خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 3 ربيع الأول 1441 هـ

الجمعة 3 ربيع الأول 1441هـ

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهية) (بركات و فوائد الدعاء)

الخطبة الأولى:

لا ريب أنّ كلَّ إنسانٍ يسعى للتنعُّم بحياةٍ طيبةٍ تؤمِّن له خيرَ الدنيا والآخرة. ولا يمكن بلوغ تلك الغاية إلا بالإيمان بالله والسير إليه والقربِ منه تعالى، يقول تعالى: Pمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَO (سورة النحل، الآية 97).

والحياةُ الطيبةُ-عبادَ الله- درجاتٌ؛ أعلاها ارتفاعُ الحُجُب التي تمنعُ العبدَ من مناجاة ربِّه والتواصلِ معه. وهو ما يتكفَّلُ الدعاءُ بتحقيقه كما ذكرنا فيما سبق من خطب. الأمرُ الذي يدعونا لاستعراض بعضٍ من البركات والآثار المادية والمعنوية للدعاء، وإليكم نماذجَ لها:

إن لم يكن للدعاء من فضلٍ سوى ترسيخِ إيمان العبد بربِّه لكفاه بركةً وفضلاً؛ إذ الإيمانُ بالله يدعو لليقين بالإجابة، وذلك اليقينُ هو الذي يدعو العبدَ للإلحاح في الطلب دون يأسٍ، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) : “عَلَيكُم بِالدُّعاءِ ؛ فَإِنَّ المُسلِمينَ لَم يُدرِكوا نَجاحَ الحَوائِجِ عِندَ رَبِّهِم بِأَفضَلَ مِنَ الدُّعاءِ وَالرَّغبَةِ إلَيهِ ، والتَّضَرُّعِ إلَى اللّه ِ وَالمَسأَلَةِ لَهُ ، فَارغَبوا فيما رَغَّبَكُمُ اللّه ُ فيهِ ، وأجيبُوا اللّه َ إلى ما دَعاكُم إلَيهِ ؛ لِتُفلِحوا وتَنجوا مِن عَذابِ اللّه” (بحار الأنوار، ج75، ص212).

وعن الإمام عليّ (عليه السلام) : “الدُّعاءُ مَفاتيحُ النَّجاحِ، ومَقاليدُ الفَلاحِ، وخَيرُ الدُّعاءِ ما صَدَرَ عَن صَدرٍ نَقِيٍّ وقَلبٍ تَقِيٍّ ، وفِي المُناجاةِ سَبَبُ النَّجاةِ ، وبِالإِخلاصِ يَكونُ الخَلاصُ” (الكافي، ج2، ص340).

عن الإمام الصادق (عليه السلام): “كانَ فيما وَعَظَ اللّه ُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ عيسَى بنَ مَريَمَ عليه السلام أن قالَ لَهُ: يا عيسى … إنَّكَ تَفنى وأنَا أبقى، ومِنّي رِزقُكَ وعِندي ميقاتُ أجَلِكَ، وإلَيَّ إيابُكَ وعَلَيَّ حِسابُكَ، فَسَلني ولا تَسأَل غَيري، فَيَحسُنُ مِنكَ الدُّعاءُ ومِنِّي الإِجابَةُ” (الكافي، ج8، ص133).

فما أوسَعَ رحمةَ الله! فهو يدعو عبده لدعائه ويضمن له الإجابة ويشمَلُه بالرحمة ويُبعِدُه عن العذاب وينيرُ له الطريقَ كي يلتقطَ مفتاح رحمته ليفتح خزائنَ السماوات والأرض، يقول الإمام عليّ عليه السلام : “الدُّعاءُ مِفتاحُ الرَّحمَةِ، ومِصباحُ الظُّلمة” (بحار الأنوار، ج90، ص300).

