خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 19 صفر المظفر 1441 هـ

19 صفر المظفر1441

الموضوع: زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فضلٌ إلهيٌّ

الخطبة الأولى:

عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى أربعين الإمام الحسين (عليه السلام).  ومن وحيِ الذكرى أزيِّنُ الخطبةَ بحديثٍ منقولٍ في كتاب كامل الزيارات:

“حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُوفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْخَيْبَرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي أَوَّلِ وَلَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ فَنَزَلَ النَّجَفَ فَقَالَ: يَا مُوسَى اذْهَبْ إِلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ فَقِفْ عَلَى الطَّرِيقِ فَانْظُرْ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ رَجُلٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَادِسِيَّةِ, فَإِذَا دَنَا مِنْكَ فَقُلْ لَهُ: هَاهُنَا رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَدْعُوكَ. فَسَيَجِيءُ مَعَكَ.

قَالَ: فَذَهَبْتُ حَتَّى قُمْتُ عَلَى الطَّرِيقِ وَ الْحَرُّ شَدِيدٌ فَلَمْ أَزَلْ قَائِماً حَتَّى كِدْتُ أَعْصِي وَ أَنْصَرِفُ وَ أَدَعُهُ إِذْ نَظَرْتُ إِلَى شَيْءٍ يُقْبِلُ شِبْهَ رَجُلٍ عَلَى بَعِيرٍ فَلَمْ أَزَلْ أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى دَنَا مِنِّي, فَقُلْتُ: يَا هَذَا! هَاهُنَا رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَدْعُوكَ, وَ قَدْ وَصَفَكَ لِي. قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ حَتَّى أَنَاخَ بَعِيرَهُ نَاحِيَةً قَرِيباً مِنَ الْخَيْمَةِ, فَدَعَا بِهِ فَدَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَيْهِ وَ دَنَوْتُ أَنَا فَصِرْتُ إِلَى بَابِ الْخَيْمَةِ أَسْمَعُ الْكَلَامَ وَ لَا أَرَاهُمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام): مِنْ أَيْنَ قَدِمْتَ؟

قَالَ: مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ. قَالَ: أَنْتَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ, أَنَا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا. قَالَ: فَبِمَا جِئْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: جِئْتُ زَائِراً لِلْحُسَيْنِ (عليه السلام). فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام): فَجِئْتَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَيْسَ إِلَّا لِلزِّيَارَةِ! قَالَ: جِئْتُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَّا أَنْ أُصَلِّيَ عِنْدَهُ وَ أَزُورَهُ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي.

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام): وَ مَا تَرَوْنَ فِي زِيَارَتِهِ؟ قَالَ: نَرَى فِي زِيَارَتِهِ الْبَرَكَةَ فِي أَنْفُسِنَا وَ أَهَالِينَا وَ أَوْلَادِنَا وَ أَمْوَالِنَا وَمَعَايِشِنَا وَقَضَاءَ حَوَائِجِنَا.قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام): أَ فَلَا أَزِيدُكَ مِنْ فَضْلِهِ فَضْلًا يَا أَخَا الْيَمَنِ؟! قَالَ: زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ(عليه السلام): إِنَّ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) تَعْدِلُ حِجَّةً مَقْبُولَةً زَاكِيَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ(عليه السلام): إِي وَ اللَّهِ وَ حِجَّتَيْنِ مَبْرُورَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ زَاكِيَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله). فَتَعَجَّبَ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام) يَزِيدُ حَتَّى قَالَ: ثَلَاثِينَ حِجَّةً مَبْرُورَةً مُتَقَبَّلَةً زَاكِيَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)”. (كامل الزيارات، ج1، ص162، ح7).

