خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 7 جمادی الأولى 1441 هـ

7 جمادی الأولى 1441

في رحاب الشهيدين القائدين الزينبيين

الخطبة الأولى:

كنتُ قد أعدَدْتُ خُطبَتَي جمعةِ هذا اليوم حول ذكرى ولادة السيدة زينب (عليها السلام) التي نعيش أجواءَها، إلا أنّ نبأَ استشهادِ بطلِ الدفاع عن حرَمِ العقيلةِ وعبّاسِ عصرِنا اللواءِ الحاجِّ قاسم سليماني قائدِ قوةِ القدسِ في حرس الثورة الإسلامية والثلّةِ المجاهدةِ المؤمنةِ معه ليلةَ أمسِ، فرضَ نفسَهُ كي أغيِّرَ موضوعَ الحديث، رضىً لله ورسولِهِ وأهلِ بيتِهِ، لا سيّما السيدةُ زينبُ (عليها السلام) التي استقبلَتْه وأخوَيْها الحسينَ والعباسَ (عليهما السلام) وشهداءَ كربلاءَ ليلةَ أمسِ كما بادروا لاستقبال حبيبِ بنِ مظاهِر من قبلُ شكراً له على ما بذلَ من دمه لِئَلّا تُسبى زينبُ (عليها السلام) مرّتين.

لقد كنتُ أودُّ أن أستعرضَ دروسَ التضحيةِ والفداءِ التي يمكنُ أن نستلهِمَها من السيرةِ الزينبيةِ لنطبِّقَها في حياتنا، فجاءَ نبأُ استشهادِ الحاجِّ قاسم سليماني ليختصرَ عليّ الطريقَ والكلامَ.

فقد كان ذلك البطلُ نموذجاً لمن تشرَّبَ روحَ الولايةِ ونهضَ بأعباءِ الجهاد كي يحقِّقَ القَسَمَ الزينبيَّ حين قالت: “فواللهِ لا تمحوا ذكرَنا”.

كان موضوع خطبتي “السيدة زينبُ عالمة غير معلمة”، فأتى خبرُ استشهادِ الحاج قاسم سليماني ليعلِّمَنا أنّ القائدَ الزينبيَّ هو الذي يُعَلِّقُ على صدره نَياشينَ الولايةِ الإلهيةَ المعنويّةَ، ولا يجدُ الترفيعَ إلا بنَيْلِ وسامِ الشهادة.

لقد أردتُ أن أتحدثَ عن دور السيدة زينب (عليها السلام) في حفظ نهضة الحسين (عليه السلام) بصبرها وجهادِها، فجاء نبأُ استشهاد الحاج قاسم سليماني تجسيداً لتلك السيرةِ الزينبيةِ في حفظ الحَرَمِ والحُرُماتِ.

لقد كان بِوُدّي أن أتناولَ موضوعَ النبوءةِ الزينبيةِ بتحقيق النصر مهما تعاظَمَت التحدياتُ، حين خاطبَتْ الإمامَ السجادَ (عليه السلام) وسْطَ تلك الظروفِ بالقول: “لا يجزَعَنَّك ما ترى، فوالله إنَّ ذلك لَعهدٌ من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرَّجة وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي و الأيام، وليجتهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه و تطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً”

فكان استشهادُ الحاج قاسم سليماني مصداقاً لذلك، حين ربّى الآلافَ من المدافعين عن الحرم، يأبَوْنَ أن يُصابَ حرمُ العترةِ الطاهرةِ بأيِّ سوءٍ طالَما ينادونَ بأعلى الأصوات ونحن معهم جميعاً: “لبيك يا حسين… لبيكِ يا زينب”

كنت أودُّ أن أهنئكم بذكرى ميلاد السيدة زينب (عليها السلام) من جوارِ مقامِها، فجاء استشهادُ الحاج قاسم سليماني كي أهنئَ وأعزِّيَ بطلةَ كربلاء باستشهادِ عباسِ عصرِنا تزامناً مع الأيام الزينبية.

