خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 27 محرم 1441 هـ

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهية) (التعرض للدعاء رحمة والإعراض عنه عذاب)

الخطبة الأولى:

إنّ فطرة الله التي أودعها في الإنسان تدفعه للارتباط بخالقه والتواصل معه، وهو تعالى بدوره وجّهه للدعاء والمناجاة سبيلاً أمثلَ لتلبية حاجته الفطرية تلك، ما يجعل منهما مفتاح باب التعرّض لرحمته؛ فقد روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): “الدُّعاءُ مِفتاحُ الرَّحمَة”() .أي أن الانسان إذا أراد أن تأمن حاجته الفطرية فلابد من من الأخذ بالمفتاح و هو الدعاء.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: “الدُّعاءُ مِفتاحُ الرَّحمَةِ، ومِصباحُ الظُّلمَةِ”()  .فإن كانت الرحمةُ الإلهيةُ بمعنى إفساح المجال للعباد كي يرِدوا مناهلَ نعمه وآلائه والدخول لأعتاب فضله والتواصل معه بدون قيدٍ أو حدٍّ، فالدعاء أجلى مصاديق تحقّقه بخلق صلةٍ تقوم على العشق وتَتَمَظهَر بالنجوى معه؛ ما يجعل العبدَ يعيش أجملَ لحظات حياته معه، مصداقاً للرحمة الإلهية التي لولاها لَما ذاق العبدُ حلاوةَ التواصل المباشر مع الله دعاءً ومناجاةً، ولَما أُتيحَت له فرصةُ الحضور في أعتاب قدسه والاستماع لنجواه؛ فعن عيسى (عليه السلام) في مَواعِظِهِ لأِصحابِهِ: “بِحَقٍّ أقولُ لَكُم: إنَّ الشَّمسَ نورُ كُلِّ شَيءٍ، وإنَّ الحِكمَةَ نورُ كُلِّ قَلبٍ، وَالتَّقوى رَأسُ كُلِّ حِكمَةٍ، وَالحَقَّ بابُ كُلِّ خَيرٍ، ورَحمَةَ اللّه ِ بابُ كُلِّ حَقٍّ، ومَفاتيحُ ذلِكَ الدُّعاءُ وَالتَّضَرُّعُ وَالعَمَلُ، وكَيفَ يُفتَحُ بابٌ بِغَيرِ مِفتاحٍ ؟!” ().

فالدعاء-عبادَ الله- جامعٌ لكافة مصاديق الرحمة الإلهية؛ إذ بهُداهُ يبلغ العبدُ مواطن النور والحكمة والتقوى، ليبدِّدَ ظلمات النفس وحجب القلب؛ حتى إنّ الدعاء أفضلُ علاجٍ لأمراض الروح؛ فعن فلاح السائل عن جميل بن درّاج: “دَخَلَ رَجُلٌ عَلى أبي عَبدِ اللّه ِ(عليه السلام) فَقالَ لَهُ : يا سَيِّدي، عَلَت سِنّي وماتَ أقارِبي، وأنَا خائِفٌ أن يُدرِكَنِيَ المَوتُ ولَيسَ لي مَن آنِسُ بِهِ وأرجِعُ إلَيه.ِ  فَقالَ لَهُ: إنَّ مِن إخوانِكَ المُؤمِنينَ مَن هُوَ أقرَبُ نَسَباً أو سَبَباً، وأُنسُكَ بِهِ خَيرٌ مِن أنسِكَ بِقَريبٍ، ومَعَ هذا فَعَلَيكَ بِالدُّعاءِ” ().

عبادَ الله، إنّ الدعاء الخطوةُ الأولى في مسير التقرّب إلى الله؛ فلا يمكن التواصل مع الله دون استئذان، وقد أذن الله بذلك وشرَّعَ الباب لذلك أمام عباده. حتى صار الدعاءُ معياراً لقياس مدى القرب من الله والبعد عنه؛ فعن الإمام عليّ (عليه السلام): “التَّقَرُّبُ إلَى اللّهِ تَعالى بِمَسأَلَتِهِ، وإلَى النّاسِ بِتَركِها” ().

