خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 10 ربيع الأول 1441 هـ

10 ربيع الأول 1441هـ

الموضوع: نظرة تحليلية لإمامة المهدي (عج) في حداثة السنّ

الخطبة الأولى:

إنّ ممّا يدعو الإنسانَ للتأمّل في سيرة مولانا الإمامِ المهديِّ (عج) تسنُّمُه منصبَ الإمامةِ بعد أبيه العسكريِّ (عليه السلام) وهو طفلٌ صغيرٌ؛ الأمرُ الذي يحملُ معه العديدَ من التساؤلاتِ التي ينبغي الإجابةَ عنها بإيجازٍ عقلاً ونقلاً.

لا ريبَ أنّ تحمُّلَ المسؤوليّةِ تقتضي توفُّرَ الشروطِ اللازمةِ التي تهيِّئُ صاحبَها لأدائها ومنها بلوغُ مرحلةٍ عُمُريًّةٍ معيَّنةٍ تشكِّل الوعاءَ لاحتواءِ أعبائها. إلا أنّ العقل يحكم بعدم استحالة تعميق ذلك الظرفِ الزمنيِّ والمكانيِّ الصغير كي يستوعبَ مظروفاً أكبرَ. فلا يغرَّنَّكم صِغَرُ سنِّ فردٍ ما عمّا يحملُ من طاقاتٍ. فهذه برامجُ المسابقاتِ ومقاطعُ الفيديو التي تصوِّرُ أطفالاً يتمتَّعون بمواهِبَ تجعلُ المشاهدينَ يفغَرون أفواهَهم دهشةً واستغراباً. فإن كان الأمرُ كذلك، أليس الله بقادرٍ على أن يهيِّئَ للإمامةِ طفلاً يمتلك من الإمكانيّاتِ ما يملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً.

أمّا الدليلُ النقليُّ؛ فإليكم كتابَ الله تعالى حيث يقول في سورة مريم: Pيَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَ ءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّاO (سورة مريم، 12)، فقد قال الفخر الرازيُّ في تفسير الحكم بالنبوة : “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْكَمَ عَقْلَهُ فِي صِبَاهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ يَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَهُمَا صَبِيَّانِ لَا كَمَا بَعَثَ مُوسَى وَمُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ”  مستدركاً بالقول: ” فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ وَالنُّبُوَّةِ حَالَ الصِّبَا؟ قُلْنَا: هَذَا السَّائِلُ، إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ أَوْ لَا يَمْنَعَ مِنْهُ، فَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ فَقَدْ سَدَّ بَابَ النُّبُوَّاتِ لِأَنَّ بِنَاءَ الْأَمْرِ فِيهَا عَلَى الْمُعْجِزَاتِ وَلَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا خَرْقُ الْعَادَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ زَالَ هَذَا الِاسْتِبْعَادُ فَإِنَّهُ لَيْسَ اسْتِبْعَادُ صَيْرُورَةِ الصَّبِيِّ عَاقِلًا أَشَدَّ مِنَ اسْتِبْعَادِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَانْفِلَاقِ الْبَحْرِ” (التفسير الكبير، ج21، ص191).

وما يؤيِّد ما اختاره الرواياتُ المفسِّرةُ للآية؛ فقد فسَّر إمامُنا الباقرُ (عليه السلام) الحكمَ بالنبوةِ مستشهِداً بالآية نفسِها. وهناك نماذجُ تاريخيّةٌ تنحو المنحى ذاتَه من حديث الدار الذي أعلن فيه الرسول (ص) علياً خليفةً ووصياً من بعده وهو حدَثُ السنِّ، ناهِيكُم عن مباهلته نصارى نجرانَ بسبطيه الحسنين (عليه السلام) في سابقةٍ لم تُعْهَدْ من قبلُ.

ولنا في سيرة المعصومين (عليه السلام) أمثلةٌ أخرى على إمكان وقوع الأمر؛ فعن علي بن أسباط… “فقال [أبو جعفر (عليه السلام)]:”… يا علي! إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة، فقال: (وآتيناه الحكم صبيّاً)، (ولما بلغ أشُدَّهُ)، (وبلغَ أربعينَ سنةً). فقد يجوز أن يؤتى الحكمة وهو صبي، ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة” (الكافي، ج1، ص384).

 فمعيارُ الإمامةِ هو الكفاءةُ لا السنُّ والمكانةُ الاجتماعيّةُ؛ عن الحسين بن موسى بن جعفر قال : “كنت عند أبي جعفر بالمدينة وعنده علي بن جعفر وأعرابي من أهل المدينة جالس. فقال لي الأعرابي: من هذا الفتى؟ وأشار إلى أبي جعفر. قلت: هذا وصي رسول الله. قال: يا سبحان الله! ـ رسول الله قد مات منذ مائتي سنة وكذا وكذا سنة وهذا حدث. كيف يكون هذا وصي رسول الله؟ قلت: هذا وصي علي بن موسى وعلي وصي موسى بن جعفر وموسى وصي جعفر بن محمد وجعفر وصي محمد بن علي ومحمد وصي علي بن الحسين وعلي وصي الحسين والحسين وصي الحسن والحسن وصي علي بن أبي طالب وعلي بن أبي طالب وصي رسول الله صلوات الله عليهم” (رجال الكشي، ص429).

