خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 19 جمادى الآخرة 1441 هـ

19 جمادى الآخرة

الموضوع: سرّ رضى السيدة الزهراء (عليها السلام) عن الحياة

الخطبة الأولى:

عَشِيَّةَ ذكرى ميلادِ بضعةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوجِ وليِّ الله (عليه السلام) وأُمِّ أوليائه (عليها السلام) سيدتِنا ومولاتِنا فاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام)، نبارك لكم هذه المناسبةَ، سائلين اللهَ تعالى أن يجعلَنا من السائرين على نهجِها والعاملين بمنهجِها، إنه سميعٌ مُجيبٌ.

عبادَ الله، رغمَ قِصَرِ عُمُرِ مولاتِنا الزهراءِ (عليها السلام)، إلا أنّ حياتَها كانت حافِلةً بالدروسِ والعِبَرِ، ما يعجَزُ عن استيعابِها القرونُ من الأزمانِ، وتتقاصَرُ دُونَهُ أفهامُ ذَوي النُّهى. وما أَحْوَجَنا لِغَرْفِ ما يَسَعُنا من يُنبوعِ خيرِها سيرةً وسلوكاً في حياتِنا، بِما نَنالُ به كرامةَ الدنيا والآخرة.

ومِمّا يلفِتُ النظرَ في سيرةِ الزهراءِ (عليها السلام) أنّه لم يبدُرْ منها أيُّ شكوىً طَوالَ حياتِها مع شِدّةِ الظروفِ الثقافيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ التي مَرَّتْ بها، سَواءٌ في ظلِّ أبيها أو مع زوجِها. فقد وُلِدَت (سلام الله عليها) ونَشَأَتْ في وقتٍ كان أبوها الرسولُ (صلى الله عليه وآله) ومَن معه يخضعون لحصارٍ شديدٍ اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً في شِعبِ أبي طالب، لتخطُوَ الزهراء (عليها السلام) أولى خطواتِها وتتعلَّمَ المَشيَ على حِجارةِ ذلك الشِعبِ القاسيةِ الملتهِبةِ برَمْضاءِ الهَجيرِ، وتنطِقَ تلك الطفلةُ أولى كلماتِها وهي ترى أباها وأنصارَه في حالِ استنفارٍ دائمٍ في تلك الأجواءِ الصعبةِ.

وكلّما كبُرَت كانت تُواكِبُ جهادَ أبيها ومحاربةَ المشركين له، حتى إنها شهدَت بريقَ السيوفِ في بيتها.

ولمّا تزوجَت من علي (عليه السلام)، تعاملَت مع جُشُوبَةِ العَيشِ والصعوباتِ الاقتصاديةِ بكلِّ رِضىً، حتى إنّ زوجَها الذي كان يصِلُ الفقراءَ والمحتاجين، اضطُرَّ لاقتراضِ مقدارٍ من الشعيرِ أداءً لنذره وأبنائه. نَاهِيكُم عن التحدياتِ الكبرى التي واجهَتها بعد رحيل أبيها (صلى الله عليه وآله)، ما دعاها لخوضِ مُعتَرَكِ السياسةِ دفاعاً عن الإسلامِ وحقِّ زوجِها، فكانت لها تلك الخطبُ والمواقفُ المشهودةُ.

ومع ذلك كلِّه، لم يَصدُرْ عنها ما يشيرُ إلى شكواها ممّا مرَّت بِمَحَنٍ ورزايا لأحدٍ محتسِبةً راضيةً.

عبادَ الله، إنّ السرَّ الكامنَ وراءَ تمتُّعِ الزهراءِ (عليها السلام) بتلك الروحِ الراضيةِ، هو ذكرُ اللهِ ورِضاها برِضاه تعالى وحدَهُ، ما منحها حالةَ السكينةِ والاطمئنانِ؛ فالمؤمنُ الساعي للكمالِ الإلهيِّ يُهَوِّنُ المَصائبَ التي تعترِضُ طريقَهُ أنها بعين الله، فَتَحلو مَراراتُ الحياةِ بذكره؛ فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال:

“لیس عمل أحَبُّ إلی الله تعالی ولا أنجى لعبد من کل سيئة في الدنیا والآخرة من ذکر الله. قیل: ولا القتال في سبیل  الله؟ قال: لولا ذکر الله لم يؤمر بالقتال” (كنز العمال، 3931).