لعلَّ ما يلفِتُ النظرَ في تلك الروايةِ الأجرُ العظيمُ الذي اختصّه الله تعالى به زوارَ الحسين (عليه السلام)، حتى فاقَ ما ورد بحقه (عليه السلام) في هذا الخصوص ما ورد في شأن سائر الأئمة (عليه السلام). وما يثيرُ الاهتمامَ أكثرَ موضوعُ المقارنة بين زيارته (عليه السلام) وحج بيت الله الحرام في الفضل والثواب، ما يدعونا لبيان الفلسفة في ذلك من خلال الإجابة عن السؤال التالي:

ما هو السر في أفضلية زيارة الامام الحسين(عليه السلام) على الحج؟

وقبل أن نخوض في الإجابة، لا بد لنا أن نؤكد بما لا مجالَ للشك فيه بأنّنا كمسلمين تجمعنا عقيدة التوحيد وأداء العبادات على أساسها وفقاً لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله والمعصومين من بعده عملاً بحديث الثقلين. فالحج واجبٌ شرعيٌّ له مكانتُه العظيمة في ديننا، يُخرِج من استخفّ بأدائه عند الاستطاعة عن رِبقة الدين. ويمكن أن نذكر للإجابة عدة نقاط:

أولاً: ليس المقصود من الحج المذكور في هذه الروايات حِجة الاسلام، بل الحج المستحب؛ علماً أنه يوجد كثير من الموارد في أفضلية غير الحج على الحج.

ثانياً: إن هذه الروايات تشير إلى حقيقة الحج وهي الإمامة، لأن الامامة هي حقيقة الحج، ولاشك في أن المجتمع الاسلامي إذا أراد أن ينمو ويرتقي فلابد من الارتباط الوثيق بينه و بين الامام والقيادة الالهية. كما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): “إنَّ الإِمامَةَ أسُّ الإِسلامِ النّامي” (الكافي، ج1، ص200)

ومن هنا يتبين دور الأمة في بلوغ الإمام أهدافَه الإلهية. فلا ريب في أن حالة الشرخ بينهما تجعل نداء الإمام كصرخةٍ في وادٍ؛ إذ لو كانت الأمة مرتبطةً بالحسين (عليه السلام) لَما بقي الحسين (عليه السلام) وحيداً مع ثلة قليلة ينادي: هل من ناصر ينصرنا! مع أنها كانت تصلي وتصوم وتحج بيت الله.

فالمدرسة الحسينيةُ لها طرفان؛ قائدٌ حسينيٌّ يرفع شعار “هيهات منا الذلة”، ومجتمعٌ حسينيٌّ ينادي نداءَ سعيد بن عبدالله الحنفي حين قال: “لا والله يا ابن رسول الله، لا نخليك أبداً حتى يعلم الله أنا قد حفظنا وصية رسول الله فيك، والله لو علمت أني أقتل فيك ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذرى في الهواء يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقيى حمامي دونك”

فالحث على زيارة الامام الحسين في الروايات و بيان أفضليته لأجل تعزيز العلاقة و الارتباط بين الأمة و القيادة.

وقد أشارت الروايات لتلك النقطة الهامة؛ فعن فضيل قال: “نَظَرَ (أبو جَعفَرٍ(عليه السلام)) إلَی النّاسِ يطوفونَ حـَولَ الکـعبَةِ، فَقال: هکذا کانوا يطوفونَ فِی الجاهِلِيةِ، إنَّما اُمِروا أن يطوفوا بِها، ثُمَّ ينفِروا إلَينا فيعلِمونا وَلايتَهُم ومَوَدَّتَهُم، ويعرِضوا عَلَينا نُصرَتَهُم” (الكافي، ج1، ص392).

