خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 5 صفر المظفر 1441 هـ

الجمعة 5 صفر المظفر 1441

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهية) (الدعاء حضور في محضر الله)

الخطبة الأولى:

إنّ الحثّ على الدعاء ممّا أكّد عليه القرآن وأوصى به المعصومون (ع) أيَّما توصيةٍ؛ ألا تسمعون قول الله – جلَّ مِن قائلٍ – في كتابه الكريم: Pوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَO (سورة البقرة، 186). Pوَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَO (سورة غافر، 60). وكذلك قوله تعالى: Pوَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَO (سورة الأعراف، 29).

وإن كان تعالى قد ضمن إجابة الدعاء، فهل يعني ذلك انتفاء الحاجة له في حال عدم الإجابة؟ وهل الإجابة هي غاية الدعاء فحسب؟

عبادَ الله، إنّ الله حكيم لا يعمل بخلاف مقتضى حكمته؛ فلا يمكن لأي وسيلةٍ من قبيل الدعاء أن تؤثِّر فيها تغييراً، ما يجعل طلبَ الداعي غيرَ خارجٍ من إحدى حالتين: إما أن يكون صلاحاً له فيستجيب الله، أو لا صلاحَ له فيه فلا يستجيب. فإن كان الأمر كذلك، فما دور الدعاء في هذه الحالة؟

للدعاء دورٌ مهمٌّ جداً، إذ إنّ من الحاجات ما ارتهن صلاحها بالدعاء، فإن طلبها العبدُ صار تحقيقها صلاحاً له، وإلا فلا. فعن الصادق (عليه السلام): “يا ميسر، ادعُ الله ولا تقل إن الأمر قد فُرغَ منه؛ إنّ عند الله منزلةً لا تُنال إلا بالمسألة، ولو أنّ عبداً سدَّ فاهُ ولم يسألْ لم يُعطَ شيئاً، فاسأل تُعطَ. يا ميسر، إنهُ ليسَ يُقرَعُ بابٌ إلا يوشِك أن يُفتَح لصاحِبِه” (الكافي، ج2، ص466).

ما يبيّن موضوعية الطلب والدعاء بغضّ النظر عن الإجابة. فعدم الطلب من الله يعني حرمان العبد من فضل الارتباط بالله؛ فقد ورد في الحديث عن الصادق (عليه السلام): “منْ لم يَسأل اللهَ مِنْ فَضلِهِ افتَقَرَ” (مكارم الأخلاق، ص268).

إن كان ظاهر الحديث ربط مسألة الله بالحصول والغنى، والإعراض عنه بالفقر، إلا أن الأمر أبعدُ من ذلك وأوسعُ برأيي المتواضع؛ فالتواصل وإبقاء حالة الارتباط مع جهةٍ ما مؤشِّرٌ على حسن العلاقة وعدم انغلاق باب الحديث عند الحاجة، كما تذهب إليه الأعراف الدبلوماسية فيما يخص السفارات التي يشير بقاؤها في دولةٍ ما على استمرار قنوات الاتصال وحسن العلاقات، ولله المثلُ الأعلى. فانقطاع الدعاء يعني غياب التواصل مع الله والحرمان من التعرض لفضله، وهو تعالى مصدر كل خير، ما يجعل العبد فقيراً بكل معنى الكلمة.

فالعبودية، وهي من أعلى درجات القرب إلى الله ومطلوبه، باعتبارها تعبيراً عن منتهى الخضوع والخشوع والافتقار إلى الحق، تتجلى في الدعاء؛ يقول تعالى: Pوَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِO (الذاريات، 56). فالدعاء عبادة، بل هو جوهر العبادة ومخها؛ فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): “الدعاءُ مُخُّ العبادة” (بحار الأنوار، ج90، ص300).