وكلّما زاد ذكرُ الله، ترسَّخَت طاعتُهُ، وعَلا منسوبُ الطمأنينةِ به، أَلا تسمعون قولَه تعالى في وصف عباده المؤمنين:

Pالَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئنُّ الْقُلُوبُO (سورة الرعد، 28).

ولا سبيلَ لبلوغِ الحياة الطيبةِ وجنةِ الشهودِ إلا بالرضى، وهو مقامٌ لا يناله العبدُ إلا بقبول ما يصدُرُ عن الله بحقه. ليصلَ إلى درجةِ الرضوانِ، وهي مرتبةٌ يرضى فيها الله عن عبده؛ يقول تعالى:

Pيَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ Q ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً Q فَادْخُلِي فِي عِبَادِي Q وَادْخُلِي جَنَّتِيO (سورة الفجر، الآيات 27-30).

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- يَرْفَعُهُ- إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: “كُنْتُ وَاقِفاً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أَسْكُبُ الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ، إِذْ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) وَهِيَ تَبْكِي فَوَضَعَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله وسلّم) يَدَهُ عَلَى رَأْسِهَا، وَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ لَا أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَكِ يَا حُورِيَّةُ. قَالَتْ: مَرَرْتُ عَلَى مَلَإٍ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَهُنَّ مُخَضَّبَاتٌ، فَلَمَّا نَظَرْنَ إِلَيَّ وَقَعْنَ فِيَّ، وَفِي ابْنِ عَمِّي… فبدأ رسول الله بالحديث بشأن علي (عليها السلام) فَقَالَ: أَلَا أَزِيدُكِ يَا فَاطِمَةُ، فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) رَغْبَةً؟ قَالَتْ: بَلَى…ثم قال: يَا فَاطِمَةُ، أَلَا أَزِيدُكِ فِي عَلِيٍّ رَغْبَةً؟ قَالَتْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: عَلِيٌّ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَارُونَ، لِأَنَّ هَارُونَ أَغْضَبَ مُوسَى، وَعَلِيٌّ لَمْ يُغْضِبْنِي قَطُّ. وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا غِظْتُ يَوْماً قَطُّ فَنَظَرْتُ فِي وَجْهِ عَلِيٍّ إِلَّا ذَهَبَ الْغَيْظُ عَنِّي.

يَا فَاطِمَةُ، أَلَا أَزِيدُكِ فِي عَلِيٍّ رَغْبَةً؟ قَالَتْ: زِدْنِي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: هَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، الْعَلِيُّ يَقُولُ لَكَ أَقْرِئْ عَلِيّاً مِنِّي السَّلَامَ. قَالَ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) وَهِيَ تَقُولُ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً، وَبِكَ يَا أَبَتَاهْ نَبِيّاً، وَبِابْنِ عَمِّي عَلِيٍّ بَعْلًا، وَوَلِيّاً. (الروضة في فضائل أمير المؤمنين، ج1، ص73)

فلا غَرْوَ أن نرى براعِمَ الرضى النَّدِيَّةَ قد رسمَت البسمةَ على شِفاهِ الحسينِ (عليه السلام) التي جَفَّت من العطش في صحراء كربلاءَ، وقد أخذها من أمه الزهراء (عليها السلام) التي كانت تردِّدُ دائماً: “رضیت بما رضي الله ورسوله” .

عبادَ الله، مهما اشتدَّت الظروفُ وادلَهَمَّت الخُطوبُ علينا، فلا مَلجأَ لنا إلا ذكرُ الله. هكذا علَّمَتنا أُمُّنا الزهراءُ (عليها السلام) وعلى هذا المبدأِ ترعرعَتْ في بيتِ أبيها محمد (صلى الله عليه وآله) وأمِّها خديجةَ (عليها السلام)، نَواةً أُولى لنموذج الحياة الإسلاميةِ الطيبةِ التي تجعل من الالتزامات الإلهيةِ الدينيةِ أساساً لسلوكياتِ الأفرادِ.

وما أجدَرَ بنا أن نتَمَثَّلَ قَدْرَ استطاعتِنا القيمَ الفاطميةَ في حياتنا، فهي كما وصفها إمامُنا الخمينيُّ (رض): “أَکمل نسخة للبشرية. وکلُّ الجوانب المتصوَّرة للإنسان تتجلّی فی وجودها”.

