لقد شكّلت حرب الثلاث وثلاثين يوماً فرصة جيّدة لكي نختبر قدرة إسرائيل ونعرف مدى قوّتها أمام حزب الله ومحور المقاومة. في مرحلة معيّنة شنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً على عدّة دول عربيّة وهزمها في حرب الأيام الستّة. وفي حرب الثلاثة والثلاثين يوماً كانت هجمات جيش الكيان الصهيوني على مقرات حزب الله وأيضاً على الأبرياء من الناس قاسية جدّاً، لكنّ هذه الهجمات لم تثمر ويبدو أنّ هذه الحرب والانتصار الذي حقّقه فيها حزب الله تحوّلت إلى نقطة انعطاف في تاريخ المنطقة. ما هو تحليلكم لهذه الحرب والهزيمة التي لحقت بإسرائيل وعجز إسرائيل عن تحقيق أهدافها، وإلى أيّ اتجاه سوف تدفع [نتائج] هذه الحرب تل أبيب؟

نحن نستطيع أن نتوسّع قليلاً ونتحدّث عن مقطع، منذ أحداث الحادي عشر من أيلول في أمريكا ومجيء المحافظين الجدد، يعني جورج بوش ومجموعة المحافظين الجدد إلى السلطة في الولايات المتّحدة الأمريكية. لأنّ الحرب على لبنان هي جزء من هذا المشروع وهذه الخريطة الكبيرة. وهنا سيتّضح أيضاً أكثر فأكثر تأثير قيادة سماحة الإمام الخامنئي في هذه المرحلة على وضع المنطقة ككل. جورج بوش وكلّ الجماعة الذين كانوا معه استغلّوا أحداث الحادي عشر من سبتمبر لغزو المنطقة والهجوم على منطقتنا. وإلا هم كانوا يريدون أن يفعلوا ذلك قبل أحداث الحادي عشر من أيلول. واختاروا البداية من العراق بحجّة أن العراق لديه أسلحة دمار شامل. لكن عندما حصلت حوادث ١١ أيلول اضطرّوا أن يذهبوا أوّلاً إلى أفغانستان ومن ثمّ إلى العراق. حسناً، المشروع الأمريكي من ٢٠٠٠- ٢٠٠١ إلى ما بعد، وهو كان ينظر إلى أنه عملية التسوية في المنطقة بين العرب والإسرائيليّين جامدة، حصل في لبنان انتصار كبير وهو انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وانتصار المقاومة في لبنان، والذي كان انتصاراً للبنان وسوريا ولإيران ولحركات المقاومة الفلسطينيّة. إيران تتقدّم وتزداد قوّة في داخل إيران وأيضاً في المنطقة. فقرّر الأمريكيون أن يأتوا إلى المنطقة بوجود عسكري كبير جدّاً، من أجل أوّلاً الدفاع عن مصالحهم، والسيطرة على النفط وعلى كل الموارد الطبيعيّة. وثانياً، فرض الحلّ السياسي لمصلحة إسرائيل وتثبيت وجود إسرائيل في المنطقة، وهذا يلزمه إزالة كل الموانع والعقبات، والذي يبدأ بالمقاومة في فلسطين والمقاومة في لبنان والنظام في سوريا وصولاً إلى محاصرة إيران، هذا كان مشروعهم. طبعاً كل الوثائق الآن تؤيّد هذا الكلام وهذا المعنى. حسناً، بعد ١١ أيلول هم كانوا مضطرّين إلى أن يذهبوا إلى أفغانستان وفي كل الأحوال كانوا محتاجين أن يذهبوا إلى أفغانستان. لأنّ النقطة الحاسمة في مشروع المحافظين الجدد وجورج بوش كانت محاصرة إيران، وعزل إيران. القوات الأمريكية موجودة في باكستان، وموجودة في دول الخليج ومياه الخليج، وموجودة في تركيا وموجودة في عدد من الدول المحيطة، تأتي إلى أفغانستان وتحضر في أفغانستان، ثمّ إلى العراق لاستكمال الطوق على إيران. لكن  قبل عزل إيران أو ضرب إيران، المفترض أن يأخذ العراق ويسيطر بشكل كامل على العراق وينهي المقاومة في فلسطين، والمقاومة في لبنان والنظام في سوريا، يعني أصدقاء إيران في المنطقة، من يعتبرهم هو حلفاء إيران وأيدي إيران القويّة في المنطقة. وأيضاً القضاء على كل من سيقف بوجه الصّلح المذلّ مع إسرائيل، لأنّ الصّلح مع إسرائيل سيكون شرطاً من شروط عزل إيران وضرب إيران. هل التفتم؟ يعني أوّلاً الهيمنة العسكريّة المباشرة، إسقاط دول، القضاء على حركات المقاومة، صلح عربي إسرائيلي، وتطبيع عربي إسرائيلي وبالتالي تشكيل جبهة واحدة عربيّة إسرائيليّة بقيادة أمريكيّة لضرب إيران وإسقاط إيران والسيطرة على إيران، هذا كان المشروع. حسناً، الخطوة الأولى كانت الحرب في أفغانستان، والخطوة الثانية كانت الحرب في العراق، والخطوة الثالثة، سأقول لاحقاً في المقابل ماذا حصل، بعد احتلال العراق إذا تذكرون جاء كولن باول الذي كان وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية إلى دمشق والتقى بالرّئيس بشّار الأسد وكان معه لائحة من الشروط، أي أنّه أراد أن يستفيد من هول الهجوم الأمريكي على المنطقة لفرض شروطه على الرّئيس بشار الأسد فيما يتعلّق بسوريا، وبالجولان، وبفلسطين، وبالمقاومة الفلسطينية، وبحزب الله في لبنان إلخ …  اللائحة طويلة. طبعاً الرئيس بشار الأسد رفض الاستسلام للأمريكيّين. حسناً، ذهبوا إلى الخطوة التالية، كان المفترض وجود انتخابات في فلسطين للمجلس التشريعي، كانوا يفترضون أن الذي سيفوز في الانتخابات هي السلطة الفلسطينيّة برئاسة السيد محمود عباس، وأنّ حماس والآخرين لن يكونوا موجودين في الانتخابات أو إذا شاركوا لن يفوزوا وبالتالي تشكّل سلطة تطالب بنزع سلاح المقاومة وتدخل في تسوية مع الاسرائيليّين. حصلت المفاجأة أن حماس شاركت في الانتخابات وفازت بأغلبية المجلس. فانتقلوا إلى الخطوة اللاحقة وهي ضرب حزب الله في لبنان. وكانت حرب تموز ٢٠٠٦، وكان صمود حزب