقُ بأخلاقه لخلق مجتمع أخلاقي يسير نحو الصلاح والإصلاح، ولا يرضى بغير الكمال في إنجازاته لذوبه في الكمال المطلق الإلهي، فلا يكِلُّ أو يَمَلُّ طلباً للمزيد من فضله موقِناً أنه لا يردُّ دعاءه؛ قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ (سورة النساء، الآية 32).

ولسانُ حالِهم ما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي المنقول عن الإمام السجاد (عليه السلام): ” وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِكَ يَا سَيِّدِي، أَنْ تَأْمُرَ بِالسُّؤَالِ وَتَمْنَعَ الْعَطِيَّةَ، وَأَنْتَ الْمَنَّانُ بِالْعَطِيَّاتِ عَلَى أَهْلِ مَمْلِكَتِكَ “.

فالمجتمع القائم على أخلاقيات الدعاء لا يجدُ اليأسُ إلى أفراده سبيلاً؛ فقد قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): “ما كان الله ليفتح على عبدٍ باب الدّعاء ويغلق عليه باب الإجابة” (نهج البلاغة، الحكمة 432).

ومن أراد إصلاح أمر مجتعمه فليبدأ بالدعاء، فإنه مفتاح كل خيرٍ.

اَللَّهُمَّ فَهَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ مُطِيعاً لِأَمْرِكَ فِيمَا أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ مُتَنَجِّزاً وَعْدَكَ فِيمَا وَعَدْتَ بِهِ مِنَ الْإِجَابَةِ إِذْ تَقُولُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، اَللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ الْقَنِي بِمَغْفِرَتِكَ كَمَا لَقِيتُكَ بِإِقْرَارِي، وَ ارْفَعْنِي عَنْ مَصَارِعِ الذُّنُوبِ كَمَا وَضَعْتُ لَكَ نَفْسِي وَ اسْتُرْنِي بِسِتْرِكَ كَمَا تَأَنَّيْتَنِي عَنِ الاِنْتِقَامِ مِنِّي.

الخطبة الثانية:

شهد هذا الأسبوع نموذجاً رائعاً لوحدة المجتمع الإيماني الذي يتحلّى بالأخلاق الإلهية، المعروف في يومنا هذا بمحور المقاومة؛ حين جسَّد شعارَ “الحسين يجمعنا” حقاً وحقيقةً، بتشرُّف أصحاب المواكب الحسينية العراقيين بزيارة العتبات المقدسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والقيام بفعالياتٍ من وحي الأربعين هناك، ليصنعوا بعد ذلك أروع حدثٍ أدخلَ السرور في قلوب أولياء الله والغيظ في نفوس أعدائه بلقاء حسين عصرنا الإمام لخامنئي (دام ظله)، في موقفٍ حمل مشاهدَ مؤثرةً خالدةً، أكدت ما قاله سيد المقاومة بأن خيمة حسين زماننا لن يخلو من أحبائه والذابين عنه مهما حاول الأعداء أن يرموا نِبالَ فتنهم بين أوتاده في العراق وإيران.

فكان اللقاء الذي قضى على أحلام الاستكبار وأذنابه لدقِّ إسفينِ الفُرقة بين الشعبين والذي كانت مخططاتهم على قدم وساق لتنفيذه، غافلين أن ما يجمعهما وأبناء محور المقاومة قد خَطَّهُ أغلى دمٍ في التاريخ وهو دمُ الحسين (عليه السلام) الذي يجري في عروقهم.

لقد كان اللقاء بين القائد والحسينيين العراقيين في حسينية الإمام الخميني (رض)، صدىً للقاء الحسين (عليه السلام) وأنصاره تحت خيمته بكربلاء.

وكانت كلمات الإمام الخامنئي (دام ظله) امتداداً لكلمات جده الحسين (عليه السلام) بكربلاء طافحةً بالعزة والكرامة والإباء.