كنت أود أن أشكرَ الزوارَ الكرامَ على إحيائهم ذكرى المولدِ الزينبيِّ عند مقام العقيلة بكلِّ أمنٍ وأمانٍ، فجاء نبأُ استشهاد الحاج قاسم سليماني الذي كان له قَصَبُ السَّبْقِ في إعادة الأمن والأمان إلى ربوعِ هذه المنطقةِ، لأطلبَ من الزوارِ وكافةِ أبناءِ المنطقةِ أن يعبِّروا عن شكرهم لذلك الشهيدِ البطلِ من خلال الالتزامِ بالسيرِ على نهجِ المقاومة.

وأخيراً، أكرِّرُ التعازيَ والتهانيَ لصاحب العصر والزمان ونائبه بالحق إمامِنا الخامنئيِّ (دام ظله) باستشهاد عباسِ العصرِ الحاج قاسم سليماني والثلّةِ المجاهدةِ معه.

Pمِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًاO (سورة الأحزاب، 23).

أسأل الله تعالى أن ينصرنا و يوفقنا  لننهل من المعارف الدينية الحقيقية الاصيلة وأتضرع الیه أن يأخذ بيدنا لتحصیل ما یوجب رضاه بلزوم  تقواه. و أسال الله تعالى أن يحشرنامع الشهداء.

الخطبة الثانية:

انا لله و انا اليه راجعون، لقد تلقَّيتُ سَحَرَ هذا اليومِ بكلِّ تأثُّرٍ نبأً عظيماً أَلا وهو استشهادُ قائدِ الإسلامِ الكبيرِ الحاج قاسم سليماني مع ثُلّةٍ من قيادة جبهة المقاومة والحشد الشعبي العراقي في جريمة ارتكبها الإرهابيون الأمريكان الجبناء.

إنني أتقدم من أولئك الأبطال الشهداء بالتبريك على ترفيعهم الإلهي لرتبة الشهادة العظيمة التي لا ينالها إلا كلُّ ذي حظٍّ عظيمٍ، لأنها درجةٌ لن يبلغَها إلا من طلبها خالصاً مخلِصاً!وأيُّ مَقامٍ أعلى من مَقام القُرب الإلهي ببذل الدم والروح في سبيل الله، حتى يمنَّ تعالى على صاحبه بالقبول! وذلك هو الفوز العظيم الذي يستحق التبريكَ والتهنئةَ.

في المقابل، أتقدّم بخالص العزاء والمواساة من مولانا صاحبِ العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف) وولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله) وشعوب محور المقاومة لا سيما أبناءَ سوريا والعراق بعروج أولئك الشهداء. وهذا العزاء موجَّهٌ لهم لما قدّمه الشهيد الحاج قاسم سليماني من تضحيات وبذل من جهود وجهاد في الوقوف إلى جانب العراق وسوريا في مقارعة الدواعش التكفيريين والانتصار عليهم ودحرهم؛ فقد كان ظهيرَ المقاومة في ساحات المقاومة والجهاد، واستطاع باعتباره قائداً كبيراً وساعداً قوياً لولي أمر المسلمين أن يقف إلى جانب القيادة والجيش والشعب في سوريا والعراق في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني من خلال وليدتهما غير الشرعية داعشَ المشؤومةِ والخبيثةِ. حتى حقق النصرَ المؤزَّرَ بإجهاضِ دولةِ داعش التكفيريةِ بعد أن كان أعلنَ قبل سقوط داعش بثلاثة أشهر بحكمته نهايةَ ذلك التنظيم التكفيري الصهيوأمريكي، ليؤذِنَ بالانتصار النهائي من البوكمال السورية وقد حضر شخصياً هناك.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد كشفت العملية الإرهابية الأمريكية باستهداف الحاج قاسم الذي قضى على الإرهاب الداعشي، أن الأمريكان هم رأسُ الإرهاب والفساد في العالم، يتعاملون مع التطورات بكل سَفَهٍ وحماقةٍ؛ إذ لا يتجرأُ على ارتكاب مثل تلك الجريمةِ إلا كلُّ سفيهٍ وأحمقَ، وهو ما أشار إليه إمامنا الخامنئي (دام ظله) أخيراً في كلمته بمناسبة ميلاد السيدة زينب (عليه السلام) حين قال: “إن المسؤولين الأمريكان الحاليين سفهاء وحمقى”.