الله. صمود حزب الله في ٢٠٠٦، لأنّ الخطة كانت ضرب حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، ثمّ ضرب حزب الله في لبنان، ثمّ الذهاب إلى سوريا وإسقاط نظام الرّئيس بشار الأسد، ثم الذهاب إلى صلح مع إسرائيل وتطبيع عربي – إسرائيلي، ثم عزل إيران وضرب إيران. هذا كان التسلسل الزّمني. طبعاً كان الإنجاز في فلسطين أو الانتصار الاسرائيلي على حزب الله في لبنان وإسقاط الرئيس بشار الأسد سيشكّل مادّة قويّة لجورج بوش للمزيد من الانتصارات الانتخابية في الكونغرس وفي الرئاسة. أحد الكتّاب الأمريكيين الكبار قال لي، لأنّه تعرف في آخر العام ٢٠٠٦ كانت الانتخابات النصفيّة للكونغرس الأمريكي وكان جورج بوش بحاجة لأن يحصل على ثلثي أعضاء الكونغرس الأمريكي، هذا الكاتب الأمريكي -وهو كتب لاحقاً هذا- قال لي:  جورج بوش كان بحاجة إلى أن يدخل الانتخابات على طريقة “الكاو بوي” ويحمل ثلاثة رؤوس ينزف منها الدم، رأس المقاومة الفلسطينيّة، ورأس حزب الله، ورأس بشار الأسد. لو استطاع أن يحصل على هذه الرؤوس لفاز في انتخابات الكونغرس وأخذ أكثر من ثلثي الكونغرس، ويضمن بالتالي القرار بالحرب على إيران. كل هذا الذي كان يجري هو في الحقيقة لإنهاء القضيّة الفلسطينيّة وتهيئة المقدّمات للحرب على إيران. أنا أشرح هذا وأتمنّى لو تتوفّر فرصة أن يُشرح هذا بالتفصيل للشعب الإيراني، لكي يعرفوا أنّه في الحقيقة الهدف النهائي من الصراع الموجود في هذه المنطقة ليس فقط فلسطين، الهدف النهائي من الصراع الموجود في هذه المنطقة هو إعادة سيطرة أمريكا على إيران وما فيها من خيرات وما فيها من مقدّرات، وإعادة إيران إلى زمن الشاه. حسناً، في هذا المسار هنا موقع إيران وقيادة سماحة السيد القائد (حفظه الله) في هذه المرحلة التاريخيّة. أوّلاً، الوضع المعنوي، أمريكا أتت إلى المنطقة. طبعاً لا يوجد اتحاد سوفييتي ولا يوجد معسكر اشتراكي، ولا يوجد شيء في الدنيا، بل هناك قوّة وحيدة عالميّة مسيطرة متجبّرة مستكبرة قاهرة اسمها الولايات المتّحدة الأمريكية، وقد أخذت القرار بغزو المنطقة عسكريّاً، وجاءت بجيوشها وأساطيلها. الكل كان يرتجف، إلا القليل. هنا نذكر مواقف سماحة السيّد القائد من الغزو لأفغانستان، أو من الغزو للعراق، وتذكرون في تلك الفترة السيد القائد كان يذهب إلى المحافظات الإيرانيّة ويخطب، إعطاء الثقة للشعب الإيراني ولشعوب المنطقة ولحركات المقاومة في المنطقة، إعطاء المعنويات، وإعطاء الروح للوقوف وعدم الاستسلام أمام الهجمة الأمريكية التاريخيّة القاسية على منطقتنا، هذا أوّلاً. المهمّة كانت صعبة جدّاً، أنا أذكر بعد غزو أفغانستان وقبل غزو العراق، أنا ذهبت إلى إيران والتقيت بسماحة السيّد القائد، وقلت له يوجد قلق في المنطقة. هو قال لي، أنظروا ماذا كانت رؤيته، قال: قل للإخوة جميعاً أن لا يخافوا، بالعكس، مجيء الأمريكيّين إلى المنطقة يجب أن يدعو إلى الاستبشار وإلى الإحساس بالفرج في المستقبل. فأنا استغربت، هو أشار بيده هكذا، قال الأمريكيّون وصلوا إلى القمّة، منذ غزوهم لأفغانستان هم بدأوا بالهبوط. الأمريكيّون لو كانوا مقتنعين بأنّ إسرائيل وأنّ الأنظمة العميلة الموجودة في المنطقة قادرة على حماية مصالحهم لما احتاجوا إلى أن يأتوا بجيوشهم وأساطيلهم إلى المنطقة. وهذا دليل فشلهم، وفشل سياساتهم في المنطقة. لو كانوا ناجحين لما احتاجوا إلى ذلك. عندما يشعر الأمريكيّون أنّهم بحاجة للحضور المباشر ليفرضوا مصالحهم وشروطهم، فهذا دليل ضعف، وليس دليل قوّة. وعندما يأتي أي جيش مهما كان عظيماً وقويّاً من خلف آلاف الأميال إلى منطقة فيها شعوب حيّة، هذا الجيش سيُهزم وسينكسر. ولذلك مجيء أمريكا إلى منطقتنا هو بداية سقوطها وليس بداية عصرها. طبعاً هذا الكلام كان يقوله سماحة السيد القائد في مناسبات مختلفة بأدبيات مختلفة. لكنه قال لي هذا الأمر بهذا الوضوح وأنا نقلت هذا وكنا نخطب ونتكلم بهذا الموضوع. حسناً، جاءت ٢٠٠٦، نحن كان قرارنا هو الصمود، سماحة السيد القائد من أول يوم في الحرب أصدر بيان كما تذكرون وأيّد المقاومة ودعم المقاومة ودعا إلى الصّمود والمواجهة وإلى الثبات، وهذا له قيمة كبيرة عندنا، عند شعبنا وعند مقاتلينا. لأنّنا نتحدّث عن معركة فيها دماء وشهداء وجراح. عندما يكون وليّ الأمر وقائدنا وإمامنا ومرجعنا يقول هذا ويدفع في هذا الاتجاه فهذا يشكّل قوّة معنويّة روحيّة هائلة للمقاومين. دخلنا في القتال. الأمريكيون بعد أيام قليلة، بعد ٤ أو ٥ أيام فقط، بعد أن قامت إسرائيل بقصف كل الأماكن التي لديها معلومات عنها، اعتقدوا أنّنا ضعفنا وخفنا والآن نحن جاهزون للاستسلام. في ذلك الحين الأمريكيّون تكلّموا مع رئيس الحكومة الحالي، الرئيس سعد الحريري، في ذلك الوقت لم يكن هو رئيس الحكومة ولكن كان رئيس الكتلة البرلمانيّة التي ينتمي إليها رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة. فتكلّموا معه وهو اتّصل بنا، قال الأمريكيّون يقولون -أي أنّ الذي يفاوض هم الأمريكيّون-: الحرب تتوقف على لبنان، لكن