وعنه (عليه السلام): “الحُظوَةُ عِندَ الخالِقِ بِالرَّغبَةِ فيما لَدَيهِ. الحُظوَةُ عِندَ المَخلوقِ بِالرَّغبَةِ عَمّا في يَدَيهِ” () .

عبادَ الله، إنّ الدعاء يعود بالخير كلِّه للإنسان؛ فهو المستفيد وحدَه من تواصله مع الله، لتعليق كافة شؤونه بإرادة الله الذي لا يعزب عن علمه شيئ في الأرض ولا في السماء؛ فعن الإمام عليّ (عليه السلام): “أربَعٌ لِلمَرءِ لا عَلَيهِ: الإِيمانُ وَالشُّكرُ … وَالاِستِغفارُ … وَالدُّعاءُ؛ فَإِنَّهُ قالَ [ تَعالى ]: “قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ” ().

من هنا نفهم حقيقة الدعاء كما ورد في الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين (عليه السلام) عندما يناجي ربه في وداع شهر رمضان بالقول:

“… وقُلتَ : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ» فَسَمَّيتَ دُعاءَكَ عِبادَةً وتَركَهُ استِكباراً، وتَوَعَّدتَ عَلى تَركِهِ دُخولَ جَهَنَّمَ داخِرينَ…”.

فإن كانت العبادة عنوانَ التقرّب لله، فالدعاء أبرزُ مصداقٍ لها.

الخطبة الثانية:

تعاني العلاقات الدولية في عالمنا المعاصر من غياب العدالة وترجيح الكفة لصالح القوى المتغطرسة، ما ينعكس ظلماً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وبيئياً يلقي بظلاله الثقيلة على مختلف المستويات. ولا أَدَلَّ على ذلك اقتصادياً من استيلاء عدة قليلة جشعة على أغلب الثروات في العالم، لتعيش الأغلبية الساحقة من الشعوب في فقر مدقِع.

ففي الوقت الذي تصرَف المليارات الأمريكية في السعودية على قتل الأبرياء في اليمن، هناك شرائحُ اجتماعية في السعودية نفسِها تعيش تحت خط الفقر. والأمرُ نفسُه ينطبق على أمريكا.

أما الظلم على مستوى السياسة الدولية، فحدِّثْ ولا حَرَج عن الحروب والدمار والتهديدات والتضييقات والعقوبات الاقتصادية التي تمارسها القوى المتغطرسة لفرض هيمنتها وسيطرتها على الدول والشعوب، حتى صارت المعاييرُ المزدوَجةُ هي الحاكمة؛ فنرى بعض الدول لها الحقُّ في امتلاك وإنتاج الاسلحة النووية والذرية والمحرمة دولياً، بينما يُمنَع آخرون من حق الاستثمار السلمي للطاقة النووية في الدواء والعلاج وتوليد الطاقة وغيرها من الحاجات الأساسية.

وما برحت الدول المستقلة والحرة تتجرّع غصص ذلك الجور؛ كالجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تتعرض لعقوبات اقتصادية جائرة منذ اكثر من اربعة عقود من الزمن نتيجة مواقفها المبدئية.

وكذلك العراق الذي لا يزال يعاني منذ سقوط النظام الصدامي و قبله حتى يومنا هذا بسبب تدخل القوى الاستكبارية والرجعية في شؤونه الداخلية.

أما في سورية فالجرحُ لمّا يندمِلْ بعدُ من الحرب الكونية الظالمة التي شُنَّت عليها طوال أكثر من سبع سنوات. وكذلك الأمرُ بالنسبة لليمن المظلوم الذي شهد خلال الحرب الظالمة عليه مجاعةً حقيقيةً بكل معنى الكلمة وسط صمت دولي مريب، وذلك نتيجةَ هيمنة القوى الاستكبارية – كأمريكا-  على المنظمات الدولية كالأمم المتحدة التي صارت أشبهَ بأداةٍ طيِّعةٍ لتمرير سياساتها العدوانية.