الخطبة الثانية:

لقد تَزَيَّنَت هذه الأيامُ وتَتَزَيَّنُ بمناسباتٍ مبارَكةٍ منها ما ذكرْنا في الخطبةِ الأولى عن ذكرى ميلاد سيدتِنا الزهراءِ (عليها السلام) في العشرين من جمادى الآخرةِ، والذي يتزامنُ مع ذكرى ميلادِ حفيدِها الإمامِ الخمينيِّ (رض) مفجِّر الثورة الإسلاميةِ الإيرانيةِ التي أحيَيْنا ذكرى انتصارها الواحد والأربعين قبل أيامٍ، فأكرِّرُ التَّهانيَ لكم مرةً أُخرى.

لم تكن الثورةُ الإسلاميةُ حَدَثاً عابِراً محدوداً بمنطقةٍ معيَّنةٍ، رغمَ انطلاقِها من بقعةٍ جغرافيةٍ بعينِها وهي إيرانُ، بل كانت حركةً حضاريةً ثقافيةً دينيةً كبرى شكَّلَت مُنعَطَفاً تاريخياً حاسماً في مَسارِ مناهضةِ الاستكبار والظلم والجور ومحاربةِ سلوكياتِ المستكبرين الجاهليةِ في العصر الحديث. الأمرُ الذي يجعلُ منها معجزةً بكلِّ ما تحمِلُهُ الكلمةُ من معنىً، فقد حقَّقَت الانتصارَ رغمَ كافّةِ العَقَباتِ، واستَمَرَّت في التمسُّكِ بمبادئِها طوالَ أكثرَ من أربعةِ عقودٍ متجاوِزَةً كلَّ التحدِّياتِ والمؤامراتِ، وهي أقوى من قبلُ وأعظمُ تأثيراً على مستوى المنطقةِ والعالَمِ، بينما أعداؤها وعلى رأسِهم أمريكا والكيانُ الصهيونيُّ أشَدُّ ضَعفاً وأُفولاً.

وهنا، يَحِقُّ لنا أن نُوَجِّهَ كلمةً للمنصفين في العالَمِ بالقول: بعد مرورِ واحدٍ وأربعين عاماً من انتصار ثورتنا المباركة، قارِنوا بين إيرانَ وأمريكا! قارنوا بین إیران وإسرائیل: أيُّهُما أكثرُ تأثيراً في معادلات المنطقةِ؟ وأيُّهُما تصاعَدَت حركتُهُ؟ وأَيُّهُما أَفَلَتْ؟

ولا ريبَ أنّهم لن يَحاروا جواباً سوى الاعترافِ بالحقائقِ التي تُثبِتُ المَسارَ التصاعُدِيَّ للثورة، في مقابِلِ انحدارِ مُناوئيها، كما يُذْعِنُ بها الأعداءُ قبلَ الأصدقاءِ. فهذا الرئيس الأمريكيُّ الأسبَقُ كارتر الذي كان يَكيلُ قصائدَ المدحِ للشاه المقبورِ واصفاً إيرانَ في ظلِّ حكمه البائدِ بجزيرةِ الاستقرارِ، وذلك قبلَ انتصارِ الثورةِ بعامٍ، نراهُ يُغيِّرُ موقفَه مئةً وثمانين درجةً بعدهُ، ليقول: “لو تسمح لي إيران بالدخول إلى أراضيها حتى أضع وردة حمراء على قبر الخميني”.

و هذا إنما يدل على عظمة شخصية الإمامِ الكريمة حتى عند أعدائه! وهو الذي فرضَ عليهم القبولَ بحقائقِ قوةِ الثورةِ مُرغَمين، فلا يجدون مَناصاً سوى التَّوَدُّدِ لها، مِنْ هُنا نُدرِكُ حجمَ الإعجازِ الذي تَحَقَّقَ بانتصارِ الثورةِ.