و في رواية أخرى، يقول الإمام الباقر(عليه السلام): “إنَّما اُمِرَ النّاسُ أن يأتوا هذِهِ الأحجارَ فَيطوفوا بـِها، ثُمَّ يأتوا فَيخبِرونا بِوَلايتِهِم، ويعرِضوا عَلَينا نُصرَتَهُم” (الكافي، ج1، ص392). فالحج بعيداً عن الارتباط بالإمام ما هو إلا طقوسٌ خاويةٌ أشبهَ بما كان أيامَ الجاهلية،تفصل المجتمعَ عن القيم الإلهية التي تكفل لها السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

ولو كانت طاعةُ الله منحصرةً بمجرَّد أداء العبادات الظاهرية، لَما وجَّه القرآنُ المؤمنين للقيادة الإلهية سبيلاً لأدائها حين يقول تعالى:

Pيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ O (سورة النساء، الآية 56) منعاً للانحراف وصوناً للاستقامة في سبيل الله؛ لذا ورد: تَمامُ الحَجِّ لِقاءُ الإِمامِ.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): “إذا حَجَّ أحَدُکم فَليختِم حَجَّهُ بِزِيارَتِنا، لِأَنَّ ذلِكَ مِن تمامِ الحجّ” .

من هنا، لن نجافيَ الصوابَ والحقَّ حين نعتبر الحسينَ (عليه السلام) من أبواب الله تعالى التي توصِلُنا لمرضاته، مصداقاً لما كان الإمام الخميني (رض) يقوله: “كل ما لدينا من المحرم وصفر”.

ثالثاً: إنّ هذه الروايات تحثُّ على ترويج ونشر الثقافة الحسينية بكامل قيمها وأبعادها ومعانيها، تمهيداً لخلق الحياة الطيبة. وما زيارةُ الأربعين إلا من تجلياتها التي تستقطب كل التوّاقين للقيم النبيلة التي استشهد الحسينُ (عليه السلام) في سبيل ترسيخها.

تلك القيمُ التي يشعر العالمُ أجمعُ بحاجته الماسّة لإحيائها لتستعيدَ حياتَها الطيبة من جديد قلباً وقالباً. وما لهم إلا إمامُ القلوب الحسينُ (عليه السلام) منارةً ونوراً للاهتداء والتأسّي.

الخطبة الثانية:

في مثل هذه الأيّامِ تشخَصُ أبصار العالَمِ قاطبةً نحوَ بقعةٍ واحدةٍ من البسيطةِ، وهي تراقِبُ بانبهارٍ واحداً من التجمُّعاتِ البشريّةِ الفريدةِ التي لم يشهد التاريخُ مثيلاً له في سِجِلّاتِه، بانطلاق أعظمِ مسيرةٍ إنسانيةٍ في ذكرى أربعينيّة الإمام الحسين (عليه السلام) لتَهُزَّ الضميرَ العالميَّ وتدفعَه للتفكير والتأمُّل بأبعادِها وخلفيّاتِها.

وكما ارتبطت هذه الذكرى بذكر الحسين (عليه السلام) لدورها المُهِمِّ في استمرار رسالته العاشورائية، فقد تَمَاهَت مع الدورِ الزينبيِّ في حمل تلك الرسالةِ من عاشوراءَ إلى الأربعين، والذي لولاهُ لَرُبَّما فَقَدَت الحركةُ الحسينيةُ كثيراً من أَلَقِها، ولَما وصلَتْنا وقائعُ كربلاءَ كما هي الآن.

فالأربعين بهذا المعنى من أنجَعِ وسائل إعلام الثورة الحسينية وتبليغِها، والتي تتميّزُ عن غيرها بقدرةٍ ذاتيةٍ استثنائيةٍ للتطوير والتجديد بما يواكِبُ التطوّراتِ. الأمرُ الذي حوَّلَها من مجرَّدِ واقعةٍ تاريخيةٍ دأبَ الكثير من مختلَف شرائحِ المجتمعِ الإيمانيِّ على استذكارها وإحيائها بالتوجُّه لكربلاءَ من مختلف المدن العراقية وغيرها طوالَ مختلف العصور، ما حَدَا بالظالمين والطغاةِ لوضع العراقيل في مسيرها، حتى صدرت الأوامر في العهد الصداميِّ البائدِ بمنع الحركة الأربعينية، وأبى اللهُ إلا أن يُتِمَّ نورَه بسقوطه، لتكتسبَ تلك الحركةُ زَخَماً جديداً، وتتحوَّلَ لملحمةٍ تجمعُ ملايينَ الأحرار التوَّاقينَ للعدالة في جبهةِ مقاومةٍ عالميّةٍ تتجاوزُ الحدودَ القوميةَ والمذهبيةَ والدينيةَ في مواجهة معسكر الكفر والنفاق والاستكبار والصهيونية والرجعية.