وكأن العباداتِ كلَّها لا تكتمل إلا باستيعاب حقيقة الدعاء، المتمثلة بالارتباط بالله وإظهار العبودية له، ما يجعله سبباً للأجر والمثوبة أيضاً؛ فقد ورد في الأثر:  “دعاء المؤمن يُضاف إلى عمله ويثاب عليه في الآخرة كما يثاب على عمله” (عدة الداعي، ص24).

عبادَ الله، في ضوء ما ذكرنا، يظهر أن إجابة الدعاء أبلغ تعبير عن حب الله لعبده الذي يحضر محضرَه، والله أكرمُ من أن يردّ من دعاه خائباً. وإياكم أن تحصروا إجابة الدعاء بتلبية الحاجة فحسب؛ إذ قد يرى الكريم مصلحةً في عدم تلبية حاجة العبد لضرره عليه. فالأمُّ أحياناً على عطفها بطفلها تحرمه من بعض الأمور لصالحه، فكيف بأرحم الراحمين!؟ ولعل أبلغ تعبير عن تلك الحالة ما ورد في دعاء الافتتاح:

“وَلَعَلَّ الَّذي أبْطأَ عَنّي هُوَ خَيْرٌ لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الأمُورِ، فَلَمْ أرَ مَوْلاً كَريماً أصْبَرَ عَلى عَبْد لَئيم مِنْكَ عَلَيَّ يا رَبِّ، إنَّكَ تَدْعُوني فَاُوَلّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَاَتَبَغَّضُ اِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقْبَلُ مِنْكَ، كَأنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لي، وَالإحْسانِ إليَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجاهِلَ وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إحْسانِكَ إنّكَ جَوادٌ كَريمٌ”

وورد في الحديث: ” إن العبدَ يَدْعُو اللهَ وهو يُحِبُّه، فيقولُ اللهُ عز وجل: يا جبريلُ! اقْضِ لعبدي هذاحاجتَه وأَخِّرْها، فإني أُحِبُّ أن لا أزالَ أسمعُ صوتَه، وإن العبدَ لَيَدْعُو اللهَ وهو يُبْغِضُهُ، فيقولُ اللهُ عز وجل: يا جبريلُ اقضِ لعبدي هذا حاجتَه وعَجِّلْها، فإني أكرهُ أن أسمعَ صوتَه”.

إنّ كثرة الدعاء والمواظبة عليه علامة حب الله؛ لا تلبية الحاجة من الدعاء، بل إن رحمة الله تحفُّ العبد الملحَّ في دعائه، فقد ورد في الأثر: “رحم الله عبداً طلب من الله شيئاً فألح عليه”، لأن الإلحاح تعبير عن الإصرار في الارتباط مع الله مهما كانت النتائج والظروف، وهو غاية الخلق والعبادة. فإن أردنا استخلاص مفهوم الدعاء، باعتباره رمزاً للارتباط مع الله وتسليماً لأمره في الإجابة، ما علينا سوى ترديد عبارات أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء كميل، والتي تجسد غاية العشق الإلهي في الدعاء:

“فَلَئِنْ صَيَّرْتَنِي لِلْعُقُوباتِ مَعَ أَعْدائِكَ، وَجَمَعْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِ بَلائِكَ، وَفَرَّقْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحِبّائِكَ وَأَوْلِيائِكَ؛ فَهَبْنِي يا إِلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبِّي، صَبَرْتُ عَلَى عَذابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِراقِكَ؟ وَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلى كَرامَتِكَ؟ أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجَائِي عَفْوُكَ؟ فَبِعِزَّتِكَ يا سَيِّدِي وَمَوْلايَ أُقْسِمُ صادِقاً، لَئِنْ تَرَكْتَنِي نَاطِقاً لَأَضِجَّنَّ إِلَيْكَ بَيْنَ أَهْلِها ضَجِيجَ الآمِلِينَ، وَلَأَصْرُخَنَّ إِلَيْكَ صُراخَ المُسْتَصْرِخِينَ، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بُكاءَ الفاقِدِينَ، وَلَأُنادِيَنَّكَ أَيْنَ أَنْتَ يا وَلِيَّ المُؤْمِنِينَ، يا غايَةَ آمالِ العارِفِينَ، يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ، يا حَبِيبَ قُلوُبِ الصّادِقِينَ، وَيا إِلهَ العالَمينَ”

