آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 26 جمادى الآخرة 1441 هـ

26جمادی الثانیة 1441

الموضوع: علاقة الإيمان بالتقوى في خلق الارتباط بالله تعالى

الخطبة الأولى:

عندَ البحثِ حولَ الإيمانِ والتقوى في القرآنِ الكريمِ، نُواجِهُ مجموعتين من الآياتِ، قد يشْكل علينا الجمعُ بينهما ظاهريّاً، إلا أنّ التدبُّرَ فيها يفتَحُ علينا باباً من العلمِ لم يكُن في الحُسْبانِ. فهناك آياتٌ تدعو المؤمنين للتقوى، كقوله تعالى: Pيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَO (سورة الحشر، 18)، وقوله: Pيا أيُّها الّذين آمنوا اتّقوا اللهَ وابْتَغُوا إليه الوَسيلَةَ وجاهدوا في سبيلِه لعلّكم تُفلِحونO (سورة المائدة، 35).

في المُقابِلِ توجَدُ آياتٌ تجعل من التقوى مَعبَراً إجبارياً لبلوغ الإيمان، مِن قبيلِ قوله تعالى: Pالَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَO (سورة يونس، 63)، Pوَلَأَجْرُ الْأَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَO (سورة يوسف، 57)، Pوَأَنجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَO(سورة النمل، 53)، Pوَنَجَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَO (سورة فصلت، 18).

الأمرُ الذي يدفعُنا للتساؤلِ: هل الإيمانُ أرضيّةُ تحصيلِ التقوى، أو التقوى قاعدةُ بلوغِ الإيمانِ؟

للإجابةِ نقول: هناك نوعانِ مُتَصَوَّران للتقوى؛ أحدُهُما يَسبِقُ الإيمانَ، والآخَرُ يَتْبَعُهُ.

فالتقوى التي تتبَعُ الإيمانَ، عبارةٌ عن امتلاكِ روح الحَصَانَةِ تِجاهَ الأخطارِ والتهديدات المعنويةِ التي يُعَبَّرُ عنها بالمعاصي والذنوب عُرفاً؛ إذْ بَعْدَ أن يَطوِيَ الإنسانُ مَراحِلَ الإيمانِ الثلاثةَ، مُتَلَبِّساً بالإيمانِ إقراراً باللّسانِ وتصديقاً بالقلبِ وعملاً بالجوارحِ والأركانِ، يبذُلُ ما بِوُسْعِهِ كي ينال حالةَ اجتنابِ المعاصي ليزيدَ إيمانَهُ زينةً وجمالاً، ويرتقيَ به رُتبةً ومَقاماً.

أمّا التقوى التي تسبِقُ الإيمانَ؛ فهي التقوى العقليةُ التي تهدي الإنسانَ للإيمانِ بالله وتوحيدِهِ. فهي بمثابةِ العاملِ المُحَفِّزِ الذي يدفَعُ لمزيدٍ من استثمارِ العقلِ والفكرِ في سبيل التوجُّهِ للتوحيد وبلوغِ الإيمانِ واعتناقِ الإسلامِ.

وهو المفهومُ الذي أُشِيرَ إليه في عددٍ من الآياتِ كما في الآيةِ الرابعةِ من سورةِ البقرةِ، عند ذكر خاصِّيَّةِ الهدايةِ القرآنيةِ لأهل التقوى، بقوله تعالى: Pذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَO (سورة البقرة، 2)

ولا ريبَ أنّ المقصودَ من التقوى في الآية غيرُ معناها العامِّ؛ إذ ذكرَ الشهيدُ مطهري أنّ المرادَ التقوى العقليةُ. فَلن يكون القرآنُ هادِياً لسبيل الإيمانِ إلا لمن سارَ في طريق العقلِ وأنارَ مصباحَ الفكرِ في نفسه.

عباد الله، لقد تَكَرَّرَ ذكرُ التقوى العقليةِ والفِطريّةِ في عددٍ من الآياتِ، كقوله تعالى: Pإِنَّ فِي اخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ في السَّمَواَتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَO (سورة يونس، 6)، فمن يستعمِلْ عينَه وقلبَه للتفكير في تلك الظواهرِ الكونيّةِ، ينطبقْ عليه مفهومُ التقوى بهذا المعنى.