نعم! إنَّ مسيرة الأربعين” واحدة من نقاط التحوّل التاريخية في الآونة والسنوات الأخيرة؛ فهي أكبر تجمع من نوعه في العالم، فرضَتْ نفسَها بالرغم من محاولة وسائل الإعلام الغربية تجنب تغطية هذا الحدث العظيم في البداية، لتُضْطَرَّ أخيراً للاعتراف بالواقع على مَضَضٍ إذعاناً بعظمتها التي تستقطب أضعافَ حجم حجاج بيت الله الحرام. حتى صرَّحَت هيئةُ الإذاعة البريطانية بأهمية الحدث المليوني بغضّ النظر عن الدوافع والأهداف.

من هنا، تتجلى أهميةُ مسيرةُ الأربعين في إبراز رسالة عاشوراء برفض الخنوع والذل وتجسيد الوحدة وترسيخ روح الأُخُوّة إسلامياً وعالمياً على أساس أرقى القيم والسجايا الإنسانية ليعيشَ الملايينُ تجربةَ سلوكٍ اجتماعيٍ واحدٍ في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ.

ألا يستحقُّ ذلك الحدَثُ منا أن نَسْبِرَ أعماقَه لنفهمَ السرَّ وراءَ دوره لا في تغيير كافة المعادلات السياسية والثقافية والاجتماعية العالمية فحسب، بل في قلبِها راسمةً الدهشةَ على وجوه أكبر علماء الاجتماع والنفس؟ ألا يدعو ذلك الحدثُ منا أن ندرس المنظومةَ الاقتصاديةَ والسياسيةَ التي تقف خلفه حتى تستوعبَ أكبر تجمعٍ في تاريخ البشرية وتغطيه مالياً وغذائياً، إذا علِمنا أن أكثرَ من ملياري وجبة توزَّعُ على المشاركين مجاناً؟ ثم ألا يستدعي ذلك البحثَ عن الخلفية الإعلامية التي تمكنت من جذب تلك الملايين خلال فترة قياسية من مختلف أرجاء العالم عبْرَ سنواتٍ في مسارٍ تصاعُدِيٍّ؟

أما الإجابةُ الشافيةُ عن تلك الأسئلةِ وغيرِها؛ فهي بإيجازٍ:

لا جهةَ أو منظمةَ أو شخصيةَ تقف وراء تنظيم ذلك الحدث العظيم، كما أنْ لا مركزَ إستراتيجياً ولا غرفةَ فكريةً يمكن أن تدَّعِيَ الوقوفَ خلفَ التخطيط لإطلاق ذلك الحِراكِ الذي قلَبَ كافة المعادلاتِ السياسيةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ العالميةِ؛ لأن وقائع مسيرة الأربعين أعظمُ من أن تديرَها طاقةٌ بشريةٌ مهما أوتِيَت من إمكاناتٍ.

إذاً، لن يبقى أمامَنا إلا التعاملَ مع الأربعين باعتباره معجزةً، تدخَّلَت فيها يدُ الله في ملكوته الأعلى ترتيباً وتنظيماً وبقاءً واستمراراً لنهجِ من بذلَ أغلى ما يملك في سبيله وهو الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) الذي جسَّدَ ذروةَ قيمَ ومعانيَ الخير والذودَ عنها موفِياً بما عاهدَ اللهَ عليه، فأنجز تعالى وعدَه فيه Pكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌO (سورة المجادلة، الآية 21).