الخطبة الثانية:

ها نحن قد دخلنا شهر صفر الذي يعجُّ بالأحداث والذكريات الإسلامية الطافحة بالدروس والعبر؛ إذ يصادف اليوم التاسع من شهر صفر ذكرى اسشتهاد الصحابيّ الكبير والمجاهد العظيم عمار بن ياسر (رض).

ولا ريب في أنّ التعرّف على الرعيل الأول من رجالات الإسلام يسلّط مزيداً من الضوء على مرحلةٍ مهمّة من تاريخ ديننا، ما يُعيننا في بناء حاضرنا ومستقبلنا؛ باستلهام الدروس والعِبَر لتجاوز العقبات والتحدّيات. وحَرِيٌّ بنا أن نقرأ التاريخ بتمعّنٍ كي نأخذ دورنا في صناعته لصالح أنفسنا ومجتمعِنا وأمّتِنا متجنّبين تكرارَ مآسيه؛ وقد بلغ من اهتمام الإمام عليّ (عليه السلام) بالتاريخ أنّه حثّ ابنه الإمام الحسن (عليه السّلام) على دراسته بعين الناقد الفاحص وذلك في الوصية التي كتبها إليه عند انصرافه من صفّين، قال فيه:

“أيْ بُنَيَّ إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إلَيَّ مَنْ أُمُوِرِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلَهَمْ إلى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مَنْ ضَرَرِه”(نهج البلاغة، الخطبة 31).

وفي عصر الفتن والتحوّلات المتسارعة التي نعيشها هذه الأيام، تزداد الحاجة للعودة إلى التاريخ بالبحث عن الشخصيات التي لم تَحِدْ عن مبادئها قيدَ أنمُلة في مواجهة التحدّيات التي واجهها الإسلام في عصر الفتنة الكبرى؛ حيث كان الحقّ قد اختلط بالباطل، سقط خلالها البعض أمام مُغرَيات الدنيا وتقلّبات الدهر، بينما ثبتت القلّةُ على الصراط المستقيم، فصار ذكرهم خالداً واسمهم عاطراً؛ ومنهم صاحب الذكرى عمار بن ياسر الذي تميّز بنفاذ البصيرة في الحقّ واتّباع علي (عليه السلام)، حتى قال (رض): “واللهِ لو ضربونا حتَّى يبلغوا بنا السعفات من هجرٍ لعلمنا أنَّا على الحقِّ، وأنَّهم على الباطل”.

لقد استثمر ذلك الصحابي الجليل تجربته الطويلة في الدفاع عن الإسلام لبناء منظومة فكرية عقائدية صلبة تتكسر عليها أمواج الشبهات، حتى صار بنفسه معياراً لتحديد الحق والباطل. فقد كان أحد السابقين الى الإسلام والجهر به. هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وأحداً والخندق و بيعة الرضوان. وکان النبي (صلى الله عليه وآله) يلقبه “الطيّب المطيّب”. (الاعلام للزركلي، ج5، ص36-37).

ومنذ دخوله الإسلام لم يترك موقفاً فيه لله ولرسوله رضىً إلا وشارك فيه بعزم راسخ وإيمان لا يلين، يدافع عن الإسلام ورسالته، وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) كان في عداد أنصار علي (عليه السلام) قاتل معه في الجمل وصفين حتى استشهد، وصلى عليه علي (عليه السلام) متأثراً لفقده؛ إذ فقد أخلص أصحابه وأفضلهم، وقُطع عضده المقتدر، واغتمّت نفسه المقدّسة وضاق صدره، فقال: “رحم الله عمّاراً يوم أسلم، ورحم الله عمّاراً يوم قُتل، ورحم الله عمّاراً يوم يُبعث حيّاً”.(موسوعة الإمام علي (ع)، محمد محمدي الريشهري).