نعم! لقد أثبت الأمريكان بحمقهم علناً أنهم لا يريدون الاستقرار والأمن في المنطقة، لذا نراهم يعملون مع الصهاينة والرجعيين من آل سعود للتآمر على شعوب منطقتنا بنشر بذور الفتنة والعداوة بينهم حتى يتمكنوا من الإبقاء على وجودهم وسْطَ حالة الفوضى. فيعمدون للقيام بأي عمل حتى باستهداف الحاج قاسم سليماني قائدِ مقارعة الإرهاب الداعشي والقضاء عليه.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد غفل العدو الأمريكي والصهيوني بحمقه عن حقيقة الشهادة في محور المقاومة. تلك الحقيقةُ التي أعلنها الإمامُ الخمينيُ (قدس سره) حين خاطب الأعداء قائلاً: “اقتلونا فإن شعبنا سَيَعي أكثر” .

بدءاً من اليوم سيندم الأمريكان على حماقتهم التي ستزيد من بغض شعوب منطقتنا لهم وللصهاينة والرجعيين، بدءاً من اليوم سيلمس الأمريكان نتيجة حماقتهم حين سيخرج الآلاف من أبناء الحاج قاسم سليماني انتقاماً لدماء قائدهم، عندها سيدرك الأمريكان ومن معهم متأخرين أيَّ قبرٍ حفروا لأنفسهم وأيَّ مستنقعٍ غرقوا فيه.

بدءاً من هذه اللحظات، سيتحول الشعار الذي نردده بأعلى أصواتنا إلى واقعٍ حين ننادي بِمِلْءِ حناجرِنا: “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل” .

أيها المؤمنون والمؤمنات، كفى الشهيدَ البطلَ الحاج قاسم سليماني فخراً أنه كان حاضراً في كل موقفٍ لمقارعة العدوان الأمريكي الصهيوني التكفيري وتحقيق النصر، فقد كان شريكَ سيدِ المقاومة نصرِ الله وقائدِ انتصار تموز الحاج عماد مغنية كما صرَّح في مقابلته التلفزيونية الأخيرة التي عبَّر فيها عن شوقه لصديقه الشهيد الحاج عماد.

لقد كان النصير الأول للمقاومين العراقيين ضد الاحتلال الأمريكي البريطاني، وكان الشريكَ الميدانيَ والنصيرَ المحبوبَ للقيادة الحكيمة في سورية سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد في خط الدفاع عن دمشق والمعارك الكبرى في سورية كتحرير حلب والبوكمال وباقي المناطق المحررة وإعادتِها لحضن الدولة السورية.

لقد كان الشهيدُ حاضراً وشريكاً في انتصارات محور المقاومة في ساحات الجهاد والمقاومة حتى في فلسطين، ولقد كان مقاوماً دوّاراً بجهاده لا يبغي سوى عزة الإسلام المحمدي الأصيل وسؤدَدِ محور المقاومة. وغايةُ مُناهُ نيلُ الشهادةِ التي نالها أخيراً.

أيها المؤمنون والمؤمنات، ختاماً، لي كلمتان؛ إحداهما للأصدقاء والأخرى للأعداء.أما للأصدقاء فأقول:

أما الشهيدُ الحاج قاسم سليماني، فقد حقق أمنيتَه بالشهادة، ولكنّ نهجَه المقاوم سيبقى مستمراً وأشدَّ زَخَماً بدمائه من خلال أبنائه وإخوانه في محور المقاومة.وسيكون الانتقام قاسياً لدمه من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ستزلزل الأرض من تحت أقدام الغزاةِ الأمريكانِ والصهاينةِ وأذنابهم. والأيامُ القادمةُ ستشهدُ على ذلك.