فكان الإمام الخامنئي أباً وقائداً في ذلك اللقاء، يفيض تواضعاً بشكر الحاضرين وشعبهم وقياداتهم الدينية والمرجعية، وهو الذي أسقط بحكمته وحنكته وبصيرته وتضحيات أبنائه من الشعب الإيراني المؤمن مؤامرات تدمير العراق تقسيماً وتدعيشاً، فاستمع اليه الحشد بعيون دامعة تأثراً وهو يخاطبهم قائلاً:

“أشكر كرم العراقيين من أعماق القلب، أتقدّم لكم يا أصحاب المواكب في أيام الأربعين بالشكر من أعماق قلبي ونيابة عن الشعب الإيراني لما تبذلونه من أقصى حدود الكرامة والمودّة، وأيضاً من الشعب العراقي العظيم والمسؤولين العراقيين الذين مهّدوا الأرضية وبسطوا الأمن، ومن العلماء ومراجع العراق العظام الذين أمّنوا أجواء الزيارة والأخوّة بين أفراد الناس وبين الشعبين”

أتدرون سبب عظمة تلك الكلمات؟ لأنها تأتي على لسان من رفض تلقي رسالة رئيس أكبر قوة عظمى عالمية، ووجَّه أشدَّ الصفعات لآلته الحربية العدوانية، وكأنه يجسد بموقف الرأفة تجاه ضيوفه من حسينيي العراق، وموقف الإباء تجاه استكباريي العالم، کما تقول الآية الكريمة Pأشداء على الكفار رحماء بينهمO (سورة الفتح، الآية 29). شأنُه في ذلك شأنُ جده الحسين (عليه السلام) حين كان يشدُّ على أعدائه كالأسد الهصور، ويضع رأس مولاه “جَون” في حِجره ماسحاً التراب عن وجهه.

نعم! إنها العزة الحسينية التي خلَّدت كربلاء فحَوّلتها من مجرد بقعة أرضٍ إلى ملحمةٍ خالدةٍ، وهي نفسُها في عصرنا التي حولت إيران من مجرد جغرافيا إلى معقِل المقاومة العالمية في وجه المستكبرين.

وما تأكيدي على عالمية المقاومة الحسينية الا من وحي كلمات إمامنا الخامنئي في ذلك اللقاء عندما قال:

“العالم متعطّش لمنطق الإمام الحسين المتمثّل في التحرر ونبذ الظلم. مسيرة الأربعين تجمّعٌ لا نظير له في التاريخ وقد اشتهرت عالمياً. ها هي أنظار الناس حول العالم شاخصة اليوم نحوها، نحن نحتاج اليوم إلى أن نعرّف العالم المبتلى بالظلم والفساد والدناءة على تحرّر الحسين بن علي (عليه السلام)”. وأضاف سماحته: “الحسين (عليه السلام) ملكٌ للإنسانيّة جمعاء، الإمام الحسين مِلكُ الإنسانيّة، الشيعة والسنّة وكافة المذاهب تقف تحت لواء الحسين ويشارك غير المسلمين أيضاً في هذه المسيرة. هذه آية عظمى ودليل على الإرادة الإلهية لنصرة الأمّة الإسلاميّة”.

نعم! لقد علمنا الحسين (عليه السلام) بأن مَهرَ العزة والكرامة غالٍ جداً؛ فقد ضحى الحسين (عليه السلام) بدمه ودماء أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه في هذا السبيل، وهو يردد شعاره الخالد “هيهات منا الذلة”، أما أخته زينب (سلام الله عليها) فاستمرت على ذلك النهج بقولها “فوالله لا تمحو ذكرنا”، وقد لمست شعوب منطقتنا المقاومة حقيقة ذلك الشعار وطبقته عملياً لتحقق النصر.

ألم تدفعوا يا شعب سوريا أغلى الأثمان شهداءَ وجرحى ومفقودين من مختلف المكوِّنات، ودماراً تكفيرياً داعشياً صوناً لسيادة بلدكم وكرامته ووحدته؟ ألم يقف معكم أبناء الشعب الإيراني في كافة الجبهات تجسيداً للخيمة الحسينية الجامعة على المقاومة والعزة؟

واليوم تستمر إيران ومن معها من الأحرار في الوقوف معكم في مقاومتكم الاقتصادية من خلال المشاركة في فعاليات تجارية واقتصادية وإعادة إعمار. أما الدور الأهم فيقع على عاتقكم كي تقوموا بواجبكم في هذه المعركة الاقتصادية، وأنتم أهلٌ لها، فأنتم أبناء مدرسة الحسين العالمية في المقاومة والوحدة والتكاتف.