ومِن وَصِيَّتِهِ لاِبنِهِ الحَسَنِ (عليه السلام): “اِعلَم أنَّ الَّذي بِيَدِهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالأَرضِ قَد أذِنَ لَكَ فِي الدُّعاءِ ، وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإِجابَةِ ، وأمَرَكَ أن تَسأَلَهُ لِيُعطِيَكَ وَتستَرحِمَهُ لِيَرحَمَكَ، ولَم يَجعَل بَينَكَ وبَينَهُ مَن يَحجُبُكَ عَنهُ، ولَم يُلجِئكَ إلى مَن يَشفَعُ لَكَ إلَيهِ … وفَتَحَ لَكَ بابَ المَتابِ وبابَ الاِستِعتابِ، فَإِذا نادَيتَهُ سَمِعَ نِداكَ، وإذا ناجَيتَهُ عَلِمَ نَجواكَ، فَأَفضَيتَ إلَيهِ بِحاجَتِكَ وأبثَثتَهُ ذاتَ نَفسِكَ، وشَكَوتَ إلَيهِ هُمومَكَ وَاستَكشَفتَهُ كُروبَكَ، وَاستَعَنتَهُ عَلى اُمورِكَ وسَأَلتَهُ مِن خَزائِنِ رَحمَتِهِ ما لا يَقدِرُ عَلى إعطائِهِ غَيرُهُ؛ مِن زِيادَةِ الأَعمارِ، وصِحَّةِ الأَبدانِ، وسَعَةِ الأَرزاقِ ، ثُمَّ جَعَلَ في يَدَيكَ مَفاتيحَ خَزائِنِهِ، بِما أذِنَ لَكَ فيهِ مِن مَسأَلَتِهِ ، فَمَتى شِئتَ استَفتَحتَ بِالدُّعاءِ أبوابَ نِعمَتِهِ ، وَاستَمطَرتَ شَآبيبَ َرحمَتِهِ” (نهج البلاغة ، الرسالة 31).

والدعاء لغةٌ لا يتقنها إلا أهل القلوب الحية النابضة بحب الله، فهو إكسيرُ حياة القلوب؛ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله):  “إنَّ اللّه َ عز وجل لَيُحيي قَلبَ المُؤمِنِ بِالدُّعاءِ” .

كما أنّ الدعاء يختصر المسافات التي تبعِدُ العبدَ عن ربِّه؛ فعن الإمام عليّ (عليه السلام): “التَّقَرُّبُ إلَى اللّه ِ تَعالى بِمَسأَلَتِهِ ، وإلَى النّاسِ بِتَركِها” (غرر الحكم، 1801 ). وكلّما اقترب العبد من ربه دخل في منطقة أمنه، فصار بمأمنٍ من وساوس الشياطين، كما يقول الإمام عليّ (عليه السلام) : “أكثِرِ الدُّعاءَ تَسلَم مِن سَورَةِ الشَّيطان”( بحار الأنوار، ج75، ص9).

عبادَ الله، ألا تكفي تلك البركاتُ حتى نواظب على الدعاء والارتباط بالله من خلاله؟ لنعيش أجواءَ تربويةً إلهيةً تبني الذات وتعرُج بنا في سماوات الكمال لنطوف حول عرش الأخلاق الربانية ونحن نناجي الله مع سائر أهل ملكوته مسبٍّحين: “سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ على المُرسَلين”.

الخطبة الثانية:

أهنّئكم جميعاً بحلولِ شهرِ ربيعٍ الأوّلِ؛ شهرِ المَوْلِدِ النبويِّ الشريفِ، سائلين الله تعالى أن يُهِلَّهُ علينا بالخير والبركةِ والنصرِ والسرور. كما أستَثْمِرُ الفُرْصةَ، وقد ودَّعْنا موسِمَ العزاءِ الحسينيِّ بشهرَيْ محرَّمَ وصفرَ، أن أوجِّه الشكرَ والتقديرَ لكافّةِ الحسينيّين والزينبيّاتِ، لا سيَّما في هذا البلدِ المقاوِم، على ما بذلوا من جهودٍ في إحياءِ أمرِ أهل البيت (عليهم السلام) بإقامةِ المجالس وإطلاق المَسِيراتِ والتوجُّهِ للزيارات. فتقبَّلَ اللهُ أعمالَكم وشكرَ سعيَكُم وأَعْظَمَ أُجورَكُم ووفَّقَكم للمزيدِ في قادِمِ الأعوامِ والسنواتِ.