وقال محمد بن الحسن بن عمار: “كُنْتُ‏ عِنْدَ عَلِيِ‏ بْنِ‏ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ جَالِساً بِالْمَدِينَةِ وَكُنْتُ أَقَمْتُ عِنْدَهُ سَنَتَيْنِ أَكْتُبُ عَنْهُ مَا يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليه السلام) الْمَسْجِدَ- مَسْجِدَ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله) – فَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ بِلَا حِذَاءٍ وَ لَا رِدَاءٍ فَقَبَّلَ يَدَهُ وَ عَظَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَا عَمِّ اجْلِسْ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ يَا سَيِّدِي كَيْفَ أَجْلِسُ وَ أَنْتَ قَائِمٌ فَلَمَّا رَجَعَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى مَجْلِسِهِ جَعَلَ أَصْحَابُهُ يُوَبِّخُونَهُ وَ يَقُولُونَ أَنْتَ عَمُّ أَبِيهِ وَأَنْتَ تَفْعَلُ بِهِ هَذَا الْفِعْلَ، فَقَالَ اسْكُتُوا، إِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ – وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ-  لَمْ يُؤَهِّلْ هَذِهِ الشَّيْبَةَ وَأَهَّلَ هَذَا الْفَتَى وَوَضَعَهُ حَيْثُ وَضَعَهُ أُنْكِرُ فَضْلَهُ؟ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّا تَقُولُونَ بَلْ أَنَا لَهُ عَبْد” (الكافي،ج1، ص322).

الخطبة الثانية:

في هذه الأيّامِ المباركةِ التي تقع بين مناسَبَتَي بداية إمامة إمامِنا صاحبِ العصرِ والزمانِ (عج) خاتَمِ الأنبياءِ، وولادَة رسولِنا محمّدٍ (صلى الله عليه وآله) خاتَمِ الأوصياءِ وحفيدِه الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) وأسبوعِ الوحدة الإسلاميّةِ، نستذكِرُ معاً الدروسَ والعِبَرَ من وحيِهِما، وعلى رأسِها التأكيدُ على أنّ الإمامةَ امتدادٌ للنبوّة؛ لا يمكن للبشريّة أن تنالَ الفلاحَ والهدايةَ إلا بالتمسّك بهما معاً، عملاً بحديث الثقلين. وفَّقَنا اللهُ وإيّاكم لذلك.

أمّا الدرسُ الآخَرُ؛ فهو التزامُ البصيرةِ سبيلاً للنجاةِ من مُضِلّاتِ الفِتَنِ التي بدأَت تُطِلُّ برأسِها مع اللّحظاتِ الأولى لاستلامِ صاحبِ العصرِ والزمانِ (عج) زِمامَ الإمامةِ، فكانت فتنةُ جعفر الكذّاب التحدِّيَ الأوّلَ في عصرِ الغَيبةِ، والذي استهدَفَ تحريفَ مسارِ الإمامةِ، لكنّه فشِلَ نتيجةَ حضورِ الإمامِ وبصيرةِ المؤمنين في الروايةِ المشهورةِ التي لا داعِيَ لتفصيلِ القولِ فيها.

نعم! إنَّ عصرَ الغَيبة أشبَهُ ما تكونُ بالعصرِ الذي سبَقَ ولادةَ الرسولِ (صلى الله عليه وآله) وواكبَتْه على فَترةٍ من الرُّسُل، تَمُوجُ فيه فِتَنٌ كقِطَع الليلِ المظلمِ، يصبح الرجلُ فيها مُسلمًا ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا، ويُصبح كافرًا، يبيعُ دينَه بعرَضٍ من الدنيا- كما في النبويّ – ما يجعلُ القابضَ على دينِهِ كالقابضِ على جمرةٍ من النار؛ فعن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه، عن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: “للقائم منّا غيبةٌ أمدُها طويلٌ.كأنّي بالشيعة يجولون جَوَلانَ النَّعَم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه. ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقسُ قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة” (كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص303).

وما ذلك إلا لشدّةِ الابتلاءاتِ والمِحَنِ التي تُصيبُ المؤمنين؛ فعن إبراهيم بن عمر اليماني، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: “لتُمَخَّضُنَّ يا معشر الشيعة- شيعةَ آلِ محمد -كمَخيضِ الكُحل في العين، لأنَّ صاحبَ الكُحل يعلم متى يقع في العين، ولا يعلم متى يذهب، فيصبحُ أحدكم وهو يرى أنه على شريعةٍ من أمرنا، فيُمسي وقد خرج منها، ويُمسي وهو على شريعةٍ من أمرنا فيصبحُ وقد خرج منها” (الغيبة للنعماني، ص221).

