خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 9 ربيع الثاني 1441 هـ

15/9/98 –  9ربيع الثاني 1441

الموضوع: الأخلاق الإسلامية (الأخلاق الإلهية) (التقوى والارتباط مع الله عزوجل)

الخطبة الأولى:

وجدنا في ما مضى من الخطب أنّ من ضروريات حياة الإنسان الارتباطَ بالله عزّ وجلّ المُحيطُ وحدَهُ علماً بما يُصلِحُ شأنَه وما يُفسِدُ، والقادرُ على تغيير مصيرِه وما قُدِّرَ له، والخبيرُ بما يُطيقُ العبدُ وما لا يُطيقُ.

وللارتباطِ بالله تعالى، كما استعرَضْنا، طرقٌ شتّى؛ منها ما هو سالِكٌ شرعاً فهو ممدوحٌ ومطلوبٌ يوصِلُ للغايةِ، ومنها ما هو غيرُ سالكٍ فهو مذمومٌ ومردودٌ يُودِي للتهلُكة. الأمرُ الذي يستوجِبُ المراقبةَ والحذرَ.

فالارتباطُ بالله بمَثابةِ القوّةِ المُحرِّكةِ التي تدفعُ الإنسانَ نحوَ المعالي والكمال في سبيل القُرب إلى الله؛ وَقُودُها الأخلاقُ الإلهيّةُ التي ذكرْنا نماذجَ لها من توكّلٍ وإخلاصٍ وتوبةٍ ودعاءٍ ومناجاةٍ وعملٍ صالحٍ وغيرها ممّا فصَّلْنا القولَ فيها؛ يجمعُها عنوانٌ واحدٌ يشكِّلُ بدوره سبباً من أسباب الارتباط بالله؛ أَلا وهو التقوى، فعن علي (عليه السلام) مخاطباً أحدَ الأشخاص: “أَيَسرّك أن تكون من حزب الله الغالبين؟ اتّق الله سبحانه وأَحسِن فى كلّ أمورك؛ فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون” (غرر الحكم، 2828). فمقامُ معيّةِ الله، في الحديث، لا يحلِّقُ في أجوائه إلا من له جناحا التقوى والإحسان، فما التقوى وما آثارُها؟

التقوى مشتقَّةٌ من الوقاية، بمعنى حفظِ الشيىء مما يؤذيه و يضره؛ فهي على مستوى الإنسان تعبيرٌ عن صَونِه وما يملك من كنوزٍ معنويةٍ وروحيةٍ في مقابل كلّ أنواعِ الاعتداء الصادرةِ من قُطّاعِ الطرُق إلى الله كشياطين الجنِّ والإنسِ.

والمُتَّقي في هذه الحالةِ، هو كلُّ مَن يمتلكُ زِمامَ أهوائه النفسيّة، ويلتزِمُ الضوابطَ العقليّةَ والشرعيّةَ، ويمتنِعُ عن الانجرارِ وراءَ الألاعيبِ الشيطانيّةِ. ما يجعلُ من حقيقةِ التقوى نوعاً من خلق القدرة على ضبط الجوارح كاللسان والعين واليد، والسيطرةِ على الجوانحِ كالفكر والخيال، مِكْبَحاً قويّاً للنفس الإنسانيّةِ.

فهناك علاقةٌ متبادَلةٌ بين الإنسان والتقوى؛ يصون الأوّلُ الأُخرى، لتصونَ الأُخرى الأوَّلَ، فالتقوى كاللباسِ للإنسان يقِيهِ الحَرَّ والبردَ، طالَما بقيَ الإنسانُ محافظاً عليه، يقول تعالى: Pولباسُ التقوى ذلك خيرٌO (الأعراف، 26).

ويقول علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: “اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز. والفجور دار حصن ذليل” (نهج البلاغة، الخطبة 157) فالبيتُ السليمُ يحتاجُ لصيانةٍ مستمرّةٍ كي يأمنَ ساكنوه العيشَ فيه.

عبادَ الله، إنّ التقوى حالةٌ تنطبقُ على كافّة المَوارِدِ؛ إذ يقول العلّامةُ الطباطبائيُّ في تفسيره: “إن التقوى ليس مقاماً خاصاً دينياً بل هو حالةٌ روحيةٌ، تجامع جميع المقامات المعنوية؛ أي إنّ لكل مقام معنوي تقوىً خاصاً يختص به”. فهي حركةٌ تشُقُّ سبيلَين في آنٍ واحدٍ معاً: التقرُّبُ إلى الله والمحبّةُ بين خلقه. فعن الإمام الجواد (عليه السلام): “مَنْ اِسْتَغْنی بِاللَّهِ اِفْتَقَرَ الْناسُ إِلَيْهِ، وَمَنْ اِتَّقَى الْلَّهَ أَحَبَّهُ الْناسُ وَإِنْ كَرِهُوا” (كشف الغمة، ج2، ص347). فقد جُبِلَت النفوسُ للانجذابِ نحوَ كلِّ زِيٍّ جميلٌ ومُلفِتٌ بغضِّ النظرِ عمّن يتقمَّصُه. وأيُّ لباسٍ أجملُ من التقوى!