إنّ شهرَ ربيعٍ الأولِ الذي يحملُ معه بِشارَةَ الهِدَايةِ بمولدِ خاتم الأنبياء، يحملُ معه أيضاً بشارةَ التحوّل الحضاريِّ بهجرته (صلى الله عليه وآله) من مكةَ إلى المدينةِ، والتي تصادف ذكراه مثلَ هذه الأيامِ من الشهر، مُذَكِّرةً إيّانا بليلة المبيت رمزاً للإيثار والتضحية، حين باتَ عليٌّ (عليه السلام) في فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) فداءً للرسالة مسجِّلاً أروعَ صفحاتِ الإخلاص واليقين في سبيل الحقّ، بالرغم من محاولات البعض للتقليل من شأن الواقعة، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.

ولا ريب في أنّ الحكمةَ من إحياء تلك المناسبات تنبيهُ الأمةِ من الغفلة، وتذكيرُها بالدروس والعِبَرِ التي تحملها، حتى تتعزَّزَ حالةُ البصيرةِ بين أبنائها، فلا تنزلقَ في مَهاوي الهَلاك؛ فقد أهلَكَ من كانَ قبلَكم أنهم إذا ذُكِّروا بآيات الله كانوا بها يستهزئون صُمّاً وعمياناً. عصمَنا الله وإياكم من الزَّلَلِ.

وكما كان بكاؤنا على الحسين (عليه السلام) طوالَ شهرَي محرم وصفر تعبيراً عن رفض غفلة الأمة وبُعدِها عن البصيرة التي جرَّت لارتكاب أفظعِ جريمةٍ بحقِّ سبطِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّ الاحتفال بذكرى مولد الرسول (صلى الله عليه وآله) بشهر ربيع الأول رمزٌ لضرورة خلق روح البصيرة التي حملها (صلى الله عليه وآله) في رسالته ليُخرِجَ الناسَ من ظلمات الفتن إلى نور الهداية والاستقامة على الحقّ.

عبادَ الله، لقد كانت رسالةُ نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) رسالةَ حياةٍ، وكان (صلى الله عليه وآله) رسولَ الأحياء المتنبِّهين الذين يَشُقّون أمواجَ الفتن، لا الأمواتِ الغافلين الذي يميلون مع كل ريحٍ وينعقون مع كلِّ ناعقٍ. وفي ذلك أعظمُ الدروسِ لأمتنا التي تمرُّ هذه الأيامَ بظروفٍ أشبَهَ ما تكون بعصر الرسالة الأولى؛ حين انبرى أمثالُ أبي جهل وأبي لهب للوقوف في وجه الحقّ بركوب موجة الجهل والعصبيّة ونشر الدعاية الكاذبة باتهام الرسول (صلى الله عليه وآله) بأنه ساحر ومجنون وشاعر، كي يثيروا نيرانَ الفتن ضده. بينما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يواجه تلك الهجمةَ بتعزيز حالة البصيرة وتبيين الحقائق.

وما أشبهَ اليومَ بالبارحةِ! فقد أجلبَ أعداءُ الإسلام من أتباع أبي جهلِ أمريكا وأبي لهبِ الصهيونيةِ بخيلِهم ورَجْلِهِم كي يركبوا موجةَ الجهل والحقد والتعصب والاستكبار، بما بين أيديهم من أموالِ البترودولار ليحقِّقوا أمانيهم الشيطانيةَ بضربِ أبناء الرسالة من محور المقاومة. ولكنْ هذه المرَّةَ بوسائلِ الحرب الناعمةِ التي لا تخفى علينا. فقد رأيناهم من قبلُ في سوريا وإيران كيف استغلّوا الشعاراتِ المَطلبيّةَ للناس ليخلقوا فتنةً عمياءَ للنَّيل من موقف المقاومة والصمود. فتَكَسَّرَت أمواجُ فتنِهم على صخور المقاومة والصمود نفسِها.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إنّ أعداءَ الأمة لا يدَعون فرصةً، ولو صغيرةً، إلا ويستغلونها لتحقيق مآربهم الشيطانية. فالعدوُّ خبيثٌ لا يتورَّع عن ركوب موجة المطالِبِ الشعبية الصادقة من قبيل مكافحة الفساد ورفع الظلم وإنهاء المشاكل الاقتصادية والمظاهراتِ السلميّة، ليَحرِفَها عن مَسارِها السلميِّ نحو حالةٍ من الفوضى والاضطراب تهدِم البلادَ على رؤوس أبنائها، ما يمهِّدُ الأرضيةَ لعودة قوى العدوان والاحتلال. وهو ما شهدناه مؤخَّراً في لبنان والعراق.