شرط أن تقبلوا بشروط ثلاثة. الشّرط الأول، أنتم أخذتم أسيرين من الجنود الإسرائيليّين، يجب أن يعود هؤلاء الأسرى بلا قيد أو شرط. الشرط الثاني هو أن يقوم حزب الله بتسليم كامل أسلحته ويتحول إلى حزب سياسي. الشرط الثالث هو أن نوافق على مجيء قوات متعددة الجنسيّات، يعني ليس قوات دوليّة تابعة للأمم المتحدة، بالفارسية أنتم تقولون ”نیروهای بین المللی، مال سازمان ملل“ وهناك أيضاً ”نیروهای چند ملیتی“ أي قوات متعدّدة الجنسيّات التي جاءت إلى العراق. هذه ليست خاضعة ل“مجلس الأمن الدولي“، وإنما خاضعة للإدارة الأمريكيّة. أن نقبل بمجيء قوات متعددة الجنسيات إلى لبنان، تنتشر على كامل الحدود اللبنانية الفلسطينيّة، وعلى كامل الحدود اللبنانيّة السورية وإلى المطار وإلى الميناء وإلى المعابر، يعني معابر الدخول والخروج إلى لبنان، يعني احتلال دولي واحتلال أمريكي. طبعاً نحن رفضنا وواصلنا الحرب والقتال. جاءت كوندوليزا رايس إلى لبنان، ماذا قالت للبنانيّين؟ كانت تتحدّث عن معركة حاسمة وأنّ حزب الله سيُهزم وسيُدمّر واستخدمت الجملة المعروفة: المنطقة تواجه حالة ولادة شرق أوسط جديد. هو هذا الشرق أوسط الجديد الذي تحدثنا حوله. لكن عمليّاً المقاومة صمدت وانتصرت. عندما انتصرت المقاومة في لبنان، إذاً الحلقة الأولى من المشروع الأمريكي في فلسطين سقطت نتيجة الانتخابات الفلسطينيّة. الحلقة الثانية في لبنان سقطت، أي القضاء على حزب الله. وبالتالي سقطت الحلقة الثالثة لأنّه كان مفترض بعد القضاء على حزب الله أن تذهب المعركة إلى سوريا وأن تقوم إسرائيل ومعها أمريكا بضرب النظام في سوريا. هذا جُمّد. فالفشل الأول والفشل الثاني والفشل الثالث. ثم ما جرى في العراق. حسناً، في العراق أيضاً موقف سماحة السيد القائد (حفظه الله) أنه يعتبر الوجود الأمريكي في العراق احتلالاً. وكلّ الموقف الإيراني والموقف الرسمي الإيراني كان يتحدّث عن الاحتلال الأمريكي للعراق. وأنه حصلت مقاومة شعبيّة في العراق. العراق الذي كان يفترض أن تبقى فيه أمريكا وأن تسيطر عليه وتديره. اضطرّت أمريكا نتيجة المقاومة المسلّحة في العراق والمقاومة الجديّة وليس مقاومة جبهة النّصرة والقاعدة والتكفيريّين، إنّما مقاومة العراقيّين الذين قاتلوا بإخلاص. والموقف السياسي الصّامد في العراق، والإرادة الشعبيّة في العراق ومجموعة ما جرى اضطّر أمريكا أن تخرج من العراق، وخرجت، ولو باتّفاق. طبعاً في ذلك اليوم عندما خرجت أمريكا من العراق أنا قلت أنّ هذا انتصار عظيم للمقاومة العراقيّة ولكن للأسف ليس هناك من يحتفل به، أي كان يجب أن يحتفلوا بهذا الانتصار العظيم الذي حققه العراقيّون عندما فرضوا على أمريكا أن تخرج من العراق عام ٢٠١١. وهذا في نهاية المطاف كان فشل لكلّ المشروع الأمريكي في المنطقة، فيما يتعلّق بتلك المرحة، من ٢٠٠١ إلى ٢٠١١. هذا مشروع الشرق الأوسط الجديد، والهجمة الأمريكية للسيطرة على المنطقة لتحقيق الصلح المذلّ مع إسرائيل والتطبيع العربي الإسرائيلي لتصفية القضيّة الفلسطينيّة، والقضاء على حركات المقاومة، وللسيطرة على الدّول، ولعزل إيران وضرب إيران، هذا كلّه سقط وفشل. حسناً، كيف فشل؟ هنا يأتي دور سماحة السيّد القائد والجمهورية الإسلامية وحلفائها وأصدقائها في المنطقة. هؤلاء الذين أفشلوا المشروع الأمريكي. طبعاً آل سعود كانوا جزءاً من المشروع، وحكام العديد من دول الخليج والدول العربيّة كانوا جزءاً من المشروع الأمريكي وكانوا أدوات في المشروع الأمريكي. إسرائيل كانت أداة كبيرة في المشروع الأمريكي، لكنّ الذين وقفوا في وجه المشروع الأمريكي هم عبارة عن الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة سماحة السيد القائد، وسوريا بقيادة الرئيس بشار الأسد، والمقاومة في لبنان وحلفائها، والمقاومة في فلسطين وحلفائها، وفصائل المقاومة والقيادات السياسيّة الوطنيّة المخلصة في العراق وعلى رأسها المرجعيّة الدينيّة في النّجف الأشرف والقوى الإسلامية والقومية في منطقتنا، هؤلاء هم الذين وقفوا. لكن من كان مركز الثّقل الذي يمدّ الآخرين أيضاً بالقوّة وبالحماية؟ كان الجمهورية الإسلامية في إيران وموقع وموقف وعزم سماحة السيد القائد الخامنئي (دام ظلّه الشريف). وهذا المشهد الذي حصل من ٢٠٠١ إلى ٢٠١١، يعني خلال عقد من الزّمن -عشر سنوات-، نحن كنا في قلب هذه المعركة التي كانت نتيجتها الهزيمة الأمريكيّة الواضحة. أختم هذا المقطع أيضاً بخاطرة عن سماحة السيد القائد (حفظه الله). في الأيام الأولى لحرب تمّوز، حرب الثلاثة والثلاثين يوماً، هي ٣٤ يوماً لكن يقولون ثلاثة وثلاثين. طبعاً هنا في لبنان كان الناس قلقين جدّاً، ماذا يحصل؟ حتّى بعض المسؤولين اللبنانيّين اتّصلوا بمسؤولين سعوديّين ليتدخّلوا لوقف الحرب وهؤلاء قالوا لهم: لا يتدخّل أحد هناك قرار أمريكي دولي إقليمي عربي بسحق حزب الله، سحق حزب الله يعني (له كردن). وبالتالي لا أحد يتدخّل، حزب الله إمّا أن يستسلم وإمّا أن يُسحق. طبعاً نحن كنا نقاتل، وطبعاً كانت هناك  إرادة قويّة للقتال وبروح كربلائيّة، وكانت الرّوح الحاكمة على كلّ حزب الله ومن يقف معه الكلمة المشهورة للإمام الحسين (عليه السلام): ألا إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة. نحن أمام خيارين، إمّا السلّة يعني الحرب، أو الاستسلام الذليل، ونحن اخترنا الحرب. في الأيام الأولى يتّصل الحاج قاسم سليماني، الأخ العزيز والحبيب. يأتي إلى دمشق ويتّصل إلى بيروت ويقول أنا يجب أن أصل إليكم. قلنا له كيف؟ الإسرائيليّون يقصفون الجسور والطرقات والسيارات، لا يمكن الوصول إلينا. قال لا بدّ أن آتي إليكم، وأنا أحمل رسالة من سماحة السيد القائد لكم. المهم، رتّبنا الأمور وجاء الأخ الحاج قاسم إلى الضاحية الجنوبيّة في الأيام الأولى للحرب. وهو شرح لي أنّ سماحة القائد (حفظه الله) كان في مشهد ودعا كلّ المسؤولين في الجمهوريّة الإسلامية إلى لقاء، وكان رئيس الجمهورية الحالي ورؤساء الجمهورية السابقون، ووزير الخارجية الحالي ووزراء الخارجية السابقون، ووزير الدفاع الحالي ووزراء الدفاع السابقون، وهكذا، قائد الحرس الحالي وقادة الحرس السابقون ومسؤولون آخرون، وصار تداول وناقشوا وحلّلوا هدف الحرب، إلى أين يريدون أن يصلوا؟ لأنّه منذ البداية المسؤولون في الجمهورية الإسلامية كانوا يرون الحرب على لبنان جزء من خطة أمريكا في المنطقة، وليست شيئاً معزولاً أو مفصولاً. فتداولوا ووصلوا إلى تحليل معيّن ثمّ اتّفقوا أنّ الجمهورية الإسلامية ستقف إلى جانب المقاومة في لبنان وإلى جانب الحكومة اللبنانيّة وإلى جانب سوريا لأنّه كان يوجد تهديد أن تتّسع الحرب إلى سوريا وأنّ إيران سوف تقف بقوّة، دبلوماسيّاً وسياسيّاً وعلى مستوى الدعم المادّي والعسكري. انتهى اللقاء وصلّوا صلاة المغرب والعشاء جماعة ومن المفترض أنّ الإخوة يغادرون، فسماحة القائد بعد الصلاة قال لهم: إجلسوا قليلاً، أنا عندي كلام أريد أن أقوله. أي أنّ هذا كان بعد انتهاء الجلسة الأولى، الجلسة الرسميّة. ثمّ قال سماحته للأخ الحاج قاسم، أنت تكتب ما أقوله أنا وتنزل إلى لبنان إلى بيروت وتلتقي مع فلان وتنقل له هذا المضمون، وهو ما يراه مصلحة ينقل لإخوانه ولأصدقائه. ثمّ بدأ الحاج قاسم يقرأ لي كلام السيد القائد بعد الصّلاة. من جملة ما قال، لأنّه كان هناك كثيرون يظنّون أنّه أسر الأسيرين الإسرائيليّين كان مصيبة. فسماحة القائد يبدأ الرسالة ويقول ما مضمونه أنّ أسركم للجنديّين الإسرائيليّين كان لطفاً إلهيّاً خفيّاً لأنّ هذه العملية أجبرت الإسرائيلي على الدّخول في ردّ فعل معكم الآن، والإسرائيليّون والأمريكيّون كانوا يخطّطون لحرب على لبنان وعلى حزب الله في لبنان في آخر الصيف وأول الخريف ٢٠٠٦، وكانت الحرب ستبدأ بشكل مفاجئ وتُباغتون وتُفاجأون وأنتم لستم مهيّئين. إنّ أخْذكم للأسيرين، اللطف الإلهي فيه كان أنّه استعجل الزّمان، يعني لم تحصل الحرب في الوقت الذي أرادته أمريكا وإسرائيل، ولم يكونوا بعد جاهزين للحرب، بل كانوا يُجهّزون للحرب. وأنتم كنتم متجهّزين، يعني لا يوجد عامل الغفلة والمفاجأة. هذه أوّل فكرة، طبعاً هذه الفكرة فيما بعد أيّدها كبار، أي بعد ما قلتُ [ذلك] في الإعلام، الأستاذ الراحل محمد حسنين هيكل أقام حلقتين في قناة الجزيرة في ذلك الوقت لشرح وتأييد هذه الفكرة. أحد الكتّاب الكبار في الولايات المتحدة الأمريكيّة باسم سيمون هيرش أيضاً كتب هذا المضمون بعد ما قلت هذا في الإعلام، طبعاً عندما قلت [ذلك] في الإعلام لم أنسب هذا الكلام لسماحة السيد القائد. المسألة الثانية هي أنّ هذه المعركة هي أشبه بمعركة الأحزاب، الخندق، في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، والمعركة ستكون صعبة وقاسية وتستهدف وجودكم وأنتم يجب أن تصبروا في هذه الحرب واستخدم الآية التي تقول ”وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظّنون“، لكن يجب أن تكون ثقتكم بالله عظيمة جدّاً. المقطع الثالث يقول فيه سماحة القائد: أنتم ستنتصرون في هذه الحرب. طبعاً كان قبل ذلك أيضاً في الأيام الأولى، قبل ذلك أو بعد ذلك، أنا لا أذكر جيّداً الآن، كان أيضاً قد وصلني كلام مشابه من سماحة آية الله العظمى الشيخ بهجت (رحمة الله عليه)، ونقل الناقل لي أنّه كونوا على يقين أنكم منتصرون في هذه الحرب إن شاء الله. لكن الإضافة المهمّة في كلام سماحة السيّد القائد: أنتم ستنتصرون في هذه الحرب وستصبحون بعدها قوّة إقليميّة، لن تستطيع أيّ قوّة في المنطقة أن تقف في وجهكم. فأنا ضحكت وقلت للحاج قاسم: نحن نصبح قوّة إقليميّة؟! نحن الآن في معركة يريدون أن يسحقوا فيها وجودنا، وإذا خرجنا فقط من هذه المعركة منتصرين ومحافظين على وجودنا، هذا بالنسبة لنا نعمة عظيمة جدّاً. يا أخي لا نريد أن نصبح قوّة إقليميّة، طبعاً بالمزاح يعني وبالملاطفة. لكن ما قاله سماحة السيد القائد في ذلك الوقت بالنسبة لي كان يشكّل يقين. وأنا منذ تلك اللحظة كنت على يقين بأنّنا سننتصر في هذه الحرب وبعدها قوّة إقليميّة لا تستطيع أي قوّة أن تهزمها، وهذا هو الذي حصل.

