آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 12 صفر المظفر 1441 هـ

12 صفر المظفر1441

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهية) (الدعاء مناجاة عشق مَشوبٍ بالخوف والرجاء في محضر رب الأرض والسماء.)

الخطبة الأولى:

ذكرنا أنّ الدعاء حضورٌ في محضر الله، فليراقب العبدُ عند من يحضر، وليستحضر يقيناً أنّه أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ؛ إذ خلق الأشياء كلها لعبده، وخلقه لأجله. وَليعلمْ أنه أَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ؛ فهو مالك يوم الدين الذي ذرأ لجهنم كثيراً من الجنّ والإنس.

ومن أراد دركَ حقيقة الدعاء وحرص على استمرار حالة التواصل مع الله به، فلْيَعِشْ حالةَ العشقِ مناجاةً وإلحاحاً في الطلب بتوقّع الإجابة آمِناً، وسؤاله مُسْتَأْنِساً، لاخائِفاً وَلا وَجِلاً، مُدِلاً عليه فِيما قصدَ فِيهِ إِلَيْه، ولسانُ حاله: وَلَعَلَّ الَّذِي أَبْطَاءَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الاُمُورِ.

ولْيستحضِرِ العبدُ في دعائه حالةَ الخوف من الله أيضاً، مبرِّراً تأخير الإجابة لتقصيرٍ منه في حقِّ الله، ما جعل دعاءه محجوباً عن ذات قدسه تعالى، لذنوبٍ اجترحها، أو حقوق الناس التي ضيَّعَها، حتى امتنعت الملائكة عن رفع أعماله. أو لعلها الغفلةُ التي أقست قلبه عن ذكر الله. أو لعله سوء الظن بالله الذي أفسد عليه أمره. ولعله عدم استئهال مقام التواصل مع الله، وإلا لاستجاب الدعاء ومنح الإجابة. أو لعله مما لم يخطر بالبال من معاصٍ خفيةٍ طواها النسيانُ والجهلُ.

فإن وجَّهَ العبدُ اللوم لنفسه على تأخير الإجابة، وعلم أن ذنوبه هي التي قيَّدَته عن التوجه لمحبوبه، وشهواتِه هي التي حرمَتْه من رحمته، وثقل المعاصي أبطأت حركته في ميدان السالكين، ومنعَتْه عن العروج لدرجات الفائزين، فقد بلغ مقامَ الخوف من رب العالمين، الذي ينبغي أن يدفعه للسعي تعويضاً عما فرّطَ في جنبِ الله، لئلا يقع في شِراكِ الشيطان يأساً، إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.

فلْيبادر العبدُ لتفويت الفرصة على عدو الله بطرق باب رحمة الله رجاءً، وليضِجَّ إليه ضجيج الآملين، ولْيستصرخْه صراخ المستصرخين، ولْينادِه كما نقرأ في دعاء كميل: “يا ولي المؤمنين. يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين، ويا إله العالمين”.

فعندها يكون العبد قد حقّق مقامي الخوف والرجاء في نفسه بالدعاء، وهما مقامان لا يؤتيهما الله إلا المؤمنين من عباده؛ فعن أبي عبد الله (عليه السلام) لما سئل عما كان في وصية لقمان؟ قال: “كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف الله خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارجُ الله رجاءٌ لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي يقول: ليس من عبدٍ مؤمنٍ إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا” (الكافي، ج2، ص67).

بل إن بلوغ مقام الجمع بين الخوف والرجاء من أعظم الدعاء؛ فقد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قل: “اللّهمّ اجعلني أخشاك كأنّي أراك وأسعدني بتقواك ولا تشقني بنشطي لمعاصيك، و خر لي في قضائك، وبارك [لي] في قدرك حتّى لا أحبّ تأخير ما عجّلت ولا تعجيل ما أخّرت، واجعل غناي في نفسي ومتّعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارثين منّي، وانصرني على من ظلمني وأرني فيه قدرتك يا ربّ و أقرّ بذلك عيني” (الكافي، ج2، ص577).