نعم أيها الأعزة، كان عمار نموذجاً لمن استوعب التاريخ ببصيرة فاختار طريق الحق، فوقف مواقفه التاريخية ملازماً الحقَّ وأهلَه. وقد كرر التاريخ مع عمار قصة استشهاده وهو شيخ يربو على التسعين من عمره، حين استهدفت الجماعات التكفيرية مقامه الشريف بالرقة؛ وليس بغريب عنهم ذلك العمل الشائن وهم ارتكبوا أشنع الجرائم بحق الإنسانية؛ قاتلهم الله أنى يؤفكون.

كما كرر التاريخ نفسه مع عمار ولكن في صورة ناصعة هذه المرة حين شهدنا في السنوات الأخيرة كثيراً من المجاهدين نظير عمار بن ياسر في محور المقاومة وفي هذا البلد الحبيب سورية من الشعب السوري المقاوم والقوى الحليفة والرديفة، ومنهم القائد البطل الحاج أبو وهب الشهيد همداني الذي استشهد قبل سنوات في حلب، ونحن نعيش ذكرى استشهاده هذه الأيام؛ فقد كان الشهيد همداني نموذجاً عمارياً للشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الدين وقيمه السامية والوطن.

و كما أنّ الإمام علي(ع) كان يفتخر بعمار، كذلك اليوم يفتخر قادة الأمة بالشهداء والمجاهدين والجرحى الذين نعتبرهم صناع العز والفخر والشرف. وممن يبشرون الأمة بمستقبل زاهر زاخر بالنصر والأمل، و هذا هو الذی دعا الإمام الخامنئي دام ظله ليستبشر بالمستقبل بوجود عماريي العصر؛ ففي لقاء سماحته الأخير مع قادة حرس الثورة الإسلامية أكّد الإمام الخامنئي على أنّ سياسة الضّغط القصوى التي اتّبعها الأمريكيّون ضدّ إيران مُنيت بالهزيمة وأوضح سماحته قائلاً: “كانوا يظنّون أنّه لو تركّزت سياسة الضّغوط القصوى على إيران فسوف تُجبر الجمهوريّة الإسلامية على أن تلين؛ لقد أدركوا حتّى هذه الساعة أنّ سياسة الضغوط القصوى أوقعتهم هم في المشاكل بحول وقوّة من الله”.

وما هذا الإنجاز إلا بفضل حضور العماريين في كل ساحٍ بمحور المقاومة، الذي بلغ من العزة مستوىً دفع الرئيس الأمريكي كي يلتمس من الرئيس الإيراني أن يلبي طلبه بالتقاط صورة تذكارية معه في الأمم المتحدة ليعرضها على الشعب الأمريكي كإنجاز له في مواجهة الجمهورية الإسلامية، ولكن أحلامه ذهبت أدراجَ الرياح، لأن محور المقاومة يأبى الخنوع والتنازل أمام التهديدات، بل هو على أتمِّ جهوزيةٍ في التعامل مع الفتن، ما ظهر منها وما بطن؛ حيث أشار إمامنا القائد في كلمته الأخيرة إلى تهديدات الأعداء وخاطب سماحته قادة الحرس الثوري قائلاً: “لا تخشوا العدو أبداً لكن فلتحافظوا على اليقظة التامة وليكن لديكم تقييم واقعي وصحيح للعدو. ينبغي أن لا يُخشى من العدو مهما كان قويّاً وأيضاً لا ينبغي عدم الاكتراث للعدو مهما كان صغيراً”.