فمسيرةُ الأربعينِ-كما وصفها إمامُنا الخامنئي (دام ظله)- مِنحةٌ من الله جعلها اليومَ بتصرُّفنا كي نستثمرَها في مواجهة التحديات. وأعظمُ ثمراتِ تلك العطِيّةِ الإلهيةِ أن نعلمَ علمَ اليقين بأنّ من كان الله معه فالنصرُ حليفُه وإن طالَ الزمنُ. نعم! لقد لمسْنا تحقُّقَ ذلك الوعد الإلهيِّ في محور المقاومة على امتداد المنطقة من إيران ومروراً بالعراق وسورية ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وانتهاءً بكشمير ونيجيريا وغيرها، حين آمنّا بالله وصدقِ وعده بالنصر، فتمسَّكْنا بالصبر وتدرَّعْنا بالحق وتسلَّحْنا بالصمود.

ولقد كنّا نخوض الغمَراتِ لله مقدِّمين أغلى التضحيات في سبيله، مدافعين دونَ الحرم والحُرُمات، لا يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً وصبراً على مضض الألم وجِدّاً في جهاد العدو. فمرةً لنا من عدونا، ومرةً لعدونا منا.

فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر حتى اتَّسَعَ الحَرَمُ لتصبح منطقتُنا كلُّها حرماً آمناً لا مكانَ فيه للدواعش ولا لأربابهم الأمريكان والصهاينة والرجعيين.

فهذه سوريةُ الصمود بدأت تقطف ثمارَ مقاومتها تحريراً واستقراراً. وهذا العراقُ الصابرُ تحوَّل بمقاومة أبنائه إلى صخرةٍ تتكسّر عليها أمواجُ الفتنة بعد أن مرَّغ أنوفَ الأمريكان وأذنابهم التكفيريين في الوحل. وهذه اليمنُ العزيزةُ تفاجئ العالمَ كلَّ يومٍ بانتصارات أبنائها وإنجازاتهم المذهلة ضد قوى العدوان، أما لبنان وفلسطين فقد صارتا أيقونتين للنصر والصمود.

كلُّ ذلك بفضل الله والاعتماد عليه، بلا منةٍ من أمريكا وأعوانها، لأن العزة لله وحده. وكم سخر العالَم من تخرصات ترامب الأحمق حين ادعى زوراً وكذباً أن إدارته هي التي قضت على داعش، ناسياً أو متناسياً أنها كانت وراء ظهوره ودعمه!

نعم! إنّ العالم يعترف اليوم بانقلاب موازين القوى لصالح محور المقاومة التي بدأت ترسم معالِمَ المستقبل لصالح المستضعفين والأحرار الذين تعلموا من مدرسة الحسين (عليه السلام) والأربعين الإباءَ والعزةَ وانتصارَ الدم على السيف. وما تسرُّع الأمريكان لسحب جنودهم من سورية وما تخبُّطُ آل سعود للبحث عن مخرجٍ لهم من المستنقع اليمني الذي أغرقوا أنفسَهم به استقواءً بغير الله، إلا بشاراتِ النصر الإلهي القادم الذي سيطهِّرُ المنطقةَ والعالمَ من شر المستكبرين.

ولن تمضيَ الأيامُ إلا وقد نزل النصر على الصامدين المقاومين في البحرين وكشمير ونيجيريا على قلة الناصر وكثرة العدو؛ شأنُهُم في ذلك شأنُ الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأنصاره حين وقفوا في مواجهة الكثرة الكاثرة من اليزيديين. وستتحقق النبوءةُ الزينبيةُ حين خاطبت عدوها: “فکد کیدک واسع سعیک و ناصب جهدک فوالله لا تمحو ذکرنا!”

نعم! إن رسالة الأربعين تعلمنا أن من يكفر بالطاغوت الأمريكي ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، وأن مع الصبر والمقاومة نصراً وسؤدَداً.