أيها المؤمنون والمؤمنات، إنَّ نافذَ البصيرةِ المتعمِّقَ في الأمورِ يدركُ من استعراضِ أَوجُهِ التشابُهِ بين العصرَين أنّ الفتن تشتركُ هدفاً، ومُثيروها من طينةٍ واحدةٍ؛ فالفتنُ تستهدف تشويهَ الحقِّ وتجميلَ الباطلِ، ومثيروها مجبولون على عداوة الحقِّ والحقيقةِ مهما اختلفت الأسماءُ والعصورُ والأماكنُ والأزمِنةُ. لا فرقَ في ذلك بين فتنةِ الخوارجِ وأبي جهلٍ وأبي لهبٍ وجعفر الكذّاب.

وما أشبَهَ اليومَ بالبارحةِ! فهاهي الفتنُ قد أطَلَّت برؤوسها في منطقتنا لتضربَ الأخَ بأخيهِ؛ وكُلٌّ يدَّعي الحقَّ ويرمي غيرَه بالباطلِ. ولئلّا نضيعَ في التفاصيلِ السياسيّة والجغرافيّة سواءٌ في العراق أو لبنان أو غيرهما من بلدان المنطقة، نعودُ إلى القاعدة الأساسيّة التي ذكرنا في توصيف الفتن كي نصلَ إلى الحقائق.

لقد علَّمَتنا التجاربُ، لا سيّما خلال السنوات الأخيرة، أنّ كلّ المصائبِ والكوارثِ التي حلَّت بمنطقتنا، بل والعالَم، يقف خلفَها الاستكبارُ والصهيونيةُ والرجعيةُ؛ فهي التي صنعت داعشَ الإرهابيةَ باعتراف ترامب نفسِهِ، وهي التي صنعت القاعدةَ، وهي التي صنعت الكيانَ الصهيونيَّ من قبلُ، وهي التي موّلَت ودعمَت النشاطاتِ التكفيريةَ الإرهابيةَ في سوريا والعراق ولبنان. ولو تمثَّلَ الباطلُ جبهةً لكانت أمريكا والكيان الصهيوني والرجعية هي التي تشكِّلُها.

والتجاربُ الأخيرةُ نفسُها أثبتَت بما لا يقبلُ الشكَّ أنّ محورَ المقاومةِ في المنطقة وحدَه وقفَ في مواجهة الحملة التكفيرية الإرهابية الداعشية الرجعيةِ الصهيونية الاستكباريةِ. ومحورُ المقاومةُ هي التي قدّمت أغلى الدماء من أبنائها في سبيل الدفاع عن الحرمات الدينية الإسلامية منها والمسيحية وحتى الإيزدية صوناً للوحدة والكرامة والشرف والعزّة. ولولا تضحياتُ محور المقاومة لكانت بلدان منطقتنا تنوءُ تحت ظلِّ المحتلين الأمريكان والصهاينة والإرهابيين التكفيريين يذبِّحون أبناءها ويستحيون نساءَها. فإن تجسَّد الحقُّ جبهةً لكان محورُ المقاومةِ عمودَها الفقريَّ.

فإن اشتبَهَت عليكم الأمورُ في اتّخاذ موقفٍ واضحٍ من تطوّرات المنطقة، فاجعلوا المعيارَ محورَ المقاومةِ بوصِلةً لتمييز الحقِّ من الباطل. واجعلوا البصيرةَ سراجاً والدعوةَ للوحدة منهاجاً ولا تتّخذوا أهلَ الباطلِ أولياءَ من دون المؤمنين. فإنْ غُمَّ عليكم شيئٌ فراجِعوا تجاربَ المنطقةِ خلال السنواتِ الأخيرة، وانظروا من وقف ودعا لصفقة القرن والتطبيع والتقسيم، ومن وقف في وجه تلك المشاريع الهدّامة. عندها ستدر كون الحقائق.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد تلقّيت بسرورٍ بالغٍ خبرَ الإنجازِ الرياضيِّ الباهرِ الذي حقّقه المنتخبُ العربيُّ السوريُّ للجودو في البطولة العربية الأخيرة. وما زادني غِبطةً وفرحاً عزفُ النشيد الوطني السوري وارتفاع علم ذلك البلد الصامد ثمانيَ مرّاتٍ عند توزيع الميداليات. وهذا هو الإنجازُ الأهمُّ الذي يعكِس انتصارَ إرادة الصمود والمقاومة بعد سنواتٍ من الحصار والقطيعة على المستوى الرياضي.

إنني إذ أتقدّم من سوريا قيادةً وشعباً ومن أعضاء منتخب الجودو بالتهنئة على ذلك الإنجاز الباهر، سيكون من دواعي الشرف أن أستقبل أعضاء المتخب وكادره للتهنئة شخصياً ومنح جوائز تقديرية وميداليات تقديراً باسم القيادة والشعب الإيراني لهم. وإلى مزيدٍ من الإنجازات لشبابنا المقاوم. Pوقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنونO (سورة التوبة، 105 ).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*