والتقوى تخلقُ حالةً من الراحة الروحية والنفسية لدى من يلتزمها، فيبقى مَصوناً من القلق تِجاهَ المستقبل؛ فعن أبي عبد الله (عليه السلام): “من اعتصم بالله بتقواه عصمه الله، ومن أقبلَ اللهُ عليه وعصمهُ لم يبالِ لو سقطت السماء على الأرض” (بحار الأنوار، ج70، ص285)،  وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: “خصلةٌ من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة وربح الفوز بالجنة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التقوى” (بحار الأنوار، ج74، ص169).

الخطبة الثانية:

في ذكرى ولادةِ إمامِنا الحسنِ العسكريِّ (عليه السلام)؛ والدِ إمامِنا القائمِ المهديِّ (عجّل الله فرجه الشريف)، والتي صادفَت يومَ أمْسِ، نستعرِضُ محطّاتٍ من حياته الشريفةِ كي نستخلصَ منها الدروسَ والعِبَرَ.

لعلَّ ما ميَّزَ عصرَ الإمامِ العسكريِّ (عليه السلام) هي الظروفُ الصعبةُ التي أحاطَتْ به وأتباعَه؛ إذ يكفي أن نعلمَ أنّه (عليه السلام) عاصَرَ في فترة إمامتِه القصيرةِ ثلاثةً من خلفاء بني العباس: المعتزّ، المهتدي والمعتمد. ناهِيكُم عن اتّباعِ السلطةِ العبّاسيةِ سياسةَ التضييقِ تجاهَ الأئمةِ (عليهم السلام) وتشديدَ الضغوط مع الاقتراب من ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) منعاً من ظهوره الذي كان يعني للطغاة نهايتَهم طبقاً لبشارة النبي (صلى الله عليه وآله) الذي وعد بملء الأرض قسطاً وعدلاً به بعد ما ملئت ظلماً وجوراً؛ حتى بلغ الأمر بهم أن استدعَوْا ثلاثةً من الأئمة (عليه السلام) وهم: الجواد والهادي والعسكري (عليه السلام)، ليفرضوا عليهم الإقامةَ الجبريةَ في منطقة محدَّدةٍ تحت رقابتهم المستمرة، ليُصار فيما بعدُ إلى تسميمهم فينالوا الشهادةَ وهم في سنيِّ الشباب بأعمار 25، 40 و28 على الترتيب.

إلا أنّ تلك التحدِّياتِ لم تَحُلْ دونَ قيامِ الإمامِ العسكريِّ (عليه السلام) بمهامِّه على أكمل وجهٍ، ومواصلةِ عمله. فقد ابتكر (عليه السلام) طرقاً جديدةً للتواصل مع الأمة وعلَّم أتباعَه إياها؛ إمّا سرّاً وتمويهاً، فقد كان الشيعة إذا حملوا إلى الإمام العسكري ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى عثمان بن سعيد العمري الذي كان من المقربين ذوي المكانة عند الإمام (عليه السلام) متستِّراً ببيع السمن حتى عُرِف بالسمّان والزيّات، فيجعله في جراب السمن وزِقاقه، ويحمله إلى أبي محمد (عليه السلام) تقيةً.

أما الطريقةُ الأخرى؛ فمن خلال خلق شبكةٍ من الوكلاء الذين كان يعيِّنُهم الإمام (عليه السلام)، يلعبون دورَ الرابط بين الإمام والأمة على أوسعِ نطاقٍ في مختلف الأمصار والبلدان وفقَ هيكليةٍ دقيقةٍ. وأخيراً عن طريق المراسلاتِ التي أضحَت النمطَ السائدَ مع الاقتراب من عصر الغيبة.

نعم! لقد علَّمَنا الإمامُ العسكريُّ (عليه السلام) أهميةَ استمرار حالة التواصل بين الإمام والأمة حتى في أشدِّ الظروفِ. لأنّ مسؤوليةَ رعاية مصالح الأمة من أولى أولويات الإمام.

من هنا، ندرك الحكمة من حرص الإمام القائد الخامنئي (دام ظله) على التواصل مع مختلف شرائح الأمة الإسلاميةِ بشتّى الوسائل استمراراً لنهج النبوة والإمامة؛ فتارةً يتواصل عبرَ محور المقاومة باعتباره إمامَ المقاومين.