عباد الله، إن الدعاء تجسيد للأمل ورفض اليأس، وهو سبرٌ لأعماق النفس ومراقبةٌ دقيقةٌ لأعمالها، إنّ النفس لأمّارةٌ بالسوء إلا من رحم ربي بالمناجاة والإلحاح بالطلب من الله، فقد جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وشكا له عدم استجابة دعائه، فقال الإِمام: “إِنَّ قُلُوبَكُمْ خَانَتْ بِثَمـَانِ خِصَال: أَوَّلُهَا: إِنَّكُمْ عَرَفْتُمُ اللهَ فَلَمْ تُؤَدُّوا حَقَّهُ كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَمَا أَغْنَتْ عَنْكُمْ مَعْرِفَتُكُمْ شَيئاً، وَالثَانِيَةُ: إِنَّكُمْ آمَنْتُمْ بِرَسُولِهِ ثُمَّ خَالَفْتُمْ سُنَّتَهُ، وَأَمَتُّمْ شَرِيعَتَهُ فَأَيْنَ ثَمَرَةُ إِيَمانِكُمْ؟! وَالثَّالِثَةُ: إِنَّكُمْ قَرَأْتُمْ كِتَابَهُ الْمُنْزَلَ عَلَيْكُمْ فَلَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَقُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ثُمَّ خَالَفْتُمْ، وَالرَّابِعَةُ: إنَّكُم قُلتُم تَخَافُونَ مِنَ النَّارِ، وَأنْتُم فِي كُلِّ وَقت تَقدُمُونَ إلَيها بِمَعاصِيكُم فَأينَ خَوفُكُم؟! وَالْخَامِسَةُ: إِنَّكُمْ قُلْتُمْ تَرْغَبُونَ في الْجَنَّةِ، وأَنْتُمْ في كُلِّ وَقْت تَفْعَلُونَ مَا يُبَاعِدُكُمْ مِنْها فَأَيْنَ رَغْبَتُكُمْ فِيهَا؟! وَالسَّادِسَةُ: إِنَّكُمْ أَكَلْتُمْ نِعْمَةَ الْمَوْلى فَلَمْ تَشْكُرُوا عَلَيْهَا! وَالسَّابِعَةُ: إِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِعَداوَةِ الشَّيْطَانِ، وَقَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً)، فَعَادَيْتُمُوهُ بِلاَ قَوْل، وَوَاليـَتمُوهُ بِلاَ مخَالَفَة. وَالثَّامِنَةُ: إِنَّكُمْ جَعَلْتُمْ عُيُوبَ النَّاسِ نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ وَعُيْوبَكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ تَلُومُونَ مَنْ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْلَوْمِ مِنْهُ فَأَيُّ دُعَاء يُسْتَجَابُ لَكُمْ مَعَ هَذا، وَقَدْ سَدَدْتُمْ أَبْوَابَهُ وَطُرُقَهُ؟ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا أَعْمَالَكُمْ وَأَخْلِصُوا سَرَائِرَكُمْ وَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَن الْمُنْكَرِ فَيَسْتَجِيبُ اللهُ لَكُمْ دُعَاءَكُمْ” (أعلام الدين، ج1، ص269).

فالدعاء تجديد للعهد فيما بين الله وعبده، وهو-في ضوء ذلك الحديث- من أجلى مظاهر الأخلاق الإلهية التي تربي الفرد والمجتمع في سبيل بناء مجتمع توحيدي معنوي يربط الأرض بالسماء؛ فهو مدرسة تربوية لكل الخصال الحميدة.

الخطبة الثانية:

في خِضَمِّ الأحداث التي شهدَتْها وتشهدُها منطقتُنا، سقطَت الأقنعةُ عن كثيرٍ من الوجوه القبيحة. وترسَّخَت قناعاتٌ كادت أن تهتزَّ بفعل آلة الاستكبار الإعلامية التي تتخذ من التزوير والتحريف سبيلاً لتمرير سياساتها.

من تلك القناعات التي طالما طرحتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودعَت العالمَ كلَّه لمشاركتها فيها، التحذير من السياسات الأميركية التي تدوس على القيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية في سبيل تمرير مشاريعها في الهيمنة والتسلط. ولطالما نبّهَت الجمهورية الإسلامية دول العالم وشعوبَه من الاغترار بشعارات الغرب البراقة في الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن الأقليات المزعومة باعتبارها أدواتٍ لتحقيق مآربها الشيطانية. وإلا كيف يمكن تبرير الصمت الغربي تجاه المجازر المروّعة بحق الأبرياء في اليمن والعراق وسوريا وأفغانستان وغيرها وبأسلحة غربية؟

وهنا، نستذكر قول إمامنا الخامنئي (دام ظله) حين بيّن في إحدى كلماته أن شعاراتنا التي نرفعها ضد أمريكا ليست من باب الحمية والعصبية، بل تقوم على خلفية فكرية دينية عميقة مستمدة من تجارب تاريخنا في الصراع معها؛ إذ لا أمانَ للأمريكان، ولا عهدَ ولا ميثاقَ لهم. ألم يصرِّح أحد الرؤساء العرب ممن كان محسوباً على الأمريكان وأطيحَ به لاحقاً: المتغطّي بالأمريكان عريان.

إن إدارةً تقوم سياستها على الغدر والخيانة ونكث العهود والمواثيق، لجديرة أن توصف بالشيطان الأكبر كما أطلق الإمامُ الخميني (رض) على الإدارة الأمريكية، وإن إدارةً مستعدةً لبيع أقرب المقربين إليها وارتكاب أفظع الجرائم بحق الأبرياء في سبيل مصالحها التوسعية لَتستحقُّ لقب الطاغوت الأعظم كما وصف الإمامُ الخامنئيُ (دام ظله) الإدارةَ الأمريكيةَ.