 

هل كانت لدى الإمام الخامنئي توصيات أيضاً فيما يخصّ الأدعية والأذكار أثناء حرب تموز؟

في ذلك الوقت أنا، طبعاً في الأيام الأولى مع البيان الذي أصدره سماحة السيد القائد (حفظه الله)، غير البيان المعلن أيضاً كانت هناك رسالة لي، رسالة خطيّة من سماحة السيد القائد ما زلت أحتفظ بها وأيضاً كانت هناك رسالة من أخي العزيز والحبيب سماحة السيد حجازي (حفظه الله). سماحة السيّد حجازي كتب لي توصية ببعض الأدعية لكن أنا لا أذكر الآن إن كان نسبها إلى سماحة السيّد القائد أو لم ينسبها إلى سماحة السيد القائد. أنا لا أذكر جيّداً، لكن بالعموم يعني منها مثلاً دعاء الجوشن، أنا في ذاكرتي أنّها توصيات سماحة السيّد القائد، على ما أذكر يعني. مثلاً دعاء الجوشن الصغير والاستغاثة بصاحب الزّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، يا بقية الله أغثنا يا بقية الله أدركنا، وزيارة عاشوراء غير المعروفة وغير المشهورة وتوصيات أخرى. لكن بالعموم أنا أودّ أن أقول لكم أيضاً في هذا السّياق شيئاً من تجربتنا مع سماحة السيد القائد (حفظه الله) أنّه دائماً كان يوصي في كل المراحل، وليس فقط في الحرب، يوصي بالدعاء والمناجاة والتوسل والحديث مع الله سبحانه وتعالى. ونحن طبعاً ننقل هذه الوصايا للإخوة والإخوة يقومون بها، ونقاط القوة في مسيرتنا في حزب الله وفي معارك وحروب حزب الله هو هذا الجانب، أي جانب الدعاء وجانب التوسّل وجانب الاستغاثة وجانب اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا دائماً كان من توصيات سماحة السيد القائد. في الموضوع الروحي والمعنوي هناك أمور عديدة كان يؤكّد عليها منذ أن عرفناه. الأوّل هو الثقة بالله عزّ وجل، والثقة بوعد الله عزّ وجل، والتوكّل على الله سبحانه وتعالى، في كل جلسة كان يقول للإخوة ”إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم“، الله سبحانه وتعالى لا يمزح معنا، الله سبحانه وتعالى يحدّثنا ويكلّمنا بوضوح وهذا وعد الله عزّ وجل، والله تعالى لا يُخلف الميعاد. دائماً كان يؤكّد على الثقة بوعد الله والثقة بالله سبحانه وتعالى، وهو حتّى الآن يعيد هذا في خطاباته العامّة، في كل مرحلة هذه النقطة كانت جوهريّة وأساسيّة. ومن النقاط الجوهريّة والأساسيّة أيضاً هي الدعاء والتوسّل واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى والاستغاثة.

 

سوف أتخطّى السؤال حول الأمور التي تتعلق بقضيّة التقريب ومساعي العدو الرامية إلى خلق نزاعات بين الشيعة والسنة وقضية الصحوة الإسلامية. نحن قبل حوالي ٧ أو ٨ أعوام الماضية شهدنا حدثاً غريباً جداً وكان حدثاً ترك آثاراً استراتيجيّة للغاية في المنطقة. أعني حادثة سوريا والأزمة السورية. نرغب من سماحتكم أن توضحوا لنا سبب وقوع الاختيار على سوريا وما المخطط الذي كان مرسوماً للمنطقة؟ وماذا كانت تداعيات هذه الأزمة؟ أي أبعاد وزوايا كانت تتضمنها الأحداث في سوريا؟ وما هي الأسباب التي جعلت حزب الله والجمهورية الإسلامية في إيران يتّخذان قرار الدخول في الأحداث السورية رغم الأثمان الباهظة التي كانوا سيتحمّلانها؟ ما الذي كان سيحصل لو لم يشاركا في هذه الأحداث؟ وأيّ تبعات وأثمان جعلت مشاركة إيران وحزب الله في سوريا أمراً ضروريّاً؟

هذا يرجع إلى البحث في المقطع الآخر، إذا كنا تحدثنا من ٢٠٠١ إلى ٢٠١١، وقلنا النهاية كانت خروج الأمريكيّين من العراق، الفشل في لبنان، والفشل في سوريا، والفشل في فلسطين، وبالتالي سقوط الخطّة الأمريكيّة في المنطقة. بعد ٢٠١١، هذا المقطع الآخر الذي ما زال متواصلاً إلى الآن، أيضاً هو مقطع مهم وتاريخي من حياة المنطقة، ومن حياة الجمهورية الإسلامية، ومن قيادة سماحة السيّد القائد (حفظه الله)، الذي هو بداية عام ٢٠١١ وبداية ما سمّاه سماحة السيد القائد بالصحوة الإسلامية وما اصطُلح عليه هنا في المنطقة بالربيع العربي. أنا أودّ أن أتحدّث في هذا قليلاً وأدخل إلى سوريا، في الربيع العربي أو الصحوة الإسلامية أو التحرّكات الشعبية الضخمة التي حصلت في المنطقة، يعني ابتداء من تونس إلى مصر إلى ليبيا وكان قد سبقها اليمن، هذه البدايات. ثمّ تطوّرت الأحداث إلى المعركة في سوريا. في الحقيقة نحن فهمنا لما حصل في ذلك الحين هو باختصار شديد أنّه بعد فشل الخطّة الأمريكيّة في المنطقة، وفشل الهجمة الأمريكيّة، وجاء باراك أوباما ليلمّ ذيول الفشل، الشعوب في المنطقة بات لديها وعي ولديها إرادة ولديها أمل بالتغيير، والأنظمة أصبحت في وضع صعب وضعيف وهش. ولذلك كانت هناك فرصة أمام الشعوب لتنتفض وتسقط هذه الأنظمة. أنا فهمي وفهم كثيرين هنا، وهذا ما قاله سماحة القائد منذ البداية، أنّ هذه الحركة الشعبيّة هي حركة شعبيّة حقيقيّة أصيلة، الحركة في تونس [كانت تمثّل] شعب تونس وإرادة تونسيّة، والحركة في مصر هي إرادة شعب مصر، والحركة في ليبيا هي إرادة شعب ليبيا، والحركة في اليمن هي إرادة شعب اليمن، والشعارات التي طرحت والأهداف التي كانوا يسعون لتحقيقها وإنجازها تنطلق من رؤيتهم ومصالحهم الشعبيّة والوطنيّة. ووجدنا تأثيراً كبيراً جدّاً للإسلام والحركات الإسلامية وللإسلاميّين في هذه النهضة وفي هذه الصّحوة. ولذلك سمّاها سماحة السيّد القائد (حفظه الله) بالصحوة الإسلامية. لكن أين كانت المشكلة؟ كانت المشكلة الجوهريّة والحقيقيّة في فقدان القيادة، وفقدان الوحدة. الثورة الإسلامية في إيران كانت ثورة شعبيّة جماهيريّة عظيمة جدّاً. لكن الذي أوصلها إلى النّصر وثبّتها بعد الانتصار هو وجود القائد، يعني الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، وثانياً الوحدة الشعبية، وحدة العلماء والمسؤولين والشعب الإيراني من مختلف فئاته وشرائحه خلف الإمام. وبالتالي شعب موحّد وقائد يرسم الاستراتيجيّات وخطّ المشي والسياسات ويوجّه ويمسك ويضبط و … المشكلة في هذه البلدان التي حصلت فيها [الثورات]، باستثناء سوريا وسوف نصل إليها بعد قليل، هو فقدان القيادة الموثوقة والموحّدة. كان يوجد عدد كبير من القيادات وعدد كبير من الأحزاب لا يوجد انسجام فيما بينها ويوجد خلافات [حول] ما يقبلون وما يرفضون، وعندما يذهبون إلى التفاوض كانوا يختلفون وتظهر خلافاتهم، وكان هذا ينعكس على الناس وعلى الشعب ويوجد اختلافات فيما بينهم بحيث تحوّلت في بعض المناطق إلى حرب أهليّة. حسناً، هنا دخل الأمريكيّون وبعض الدول الإقليميّة لاستيعاب هذا الحراك الشعبي الكبير ومصادرته وتدجينه وإفشاله، هنا أمريكا كان لها دور كبير، فرنسا لها دور في شمال أفريقيا، السعودية والإمارات دخلتا بقوّة لإيقاف الصّحوة الإسلامية ولتعطيل الربيع العربي ولإجهاض الثورات الشعبيّة من خلال الإعلام والمال ودعم الانقلابات العسكرية في المنطقة. حسناً، وبالتالي هذه الدول الآن تواجه مصيرها. تونس، وليبيا، ومصر كلّنا نعرف إلى أين وصلت الأمور، وإلا في اليمن هم أرادوا أن يعيدوا مصادرة كلّ شيء، لكن وقفة جزء كبير من الشعب اليمني خلف قيادة الأخ العزيز السيد عبد الملك الحوثي وأنصار الله وحلفائهم.. هم صمدوا سياسيّاً وشعبيّاً ففرضت عليهم الحرب وما زالوا يحاربون. هنا جاء موضوع سوريا. سوريا وما يجري في سوريا لم يكن له علاقة لا بالربيع العربي ولا بالصحوة الإسلامية. ما جرى في سوريا هو في الحقيقة عمل أمريكي سعودي بالتحديد مع بعض الدول الإقليميّة لقطع الطريق على أي إنجاز لمحور المقاومة. لأنّ التحوّلات الشعبيّة خصوصاً في مصر جعلت إسرائيل في قلق شديد، الإسرائيليّون في ذلك الحين كانت لديهم مؤتمرات كبيرة يتحدّثون فيها عن البيئة الاستراتيجيّة، بدأوا يفكّرون حتّى بإعادة تشكيل عدد من الفرق العسكريّة وإرسالها إلى الحدود مع سيناء. إلى هذا الحد كان يوجد قلق ورعب إسرائيلي من التغييرات التي حصلت في مصر. في سوريا كان المطلوب إسقاط النظام وإسقاط هذه القيادة بعد أن عجزوا عن استمالتها. أي ما لا يعرفه الكثيرون أنّه قبل ذلك كان هناك جهد كبير لاستمالة الرّئيس بشار الأسد والقيادة السوريّة والدولة السوريّة إلى المحور الآخر. وهذا الأمر عمل عليه السعوديّون وجاء شخصيّاً الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى دمشق، مع أنّه كان قد قاطع سوريا، وعمل عليه القطريّون بشكل كبير، وعملت عليه تركيا، وعمل عليه العديد من الدول العربية وعملت عليه مصر أيضاً في زمن حسني مبارك. بالوسائل السياسية والإغراءات الاقتصادية والمالية حاولوا أن يأخذوا سوريا إلى المحور الآخر الذي يسمّونه الاعتدال العربي ونسمّيه الاستسلام العربي. لكن الرئيس بشار الأسد والقيادة السورية كانوا دائماً يصرّون على موقفهم وموقعهم وأنّ الصراع العربي الاسرائيلي قائم ولا يمكن إيجاد تسوية دون حلّ موضوع الجولان السوري المحتلّ وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني. حسناً، هم فشلوا بالوسائل السياسية والمالية في نقل سوريا إلى الموقع الآخر، هذا من جهة. من جهة أخرى أدركوا أنّ موقع سوريا أيضاً مركزي في المحور، في محور المقاومة. إذا أردت أن أستخدم عبارة دقيقة كان سماحة السيد القائد يقول أن سوريا هي عمود الخيمة، اليوم بدون سوريا ستُعزل المقاومة في لبنان، وبدون سوريا المقاومة في فلسطين ستُعزل، سوريا هي جزء أساسي في جسد المقاومة وفي محور المقاومة. البعض يستعمل عبارة جسر‌، هي أكثر من جسر، هي جزء رئيسي وكبير ومهم وقوي جدّاً من بدن وجسد وعقل وثقافة وفكر وإرادة المقاومة في المنطقة. وهذا ثبت بالخصوص بعد حرب تمّوز، و[من خلال] موقف سوريا ودعم سوريا وثبات سوريا التي كانت مهدّدة بالحرب في حرب تمّوز. كان من الممكن أن يوسّع الإسرائيلي حربه، والأمريكيّون كانوا موجودين في العراق على الحدود مع سوريا. وكان يمكن أن تُفرض حرب شاملة على سوريا، لكنّ الرئيس بشار الأسد لم يغيّر موقفه في حرب تموز وبقي إلى جانب المقاومة بموقف صلب وثابت. الإسرائيليّون بعد حرب تمّوز كانت لديهم دراسات كثيرة ووصلوا إلى استنتاج يقول لنقضي على المقاومة في لبنان وفلسطين يجب أن ننتهي من سوريا. وهذا الذي كانوا يخطّطون له بعد ذلك. حسناً، هم لم يستطيعوا أن يأخذوا سوريا بالسياسة فجاؤوا إليها بالعسكر. لو كانوا قادرين على انقلابات عسكرية في سوريا داخل الجيش السوري لفعلوا ولكنّهم ما استطاعوا. استغلّوا ظروف الحريّة الإعلامية والمناخ القائم والتحوّلات في المنطقة ودفعوا باتجاه الصِّدام داخل سوريا. منذ اللحظة الأولى عندما نزلت مظاهرات مطلبيّة، أنا شاهد أنّ الرئيس بشار الأسد كان يجلس مباشرةً مع قادة بعض المتظاهرين ويستمع إلى مطالبهم ويستجيب لمطالبهم. ولكن بعد ذلك كان يتحول التظاهر إلى عملية عسكرية كما حصل في احتلال مدينة درعا. الأمريكيون والسعوديون وبعض الدول في المنطقة هم الذين جاؤوا بكل هؤلاء التكفيريّين، بالقاعدة وجبهة النصرة وداعش من كل أنحاء العالم ليقاتلوا في سوريا، وليسقطوا النظام، وليسيطروا على سوريا. لمصلحة من؟ لمصلحة أمريكا ولمصلحة إسرائيل. لمصلحة هذا المحور الذي يريد إنهاء القضيّة الفلسطينيّة. ولمصلحة هذا المحور الذي يريد محاصرة إيران وعزل إيران وضرب إيران، هذه هي الحقيقة. المسألة في سوريا لم تكن على الإطلاق مسألة أنّ الشعب يريد هذا النوع من الانتخابات أو هذا النوع من الإصلاحات، فالرّئيس الأسد كان منفتحاً على الحوار، وعلى مناقشة أي خيارات يريدها الناس. ولكن الآخرين ذهبوا سريعاً إلى احتلال المناطق وضرب الجيش وضرب القوى الأمنية وضرب إدارات الدولة والعمل العسكري لإسقاط النظام، وفتحوا الحدود، وجاءت السفن التي تحمل الإمكانات العسكرية الهائلة. جون بايدن يقول شخصيّاً، جاؤوا بعشرات آلاف الأطنان من السلاح والذخيرة إلى سوريا، وأنفقوا مئات مليارات الدولارات من أجل أي شيء؟ من أجل ديموقراطية في سوريا؟ هل داعش وجبهة النصرة، هاتان الجماعتان، جماعةُ ديموقراطيّة؟ هم يقولون بأنّ الانتخابات كفر، ويقولون من يشارك في الانتخابات كافر، ويستبيحون دمه، هؤلاء يريدون أن يأتوا بالانتخابات إلى الشعب السوري؟ كان واضح -واليوم ثبت على كل حال- أنّ ما كان يجري في سوريا ليس له أي علاقة لا بالانتخابات ولا بالإصلاحات ولا بالديموقراطية ولا بأي شيء من هذا، لأنّ الرئيس الأسد كان حاضراً لمناقشة كل هذه الأمور. الاستعجال كان لإسقاط النّظام والسيطرة على سوريا، وبعد سنة ونصف -وهذا أمر أنا قلته في بعض وسائل الإعلام- أرسل الملك عبد الله بن عبد العزيز -أي بحدود ٢٠١٢ أو ٢٠١٣- مندوباً خاصّاً للرّئيس بشار الأسد، وأبلغه وقال، إذا [كانت] سوريا حاضرة أن تخرج من هذا المحور وتقطع علاقاتها بإيران وبحركات المقاومة فنحن حاضرون لأن نوقف كل شيء في سوريا، الجماعات المسلّحة نجد لها حلّاً، ونعترف بكَ رئيساً إلى الأبد، لا نريد إصلاحات ولا نريد أي شيء، وجاهزون لأن نقدّم مئات مليارات الدولارات لإعادة إعمار سوريا. إذاً الهدف مختلف تماماً عن مطالبات الشعوب في الربيع العربي. الهدف كان أخذ سوريا من موقعها التاريخي وتخلّي سوريا عن حقوقها، وبالتالي إخراج سوريا من محور المقاومة لتصفية القضيّة الفلسطينيّة وتثبيت الهيمنة على العراق وعزل إيران ومحاصرة إيران. حسناً، عندما يكون هذا هو فهمنا للمعركة، منذ اليوم الأوّل -وأنا أتمنى أن يساعد بعض الإخوة في إيران في نقل هذه المسائل- توجد تصريحات لمسؤولين أمريكيّين ولمسؤولين في المعارضة السوريّة، منذ اليوم الأول، كانوا يقولون نحن بعد أن ننتهي من سوريا سوف ندخل إلى لبنان للقضاء على حزب الله، وبعضهم كان يقول سوف نذهب إلى العراق. يعني الموضوع ليس موضوع سوريا فقط. حسناً، عندما يعترف ترامب بأنّ أوباما وكلينتون والسي آي ايه هي التي أوجدت هؤلاء وجاءت بهم إلى سوريا، هل حقيقة الهدف هو الديموقراطية والانتخابات في سوريا؟ أو الهدف هو تدمير سوريا؟ لذلك من اليوم الأول كان يوجد وضوح شديد عندنا أنّ هدف الحرب على سوريا غير مرتبط بكل ما يتصل بهذه المعاني، وإنّما إسقاط الدولة في سوريا وتدمير الجيش السوري والسيطرة على سوريا لإخضاعها ولإدخالها في قطار التنازل عن الحقوق والتسوية وتصفية القضية الفلسطينيّة والتطبيع مع إسرائيل والقضاء على كل آمال شعوب منطقتنا. نحن في لبنان مثلاً كنا في حزب الله مجمعين على  هذا الفهم، لم يكن هناك حتى رأي واحد مخالف في حزب الله حول هذا التقدير وهذا الفهم. سماحة السيد القائد (حفظه الله) بما هو مسدّد ومؤيّد من الله سبحانه وتعالى وبما لديه من وعي تاريخي وبصيرة عظيمة و[بما يتمتع به من] المواصفات القيادية المعروفة والاستثنائية كان لديه أيضاً هذا الوضوح الشديد. وأنا ذكرت هذا في بعض المناسبات أنه عندما ذهبنا.. البعض هنا يقولون أن إيران هي التي طلبت منا أن نذهب إلى سوريا وهذا غير صحيح. نحن الذين قررنا أن نذهب إلى سوريا، لأننا كنا نرى الخطر على سوريا وعلى لبنان بشكل قوي جدّاً، وأن المعركة ستنتقل إلى مدننا وإلى قرانا وإلينا بسرعة هائلة. ولكن أحببنا هذا الموضوع، لأنه في نهاية المطاف هذه معركة وتحتاج إلى إجازة ونحتاج أيضاً إلى دعم وإلى مساندة ولكن النقطة الأولى هي الأهم. فذهبت إلى سماحة السيد القائد وأنا شرحت هذه المعطيات وقدمت الاستدلالات ووجدت أن سماحة السيد القائد (حفظه الله) رؤيته أوضح وأعمق لما يجري في سوريا، من كل ما كنا نقوله أو ننقله. ولذلك هو كان موقفه واضح وحاسم في مسألة سوريا منذ الأيام الأولى، وقال هذه مؤامرة ومخطط لإسقاط سوريا والهدف هي سوريا وموقع سوريا في المقاومة وفلسطين والقضية الفلسطينية