وتارةً من خلال نخب العالم الإسلامي وشخصياته ورواد وحدته وإصلاحه باعتباره إمام أهل الوحدة والتقريب والإصلاح. وأحياناً عبر رسائلَ يوجِّهُها للشباب الأوربي والأمريكي والعربي والمسلم باعتباره قائدَ الشباب ومُلهِمَهم.  وأحياناً من خلال التواصل مع العلماء ومراجع التقليد؛ فهم سَنَدٌ له في قيادة الأمة.  وأحياناً من خلال مخاطبة الناس العاديين بكل حرصٍ وشفقةٍ كي يتجاوزوا مشكلاتِهم المعيشيةَ، تطبيقاً للآية الكريمةِ Pعَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌO (التوبة، 128 ).

تلك كانت قبساتٍ من سيرة الإمام العسكري (عليه السلام) في توجيه الأمة لتشكيل كيانها الواحد الراسخ. فما أحوجَنا لتطبيقها في حياتنا العملية.

أيها المؤمنون والمؤمنات، يصادف يومُ غدٍ ذكرى وفاة السيدة فاطمةَ المعصومةِ (عليه السلام). تلك المرأةُ العظيمةُ التي استطاعت ببركة إقامتها مدةَ سبعةَ عشرَ يوماً بمدينة قم التاريخية أن تحوِّلَها لمركز إشعاعٍ حضاريٍّ يزداد أَلَقاً رغمَ مرور أكثرَ من ألف عامٍ.

لقد بلغَت تلك السيدة الجليلة مكانةً عظيمةً أقَرَّ بفضلها القريبُ والبعيدُ، حتى صارت تاليَ تِلْوِ المعصوم مَقاماً ومُقاماً؛ فقال الرضا (عليه السلام) بحقها: “من زار المعصومة بِقُمٍّ کمن زارني”.

وبعد أن استقدم المأمون أخاها الإمامَ الرضا (عليه السلام) إلى خراسان سنة 200 للهجرة، قصدَت زيارةَ أخيها هناك بعد عام من ذلك التاريخ، فرحلت السيّدة المعصومة تقتفي أثر أخيها الرضا عليه السلام ، والأمل يحدوها في لقائه حياً ، لكنّ وَعثاء السفر ومتاعبها أقعداها عن السير .فلزمت فراشها مريضة مُدنَفة ، ثمّ سألت عن المسافة التي تفصلها عن قم – وكانت آنذاك قد نزلت في مدينة ساوة – فقيل لها إنّها تبعد عشرة فراسخ ، أي 70 كم ، فأمرت بإيصالها إلى مدينة قم .فحُمِلَت إلى هناك، وهي مريضة، فلمّا وصلت، استقبلها أشراف قم، وتقدّمهم موسى بن خزرج بن سعد الأشعري، فأخذ بزمام ناقتها وقادها إلى منزله ، وكانت في داره حتّى تُوفّيت بعد سبعة عشر يوماً فأمر بتغسيلها وتكفينها، وصلّى عليها، ودفنها في أرض كانت له، وهي الآن روضتها، وبنى عليها سقيفة.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إن حياة السيدة المعصومة (عليه السلام) ووفاتها نموذجٌ لمكانة المرأة الحقيقية في الإسلام، فقد استطاعت بحجابها وعفافها والتزامِها بخط الولاية والإمامة أن تطلِق حركةً علميةً على مستوى العالم الإسلامي بل والعالمِ كلِّه من خلال تحويل بقعةٍ جغرافيةٍ محدودةٍ بقم إلى حوزة علميةٍ يمتدُّ تأثيرُها ليغطِّيَ الأماكنَ والأزمانَ نوراً وتأثيراً. وكفى بالثورة الإسلامية من نورها الوَضّاءِ.

ولعل إلى ذلك كان يشير إمامُنا الصادقُ (عليه السلام) حين وصف قم بحرم أهل البيت (عليه السلام)؛ فعن الحسن بن محمد بن الحسن القمي في تاريخ قم: “روى عدة من أهل الري، أنهم دخلوا على أبي عبد الله ( عليه السلام ) وقالوا: نحن من أهل الري، فقال ( عليه السلام ): مرحبا بإخواننا من أهل قم، فقالوا: نحن من أهل الري، فأعاد (عليه السلام ) الكلام، قالوا ذلك مراراً، وأجابهم بمثل ما أجاب به أولاً، فقال: “إن لله حرماً وهو مكة، وان للرسول ( صلى الله عليه وآله ) حرماً وهو المدينة، وإن لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) حرماً وهو الكوفة، وإن لنا حرماً وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة ، فمن زارها وجبت له الجنة” (بحار الأنوار، ج57، ص216). قال الراوي: وكان هذا الكلام منه ( عليه السلام ) قبل أن يولد الكاظم ( عليه السلام ). أسال الله تعالى أن يرزقنا في الدنيا زيارتها وفي الآخرة شفاعتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*