لن أسترسل في استعراض الأمثلة التاريخية عن غدر الإدارات الأمريكية وضربها عرضَ الحائط لكافة مواثيقها وتعهداتها حتى مع أقرب حلفائها وأصدقائها كبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وسأكتفي بحديث الساعة و طعنها للأكراد في الظهر بشمالي سوريا حين تخلت عنهم أخيراً عرضةً للنهش والقتل والتدمير.

إننا إذ نعلن استنكارنا وإدانتنا لانتهاك حرمة وسيادة الاراضي السورية، نكرر مرة أخرى للقاصي والداني أن الأمريكان لا أَيمانَ لهم، وعسى أن يتعلم جميع أبناء المنطقة من مختلف المكونات والشرائح من هذا الدرس فلا يراهنوا على الأمريكان لحل مشاكلهم.

وحين قال إمامنا الخامنئي (دام ظله): “إن أمريكا سائرة نحو الأفول”، فقد كان يعني أنها بمواقفها الغادرة تجاه المحسوبين عليها قبل خصومها قد سقطت من أعين العالم وإلى الأبد.

ولا تحسبوا أن أمريكا تنظر إلى المحسوبين عليها بعين الالتزام والتعهد، فحتى إسرائيل بدأت تشعر بالقلق والخوف من ارتدادات الموقف الأمريكي الأخير تجاه الأكراد والتخلي عنهم، وهذا ما ظهر على لسان أكثر من مسؤول صهيوني، حتى كتب أحدهم مقالاً يقول فيه: لم تعد إسرائيل قادرةً بعد الآن على الرهان على أمريكا، وذكر آخرُ بأن الإسرائيليين يشعرون بالخيانة كالأكراد تجاه الأمريكان.

أما الدرس الآخر من الأحداث الأخير، فهو: لا خيار لشعوب منطقتنا سوى التمسك بوحدتها والالتزام بمقاومتها والاعتماد على قدراتها الذاتية سبيلاً لإفشال المخططات الاستكبارية والصهيونية التي تستهدف سيادتَها واستقلالها وكرامتها.

ولولا موقفُ القيادة السورية الثابت على مبادئها الحقة والتفاف الشعب السوري الصامد حولها، ووقوف حلفائها الحقيقيين من محور المقاومة معها، لما تحقق النصر الكبير على المجموعات التكفيرية الغرهابية المدعومة استكبارياً وصهيونياً ورجعياً. ولمَاَ اضطر الأمريكان لإعلان انسحابهم من بعض المناطق السورية، وسيعلنون – وغيرُهم – بفعل صمود أبناء هذا البلد واتحادهم بمختلف المكونات الانسحاب من باقي المناطق المحتلة عاجلاً غيرَ آجلٍ. وهنا أستثمر هذه الفرصة وقد كشفت الأحداث الأخيرة كثيراً من الحقائق لأدعو كافة المغرَّر بهم كي يعودوا إلى حضن الوطن ويشاركوا باقي المواطنين السوريين في معركة التحرير وإعادة الإعمار. وسيبقى شعارنا حتى ذلك الحين قولاً وعملاً: الموت لامريكا… الموت لاسرائيل.

أيها الأحبة، هذه الأيام أيام رجوع سبايا أهل البيت من الشام إلى كربلاء المقدسة وإلى المدينة، والسيدة زينب (سلام الله عليها) هي المتكفلة لأمر النساء والأطفال، وهي تحملت مصائب عديدة وقضايا مفجعة وحضرت مجالس مؤلمة.

فساعدالله قلب زينب حين رأت جسد أخيها الحسين في كربلاء ملقى ثلاثا بلا غسل ولا كفن، وساعد الله قلبها حينما حضرت مجلس يزيد وشاهدت رأس أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في ذلك المجلس بحضور الأطفال والنساء.

قال ابن أعثم: قال: ثم أتي بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد بن معاوية في طست من ذهب، قال: فجعل ينظر إليه وهو يقول:     نفلّق هاماً من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

وجاء في التاريخ: ثمّ وُضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدي يزيد، وأمر بالنساء أن يجلسن خلفه، لئلا ينظرنَ إلى الرأس، قال : ثم أقبل على أهل مجلسه وقال: هذا كان يفتخر علي ويقول… قال : ثم دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (رضي الله عنه) وهو يقول: لقد كان أبو عبد الله حسن المنطق! فأقبل إليه أبو برزة الأسلمي أو غيره، فقال له: يا يزيد! ويحك! أتنكت بقضيبك ثنايا الحسين وثغره! أشهد لقد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يرشف ثناياه وثنايا أخيه ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، فقتل الله قاتلكما ولعنه، وأعد له نار جهنم وساءت مصيراً، أما إنك يا يزيد لتجيء يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمد ( صلى الله عليه وآله ) شفيعه، قال: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج ” (الفتوح، ج5، ص128).

فها هنا يتذكر الإنسان المؤمن ما ينطق به إمام العصر(عجل الله فرجه) حينما يريد أن يسلم على جده الحسين في زيارته الناحية:

“السلام على المقطع الأعضاء، السلام علي الشيب الخضيب، السلام علي الخدّ التريب، السلام علي الثغر المقروع بالقضيب”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*