ولن يزيد استشهاد الحاج قاسم سليماني أبناءَ المقاومةِ إلا تصميماً على إزالة الاستكبار والصهيونية من المنطقة والعالم، وستكون دماؤه ودماءُ رفاقه الشهداءِ الوقودَ للنارِ التي ستحرق المحتلين والغزاةَ والتكفيريين. وكما سَقَت دماءُ الشهداءِ برعمَ الثورة الإسلاميةِ الإيرانيةِ في بدايتها حتى صارت شجرةً مباركةً أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء في ظل توجيهات الإمام الخميني (رض) والإمام الخامنئي (دام ظله)، فإن دماء الحاج قاسم سليماني ورفاقه ستسقي شجرة محور المقاومة حتى تُظَلِّلَ بأوراقها الوارفةِ كافة أرجاء المنطقة لا سيما القدس الشريف”

أما للأعداء فأقول:

“باستهدافكم للحاج قاسم سليماني ورفاقه، حفرتم قبركم بأيديكم وحماقتكم. فانتظروا الانتقامَ القاسيَ الذي ينتظركم كما وعد إمامنا الخامنئي (دام ظله). والرد سيكون ما ترونَ و أما قبله فلابد من أن تسمعوا الشعار الذي نردده كلَّ يومٍ: “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل””

وأختم كلامي بالبيان الذي أصدره إمامنا الخامنئي (دام ظله) صبيحةَ اليوم في استشهاد القائد سليماني ورفاقه:

بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الشعب الإيراني العزيز، لقد عرجت روحُ قائد الإسلام الكبير والمكرَّم للسماء؛ فقد احتضنَت ليلةَ أَمسِ أرواح الشهداء الطيبةُ روحَ قاسم سليماني المطهَّرة.

إنّ سنواتٍ من الجهادِ الخالص والشجاع في ساحات مقارعة الشياطين وأشرار العالم، وسنواتٍ من تمنّي الشهادة في سبيل الله، بَلَّغَت أخيراً سليماني العزيزَ ذلك المقامَ الرفيعَ لِتُراقَ دمُهُ على يدِ أشقى البشر على الأرض.

إنني أتقدم من مقام بقية الله أرواحنا فداه ومن روح الشهيد المطهرة بالتبريك، كما أتقدم من الشعب الإيراني بالتعازي بشهادة ذلك العزيز.

لقد كان نموذجاً بارزاً لمدرسة الإسلام والإمام الخميني؛ فقد أمضى كاملَ عمره في الجهاد في سبيل الله، فكانت الشهادة جزاءَ سعيهِ الحثيثِ طوالَ تلك السنوات كلِّها.

برحيله لن يتوقف عمله ولن تَنسَدَّ طريقُه بحول الله وقوته. إلا أنّ انتقاماً قاسياً ينتظر المجرمين الذين لوّثوا أياديَهم الآثمةَ بدمه ودماء غيره من شهداء الحادثة.

إنّ الشهيدَ سليماني شخصيةُ مقاوَمةٍ دوليةٌ، وكافةُ عُشّاق المقاومة هم الطالبون بدمه.وليعلم كافةُ الأصدقاء- وكذلك كافة الأعداء- أن خط الجهاد والمقاومة سيستمر بدافع مضاعف، والنصرُ القاطعُ بانتظار مجاهدي هذا السبيل المبارك.

إن فقدان قائدنا المجاهد والعزيز مُرٌّ، إلّا أنّ استمرار الجهاد والنضال وبلوغَ النصر النهائي سيكون على القاتلين والمجرمين أكثر مرارةً.

سيخلِّد الشعب الإيراني ذكر واسم الشهيد عظيم الشأن القائد الفريق قاسم سليماني ومن رافقه من الشهداء لا سيما مجاهد الإسلام الكبير السيد أبو مهدي المهندس.

إنني إذ أعلن الحداد العامّ لثلاثة أيام في البلاد، أبارك وأعزي زوجته الكريمة وأبناءه الأعزاء وباقي ذويه.

سيد علي الخامنئي، 3/1/2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


The maximum upload file size: 1 MB.
You can upload: image, document.