وما دعم الكيان الصهيوني الغاصب الذي لقي اعترافه المزعوم كدولة في الأمم المتحدة على حساب حق الشعب الفلسطيني، والسكوت وتحريف الحقائق عن استخدام الأسلحة المحظورة دولياً وارتكاب أبشع المجازر بحق الأبرياء من قبل الإرهابيين التكفيريين المدعومين استكبارياً وصهيونياً ورجعياً في سورية، وكذلك التغاضي عن الظلم اللاحق بشريحة واسعة من أبناء الشعب النيجيري والاعتقال التعسفي للشيخ الزكزكي وزوجه وقتل أبنائه، سوى نماذج عن الجور والظلم الذي يسود النظام العالمي.

ولكن هل يعني ذلك أن تستسلم الشعوب للأمر الواقع دون أن تحرك ساكناً؟ إنّ الإجابة بالنفي طبعاً، لا سيما في ضوء التجارب الناجحة التي قدمها عصرنا الحديث عن مشاريع المقاومة والصمود والتي اكتسبت زَخَماً قوياً بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة بقيادة الإمام الخميني (رض)؛ حين قلبَ المعادلات لصالح المظلومين، ليبُثَّ الحياةَ من جديد في الأمة الإسلامية وأحرار العالم ويعيد الأمل فيهم بحتمية انتصار الدم على السيف واستعادة الحقوق المسلوبة بالتضحية والصمود والإيمان والإخلاص، ما خلق النواةَ الأولى لمحور المقاومة الذي يجمع المظلومين في مواجهة الظالمين.

نعم! إن محور المقاومة بمعناه الحقيقي أوسعُ بكثير من مجرد موقف سياسي، فهو يمثل خط العدالة والمطالبة بالحقوق العادلة التي طالما تاقت البشرية لتحقيقها في مواجهة ظلم المستكبرين وجورهم. وهو المحور الذي يمهد لظهور منقذ الإنسانية الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

إن محور المقاومة، في الحقيقة، هو دعوة كافة المسلمين للوحدة والانسجام في مواجهة الفتن والمستكبرين الذي يبثونها؛ فالعدالة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل الوحدة والاتحاد، وهو المنهج الذي اختَطَّه الإمام الخميني (رض) ورسّخه الإمام الخامنئي (دام ظله)، دعماً لحقوق الشعوب المستضعفة، حتى تتحول المظلومية بالمقاومة إلى أجلى مظاهر العزة ومواقف الكرامة في مواجهة دعاة الذلة والهوان أينما كانوا.

ولن تمضي الأيام والسنوات إلا وقد تحول محور المقاومة إلى منبر للشعوب الحرة والمظلومة كي تبرز مواقفها الحقة قولاً وفعلاً، دون الحاجة لا للجمعية العامة للأمم المتحدة ولا لغيرها. إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.

عن الخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) بإسناده عن أبي خالد ، عن زيد ، عن أبيه ( عليه السلام ) ، إنّ سهل بن سعد قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار، قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول؛ فقلت في نفسي، لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن. فرأيت قوماً يتحدثون، فقلت: يا هؤلاء، ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك غريباً، فقلت أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحملت حديثه. فقالوا: يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تخسف بأهلها. قلت: ولم ذاك؟ فقالوا: هذا رأس الحسين عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يهدى من أرض العراق إلى الشام، وسيأتي الآن. قلت: واعجباه! أيهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟ فمن أي باب يدخل ؟ فأشاروا إلى باب يقال له: باب الساعات.فسرت نحو الباب، فبينما أنا هنالك، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان؛ وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله. وإذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء، فدنوت من إحداهن فقلت لها: يا جارية من أنت؟ فقالت: سكينة بنت الحسين. فقلت لها: ألك حاجة إلي؟ فأنا سهل بن سعد، ممن رأى جدك وسمعت حديثه.

قالت: يا سهل قل لصاحب الرأس أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا، فنحن حرم رسول الله .قال: فدنوت من صاحب الرأس وقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار ؟

قال: وما هي ؟ قلت: تُقدِّمُ الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك، ودفعت له ما وعدته…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*