فاللهَ، اللهَ في البصيرة والتنبُّه من ألاعيب العدوِّ، فمن نامَ لم يُنَمْ عنه، وإنّما أخو الحربِ اليقظانُ الأَرِقُ.

ولا شكَّ أنّ هناك مطالبَ محقّةً ينادي بها الناس من مكافحة الفساد والظلم، إلا أنّ أفضلَ وسيلةٍ لتحقيقها اتّباعُ القنوات القانونية لمتابعتها، لسدِّ الطريق أمامَ كيدِ العدوّ بتخريب البلاد ونشر الفتنة والفوضى. مع أنّ الوقائعَ تؤكِّد بأنّ من يدعم الفسادَ ويخرِّب اقتصاداتِ بلداننا ليس سوى أمريكا والصهيونية والرجعية. فكيف يمكن الرهانُ على أمِّ الفساد والخراب أمريكا لمحاربة الفساد؟! أليست أمريكا الاحتلال هي السبب في سوء أحوال العراق ولبنان وسوريا؟ أليست أمريكا هي الداعمةَ الوحيدةَ لرؤوس الفساد الرجعيِّ في المنطقة؟ أليست أمريكا هي التي تضرب أمنَ المنطقة بإرهابها الاقتصادي وعقوباتها؟

من هنا، دعا إمامُنا الخامنئي (دام ظله) الحريصين على مصالح الشعبين العراقي واللبناني أن يتابعوا تحقيق مطالبهم عبرَ الطرق القانونية فقط؛ فهي لا تتنافى والحفاظ على الأمن الاجتماعي والاستقرار. أما الفوضى فتعني الفوضى والاضطراب قطعاً.

وكما قال سماحته مخاطباً كلَّ من يهمه الأمرُ في لبنان والعراق بلسان الناصح المشفق: “فليعمل الحريصون على لبنان والعراق كي يحافظوا على الأمن في بلدانهم. لأن الأمريكان لا يفكرون إلا بمصالحهم الخاصة لا مصالح شعوب المنطقة”.

وقد صرَّح الرئيس الأمريكي نفسُه بذلك مؤخَّراً دون أيِّ موارَبَةٍ، لذا كان دقيقاً تصريحُ سيادة رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد في مقابلته الأخيرة حين قال: ترامب أفضل رئيس أمريكي، ليس لأن سياساته جيدة، ولكن لأنه الرئيس الأكثر شفافية، فهو يقول «نحن نريد النفط»، «نحن نريد أن نتخلص من فلان».. «نحن نريد أن نقدم خدمة مقابل مال».. هذه هي حقيقة السياسة الأمريكية. ماذا نريد أفضل من خصم شفاف؟

وأضاف سيادتُه: العامل الأساسي الذي جلبَ الأمريكي وغير الأمريكي والتركي إلى هذه المنطقة هو سوري عميل.

نعم، إن الأمريكان كالذباب الذي لا يتجمع إلا في أماكن الفساد والإفساد. فلا نستغربُ أن يكونوا هم السببَ وراء كل مصائب شعوبنا الاجتماعية والاقتصادية.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إننا في محور المقاومة، لم نحقق الانتصارات إلا بالتمسك بالبصيرة وتمييز العدو من الصديق ورفض الرهان على الأعداء في إصلاحاتنا الاجتماعية.

وإننا في محور المقاومة مؤمنون أكثرَ من غيرنا بمحاربة الفساد لأنها من صُلبِ عقيدتنا الإيمانية التي تدعونا للقضاء عليه كي نكون من الممهِّدين لظهور منجي البشرية صاحبِ العصر والزمان (عج)، الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*