أما النموذج الاخر للعزة والتضحية الحسينية؛ فنراه في اليمن؛ هناك استطاع أبناء اليمن المقاوم أن يهزوا العالم واقتصاده ويمرغوا أنف الاستكبار والرجعية في الوحل باستهداف مصافي النفط السعودية التي تزود آلة قتلهم الحربية بالوقود الذي يستخدم لقتل الأبرياء. فكانت الضربة صاعقةً صدمَت أمريكا التي لا تزال تتخبط في ردود أفعالها من هول الصدمة.

أما السعوديون فلا يستحق ردهم أيَّ تعليق؛ فما هم سوى بقرة حلوب لسيدهم الأمريكي، وأما الصدمة الكبرى فتلقاها الكيان الصهيوني الذي صار يضرب أسداسَه في أخماسه، ولسان حاله الذي ظهر على فلتات لسان خبرائه يقول: إن كانت المقاومة اليمنية في ظل ظروفها الصعبة قادرة على تجاوز ما لم يكن في الحسبان من خطوط حمراء، فما بالكم بحزب الله الذي يمتلك مما لا طاقة لهم به من أسلحة نوعية؟!

ونحن نقول لهم: إن أيَّ تهور عسكري سواءٌ من أمريكا أو الكيان الصهيوني ضد إيران أو حزب الله سيعني زوال الكيان الصهيوني حتماً وتسريع أفول أمريكا بعد إخراجها من المنطقة، وأعداؤنا يعلمون ذلك قطعاً، فإنْ لم يعلموا فليعلموا، وقد أعذَرَ من أنذَرَ.

أيها المؤمنون والمؤمنات:

ونبقى نعيش أيّام العزاء الحسيني، فنستذكر معاً بالدمعة الساكبة وقائع دفن الإمام وأصحابه؛ إذ بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيتهُ (عليه السلام) وأصحابهُ بقيت الأجساد مطروحة ثلاثة أيام على رمضاء كربلاء. ثم ارتحل عسكر ابن سعد وساروا بالسبايا والرؤوس، قال المقرم : “ولما أقبل السجاد ( عليه السلام ) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيرين لا يدرون ما يصنعون ولم يهتدوا إلى معرفتهم وقد فرق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم ! فأخبرهم ( عليه السلام ) عما جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة وأوقفهم على أسمائهم كما عرفهم بالهاشميين من الأصحاب فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدموع منهم كل مسيل ونشرت الأسديات الشعور ولطمن الخدود .

ثم مشى الإمام زين العابدين إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءا عالياً، وقال: يا أصحابي أحضروا الحصيرة، قيل: ماذا تصنع بالحصيرة؟ قال: أجمعُ عليها أوصال جسد أبي عبد الله الحسين(عليه السلام). فأحضر بنو أسد الحصيرة وقام الإمام بجمع أوصال الإمام الحسين (عليه السلام) المقطعة من هنا وهناك ووضعها على الحصيرة، ثم حمل الجسد الطاهر ووضعهُ على الحصيرة ثم حمل الحصيرة وفيها الجسد المقطع إلى مستودع القبر .

قال الراوي: “فعندما نزل الإمام السجاد (عليه السلام) إلى القبر بقي فترة طويلة فقام إليه الشيخ ينظر إليه ماذا يفعل، فوجدهُ واضعاً خدهُ على نحر أبي عبد الله الحسين وهو يبكي ويقول “بسم الله وبالله، طوبى لأرض تضمنت جسدك الشريف، أما الدنيا فبعدك مُظلمة وأما الآخرة فبنورِ وجهك مُشرقة، أما حُزني فسرمد وأما ليلي فمسهّد، حتى يختارُ الله لي دارك التي أنت فيها مُقيم” وخرج وكتب على القبر : “هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*