نعم! إنّ ثورتَنا إعجازيّةٌ وصفَها ذلك الشهيدُ العالِمُ المجتهدُ البصيرُ السيدُ محمد باقرُ الصدرُ بقوله: “قد حقق الله تعالى آمالَ جميع الأنبياءِ على يد هذا الرجل العظيم (يعني الإمام الخميني)”

ولا ريبَ أنّ محاربةَ الظلم والجور ومقاومةَ المستكبرين من أهمِّ آمالِ الأنبياءِ جميعاً. وقد جعلتها الثورةُ على رأسِ أولوياتِها؛ فها هي الجمهوريةُ الإسلاميةُ سَبَّاقةٌ لتلبيةِ نداءِ المظلومين والمستضعفين في كلِّ بقعةٍ من العالَم دعماً لهم تحقيقاً لآمالِ الأنبياءِ. وما استشهادُ القائدين سليماني والمهندس إلا نموذجاً لتلك الحقيقةِ.

ومن أَوْجُهِ ذلك الإعجازِ أنّ مرورَ ما يَرْبو على أربعين عاماً من عمر الثورة لم يَزِدْها إلا اقتداراً، تقف بكلِّ عزّةٍ وإباءٍ في مقابلِ أعدائِها. فها هو إمامُنا الخامنئيُّ يخاطب الصهاينةَ ويردُّ على تهديداتهم بالقول: “لو ارتكبَت إسرائيلُ أصغرَ غلطةٍ، فإننا سَنُسَوِّي تل أبيبَ وحيفا بالتراب”.

وعندما يرفضُ إمامُنا الخامنئيُّ (دام ظله) استلامَ رسالةِ رئيسِ أمريكا الأحمقِ ترامب عبرِ رئيسِ الحكومةِ اليابانيِّ قائلاً: “لا أراه لائقاً بتبادل الرسائل معه”. فهذه مؤشِّراتٌ لا لُبْسَ فيها على أفول أمریکا. ناهِيكُمْ عن الانتصاراتِ التي حقَّقَتها الثورةُ في مختلف الميادين طوالَ أربعةِ عقود، ما لا يَسَعُ المجالُ لاستعراضِها.

أيها المؤمنون والمؤمنات، في ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد القائد الحاج قاسم سليماني وأخيه أبي مهدي المهندسِ، نستذكرُ عظمةَ الثورة الإسلاميةِ وإمامِها، والتي خَرَّجَتْ أمثالَ أولئك القادةِ الأفذاذِ، وجعلَت من الشهادةِ أعلى القِيَمِ التي تروي بدماء شهدائها شجرةَ الثورةِ كي تزدادَ رسوخاً، وكلّما زاد عددُ الشهداءِ زادت المقاومةُ عزةً وسُؤْدَداً، وزاد أعداؤها ذلاً وهواناً؛ إذ بأمثال الشهيد سليماني ورفاقه سقطَت مشاريع الاستكبار الأمريكيةِ الصهيونيةِ في المنطقة من سوريا إلى لبنان وفلسطين والعراق واليمن، وبدمائهم التي أثمرَت المئاتِ من سليماني والمهندس من أبناء محور المقاومةِ سيخرج الأمريكان مدحورين من المنطقة، بعدَ أن ملؤوا صدورَ شعوبِها حقداً وبغضاً لوجودهم المحتلِّ في حالةٍ عامّةٍ تأبى بقاءَهم ولو للحظةٍ على أراضيها التي لن تكون إلا للأحرار المقاومين، لا المنبطحين الخانعين الرجعيين.

وعندما تأتي الأنباءُ من إحدى قرى سوريا الصمود بالقامشلي عن قيام أبناء هذا البلدِ المقاومِ بإنزالِ العلم الأمريكيِّ من آليةٍ للاحتلالِ الأمريكيِّ ومنع المحتلين الأمريكانِ من دخول تلك القريةِ، يغمُرُنا شعورٌ غامِرٌ بالفخرِ والاعتزازِ بهذا الشعبِ الأَبِيِّ الذي سيُطلِقُ الشرارةَ الثانيةَ لإخراجِ الغُزاةِ الأمريكانِ بعدَ العراق، وهذه بشارةٌ كبرى لسحقِ و أفولِ الأمريكانِ.

رحمةُ الله ورضوانُه على إمامنا الخميني (رض) وأبنائه الشهداء المقاومين لا سيما القائدَين سليماني والمهندس، ونسأله تعالى أن يرزقَنا الشهادةَ في سبيلِه. إنه سميع مجيب.