لقد ألحق محور المقاومة بيقظته الهزيمة بالأعداء في المنطقة، حتى صار الأمريكان يلتمسون الأعذار باللجوء للكذب تبريراً لإخفاقاتهم بالادعاء أنهم قضوا على داعش، وقد لفت الإمام الخامنئي إلى الأثمان التي تكبّدها الأعداء خاصّة أمريكا في أفغانستان، والعراق وسوريا قائلاً: “لقد أوجدوا داعش بعد دفع أثمان باهظة ومدّوه بالدّعم التسليحي، والمالي والدّعائي والآن بعد أن أزيل داعش بهمّة الشباب في سوريا، والعراق وإيران يكذبون ويقولون بأنّنا سحقنا داعش!”.

ونقول للأعداء جميعاً: لقد دخلنا عصر المقاومة التي تأبى الخنوع والهوان أمام غطرسة الاستكبار والصهيونية، ولن تحيد عن ثوابتها قيدَ أنملة مهما بلغت التحديات واشتدت الظروف.

أيها المؤمنون والمؤمنات، يصادف اليوم ذكرى استشهاد طفلة الحسين (عليه السلام) رقية التي تجسد رمز التضحية الحسينية بأغلى ما يملك في سبيل الحق، ولكن ذلك لا يمنع من التأثر بمصابها الذي يهد الجبال الرواسي؛ ألا ساعد الله قلب زينب على ذلك!

نعم، إنها مولاتنا السيدة رقيه بنت الإمام الحسين(عليه السلام) التي كانت بنتا صغيرة له، وتوفيت عند رأس أبيها بخربة الشام وعند عمتها زينب وأم كلثوم وعند الإمام الباقر الذي له أربع سنين أو سنتان و نصف (حسب اختلاف الروايات)، ودفنت بخربة الشام.

قال المحدث القمي: “وفي كامل البهائي نقلاً من كتاب الحاوية أن نساء أهل بيت النبوة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم ويقلن لهم إن آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا، وكان الحال على ذلك المنوال حتى أمر يزيد بأن يدخلنَ داره، وكان للحسين ( عليه السلام ) بنت صغيرة لها أربع سنين قامت ليلة من منامها وقالت: أين أبي الحسين (عليه السلام ) فإني رأيته الساعة في المنام مضطرباً شديداً. فلما سمع النسوة ذلك بكين وبكى معهن سائر الأطفال وارتفع العويل ، فانتبه يزيد من نومه وقال: ما الخبر؟ ففحصوا عن الواقعة وقصوها عليه، فأمر بأن يذهبوا برأس أبيها إليها، فأتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها، فقالت: ما هذا ؟ قالوا: رأس أبيك . ففزعت الصبية وصاحت فمرضت وتوفيت في أيامها بالشام”.

وروى هذا الخبر في بعض التأليفات بوجه أبسط وفيه: “فجاؤوا بالرأس الشريف إليها مغطى بمنديل دبيقي، فوضع بين يديها وكشف الغطاء عنها، فقالت: ما هذا الرأس؟ قالوا: إنه رأس أبيك. فرفعته من الطست، حاضنة له وهي تقول : يا أبتاه! من ذا الذي خضبك بدمائك؟ يا أبتاه! من ذا الذي قطع وريديك؟ يا أبتاه! من ذا الذي أيتمني على صغر سني؟ يا أبتاه! من بقي بعدك نرجوه. يا أبتاه! من لليتيمة حتى تكبر؟ وذكر لها من هذه الكلمات إلى أن قال: “ثم إنها وضعت فمها على فمه الشريف  وبكت بكاء شديدا حتى غشى عليها ، فلما حركوها فإذا هي قد فارقت روحها الدنيا . فلما رأى أهل البيت ما جرى عليها أعلوا بالبكاء واستجدوا العزاء وكل من حضر من أهل دمشق فلم ير ذلك اليوم إلا باك وباكية” ( موسوعة شهادة المعصومين (ع)، ج 2، ص 386).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*