أما كلمتي الأخيرة فهي لكم أيها الزوار الأعزاء؛ يا من قطعتم المسافات البعيدة من العراق ولبنان والبحرين والكويت وباكستان وعمان والحجاز وغيرها للتشرف بزيارة مقام بطلة كربلاء في أربعين أخيها سيدِ الشهداء (عليه السلام):

اعلموا أن ما تعيشون من أجواءَ روحانيةٍ ومعنويةٍ في هذه البقعة في ظلال الأمن والأمان، ما كان ليتحقق لولا دماءُ الشهداء المدافعين عن الحرم وصمودهم وتضحياتهم، فنحن وإياكم مَدينون لهم ولعوائلهم وجرحاهم بعد الله.

فاذكروا أولئك الأبطال بكل خير لا سيما في دعواتكم وزياراتكم، وكونوا زينبيين في نشر ثقافة المقاومة والدفاع عن الحرم والحرمات بين أهليكم وفي بلادكم عندما تعودون سالمين غانمين، وقولوا للجميع: لقد تعلمنا كيف تجسَّدَ شعارُ “كلنا عباسكِ يا زينب” بجوار مقام العقيلة. وعلمنا أن شعار الحسين (عليه السلام) لا زال خالداً قولاً وفعلاً حين قال: “ألا وإنّ الدعي بن الدعي ـ يعني ابن زياد ـ قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة”.

ومن المشهور عند الشيعة أنّ الأربعين هو اليوم الذي زار فيه الصحابيّ الجليل قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي نفس ذلك المكان والزمان حصل لقاء بينه وبين أهل البيت عليهم السلام عندما رجعوا من الشام لزيارة الإمام الحسين عليه السلام. ولنستمع إلى تفاصيل تلك الزيارة التاريخية:

“عن عطيّة العوفيّ قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاريّ زائراً قبر الحسين عليه السلام، فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات, فاغتسل ثمّ اتّزر بإزار وارتدى بآخر. ثمّ فتح صرّة فيها سُعدٌ  فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخطو خطوة إلّا ذكر الله تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه..

فألمستُهُ فخرّ على القبر مغشيّاً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلمّا أفاق قال: يا حسين ثلاثاً ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه.

ثمّ قال: وأنّى لك بالجواب، وقد شحطت أوداجك على أثباجك، وفرّق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنّك ابن خاتم النبيّين، وابن سيّد المؤمنين، وابن حليف التقوی وابن فاطمة سيّدة النساء، وما لك لا تكون هكذا.

وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين، وربّيت في حجر المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً، غير أنّ قلوبَ المؤمنين غير طَيّبةٍ بفراقك، ولا شاكّةٍ في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا.

ثمّ جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. قال عطيّة:فقلت له يا جابر فكيف ولم نهبط وادياً ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب بسيف والقوم قد فرّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأوتمت أولادهم وأرملت أزواجهم؟ فقال (لي): يا عطيّة سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) يقول: من أحبّ قوماً حُشر معهم, ومن أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم.

قال عطيّة: فبينما نحن كذلك وإذا بسواد قد طلع من ناحية الشام، فقلت: يا جابر هذا سواد قد طلع من ناحية الشام، فقال جابر لعبده: انطلق إلى هذا السواد وأتنا بخبره، قال فمضى العبد، فما كان بأسرع من أن رجع وهو يقول: يا جابر قم واستقبل حرم رسول الله، هذا زين العابدين (عليه السلام) قد جاء بعمّاته وأخواته، فقام جابر يمشي حافي القدمين مكشوف الرأس إلى أن دنا من زين العابدين (عليه السلام). فقال الإمام عليه السلام: “أنت جابر؟” فقال: نعم يا بن رسول الله، فقال: “يا جابر ها هنا والله قُتلت رجالنا، وذُبحت أطفالنا، وسُبيت نساؤنا وحُرقت خيامنا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*