ومحور المقاومة وأيضاً الهدف هي الجمهورية الإسلامية في إيران. لأنّ هؤلاء بعد الانتهاء من سوريا سينقلون المعركة إلى لبنان وإلى العراق وإلى إيران أيضاً. وهذا الذي حصل. هم جاؤوا إلى لبنان واحتلّوا جزء من البقاع اللبناني ولو استطاعوا أن يتمدّدوا أكثر لفعلوا. لكن نحن وقفنا في وجههم ووقف في وجههم الجيش اللبناني وحاصرناهم في المناطق الجبليّة. وشاهدتم في العراق كيف أنهم بسرعة انتقلوا من شرق الفرات ومن سوريا إلى العراق، وفي أيام قليلة سيطروا على محافظة الأنبار التي هي قرابة ربع مساحة العراق أو أكثر، ومحافظة الموصل وصلاح الدين ومحافظات أخرى، وأصبحوا على بعد ٢٠ كيلومتر من مدينة كربلاء و٤٠ كيلومتر من مدينة بغداد. يعني ما قاله سماحة السيد القائد في اليوم الأول لأحداث سوريا هو الذي كنا نشاهده خلال السنوات التي مضت. هنا الموقف الحاسم لسماحة السيد القائد إلى جانب سوريا. حسناً، الجمهورية الإسلامية أيضاً أخذت هذا الموقف، في لبنان نحن أخذنا هذا الموقف فذهبنا إلى سوريا وقاتلنا في سوريا، والقيادة السورية صمدت صموداً كبيراً جدّاً، والجيش السوري صمد، وجزء كبير من الشعب السوري كان مع النظام وإلى جانب النظام وصمد، ولذلك نحن دائماً نقول أن صمود القيادة السورية والجيش السوري والشعب السوري هو العامل الأول بعد عناية الله سبحانه وتعالى. نحن؛ حزب الله والجمهورية الإسلامية وبقية الأصدقاء الذين جاؤوا من العراق أو من أماكن أخرى، ولاحقاً عندما جاءت روسيا، نحن جميعاً عوامل مساعدة. وإلا لو أن القيادة السورية انهارت أو استسلمت، أو الجيش السوري انهار، أو الشعب السوري تخلى عن هذه المواجهة لما استطعنا كلنا أن نفعل شيئاً، نحن عامل إضافي وعامل مساعد. وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن. أيضاً هنا أختم هذا المقطع أيضاً بخاطرات من لقائي مع سماحة السيّد القائد ومن كرامات هذا السيد العزيز والعظيم ما يلي: أنه في ذلك الوقت -يعني ٢٠١١- عندما ذهبنا، كان هناك تحالف دولي وكانت كل دول العالم تقول أن سوريا ستسقط خلال شهر أو شهرين فقط. الدول العربية كلّهم كانوا يقولون ذلك. حتّى بعض أصدقائنا كانوا يقولون ذلك. نحن كنا جدّاً قلقين، في الحدّ الأدنى إن لم نقل ذلك، لم يكن لدينا وضوح. كنا قلقين جدّاً. حتّى بعض الدول عرضوا علينا، مثل قطر، لأنّه كانت لدينا علاقات معها قبل الأحداث في سوريا، ومثل تركيا، جاء السيد داوود أوغلو إلى لبنان، كان في ذلك الحين في موقع المسؤوليّة.

 

هل حصل ذلك قبل انعقاد مؤتمر اسطنبول أو بعده؟

لا هذا بعد الأحداث وقبل لقاءات آستانة، وآستانة جاءت بعد داوود أوغلو. أي أنني أتحدث في السنة الأولى وفي السنة الثانية من الأحداث، بل في السنة الأولى. وقالوا نحن حاضرون أن نشكّل لكم ضمانة، أنتم قفوا جانباً ولا تراهنوا لأنّ سوريا ستسقط خلال شهرين أو ثلاثة أشهر. الكثير من المسؤولين في إيران كانوا متأثّرين أيضاً بهذه المناخات. ولكن في تلك الجلسة، سماحة السيد القائد (حفظه الله) وخلافاً لما تقوله دول العالم وخبراء المنطقة وأغلب المسؤولين في إيران، سماحة السيد القائد قال لي: نحن يجب أن نعمل لتنتصر سوريا ولينتصر الرئيس بشار الأسد، وهم سينتصرون. في الوقت الذي كان كل العالم يقول شيء آخر. لكن بعد سنة أو سنتين بدأت ملامح هذا التوقع من قبل سماحة السيد القائد تتحقّق، إلى أن وصلنا إلى الآن. الآن نحن أمام نصر كبير جدّاً ونصر تاريخي وعظيم جدّاً في سوريا. تصوّر لو أن داعش والنصرة -ومن خلفهما الولايات المتحدة الأمريكية وآل سعود وآخرون- انتصروا في سوريا وسيطروا على سوريا. ما هو مصير سوريا؟ ما هو مصير لبنان؟ ما هو مصير العراق؟ ما هو مصير إيران؟ ما هو مصير شعوب المنطقة؟ صفقة القرن لم تكن لتتحقق الآن، بل كانت تحققت منذ زمن طويل. ماذا سيكون مصير فلسطين والقدس عندما يأتي محمد بن سلمان ويقول للفلسطينيّين اقبلوا بالفتات الذي يقدّم إليكم. الانتصار الذي حصل في سوريا إذا أردنا أن نعلم عظمته، يجب أن نقلب السؤال ونقول: لو لم ننتصر في سوريا، لو هزمنا في سوريا -أقصد محورنا-، لو انتصروا هم في سوريا، كيف كان اليوم مشهد المنطقة في سوريا، في لبنان، في فلسطين، في العراق، في إيران وفي كل المنطقة؟ حين نجيب على هذا السؤال نفهم أهمية ما قام به كلّ الذين قاتلوا وصمدوا في سوريا.

 

لقد أكّدتم مرّات عديدة أنّ حكام مختلف الدول أجروا اتصالات مع الرّئيس بشار الأسد وقدّموا له وعوداً مختلفة إن كانت ماليّة أو سياسيّة كما ضمنوا له بقائه في سدّة الحكم لكنّه في نهاية الأمر لم يقبل هذه الوعود والاقتراحات. ما هي دلالة ثبات وصمود الرّئيس بشار الأسد بوجه هذه الوعود وما الذي جعله قادراً على تحمّل هذه الضغوط إلى هذا الحدّ؟

بالدرجة الأولى عدم ثقته بهم، وأيضاً قراءته لتجربة هؤلاء، لأنّ هؤلاء كلهم يمشون في مسار تقديم التنازلات، وهو رجل ليس جاهزاً ليقدّم أي تنازل فيما يتعلّق بالثوابت الأساسية وما نسمّيه بالثوابت القوميّة والوطنيّة، ويعتبر أنّ أي تنازل في الثوابت القومية والوطنية يهدد وجود سوريا وبقاء سوريا ووحدة سوريا ومكانة سوريا في المنطقة.