ويقول تعالى: Pإِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَأَيَتٍ لِاُّوْلِي الْأَلْبَابِO (سورة آل عمران، 190)، فإن كان تعاقُبُ الليلِ والنهارِ في هذه الآيةِ دليلاً إلى الله عند ذوي العقولِ، يَتَبَيَّنُ لنا أنّ المقصودَ من المتقينَ الذين ذُكِروا في الآية التي سبقَتها هم ذوو الفكرِ والعقلِ من أهلِ النُّهى.

فالتقوى التي تسبِقُ الإيمانَ، والتي يُفَضَّلُ التعبيرُ عنها بالتقوى الفطريّةِ، تَتَبَلْوَرُ ابتداءً بتجنُّبِ الشِّرْكِ، والسعيِ إلى الله بالعقل والفكر، لبلوغ منازلَ الإيمانِ في ضوء هدايةِ الأنبياءِ والأولياءِ. جعلَنا اللهُ وإياكم منهم.

عبادَ الله، إن اعتبرْنا الإيمانَ في ضوءِ ما ذكرْنا ذا مرحلتين؛ إحداهما قبلَ التقوى، والأُخرى بعدَها، لا بُدَّ عندئذٍ من تعريف ما ذكرْنا من تقسيمٍ كما يلي: الإيمانُ قبلَ التقوى: إقرارٌ باللسانِ. أما الإيمانُ بعدَ التقوى: تصديقٌ بالقلبِ.

وكلاهما يُنتِجُ عملاً بالجوارحِ. ولكنْ شَتَّانَ بين عملٍ يَنبثِقُ من المرحلةِ الثانيةِ أي التصديق القلبيِّ، وعملٍ يقتصِرُ على المرحلةِ الأولى أي مُجَرَّدِ الإقرارِ باللّسانِ.

وما أَروَعَ وصفَ إمامِنا أميرِ المؤمنين (عليه السلام) للتقوى حركةً إصلاحيةً جامعةً تشمَلُ كافةَ الأبعادِ العَقَدِيَّةِ والأخلاقيةِ والاجتماعيةِ والتبَصُّرِيّةِ، حين يقول: “إنّ تقوى الله دواءُ داءِ قلوبكم، وبَصَرُ عَمَى أَفئدتِكم، وشفاءُ مرضِ أجسادكم، وصلاحُ فسادِ صدوركم، وطَهورُ دَنَسِ أَنفسِكم، وجَلاءُ عَشَا أَبصاركم، وأَمنُ فزَع جَأْشِكم، وضياءُ سوادِ ظُلمَتِكم” (نهج البلاغة، الخطبة 198).

الخطبة الثانية:

خلال بضعة أيّامٍ سنستقبِلُ وإيّاكم، بحول الله وتوفيقه، شهراً كان أولياءُ الله يَتَحَرَّقون شَوقاً لِلُقْياهُ كلَّ عامٍ وَطَوَالَ حَياتِهِمْ كي يَغْسِلُوا أراوحَهُم بِعَذْبِ مائِهِ الروحِيِّ؛ إنّه شهرُ رجبَ المبارَك، الذي قال فيه رسولُنا الكريمُ (صلى الله عليه وآله) عن رَبِّهِ:

“يقول الله تعالى:  ….الشهر شهري و العبد عبدي، والرحمةُ رحمتي، فمن دعاني في هذا الشهر أجبته، و من سألني أعطيته، و من استهداني هديته، وجعلت هذا الشهر حبلاً بيني و بين عبادي، فمن اعتصم به وصل إليّ” (بحار الأنوار، ج٩٥، ص٣٧٧).

وكانَ (صلى الله عليه وآله) كُلَّما رأى هلالَ رَجَبَ قال: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا شهر رمضان، وأعنا على الصيام والقيام وحفظ اللسان وغض البصر، ولا تجعل حظنا منه الجوع والعطش” (بحار الأنوار، ج٩٥، ص٣٧6).

إنّني إذ أُباركُ لكم سَلَفاً حُلُولَ تلكَ الأيامِ المبارَكةِ، أَدعو نفسي وإيّاكُم وكافَّةَ المؤمنين للتَّهَيُّؤِ والاستعدادِ لاستثمارِ لحظاتِ تلك المَحَطَّةِ المعنويّةِ عبادةً وصَلاحاً واستغفاراً.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إنّها أيّامُ فَرَحٍ وَسُرورٍ لمحورِ المقاومةِ، لا سِيَّما للشعبِ السوريِّ الأَبِيِّ، وهو يَشهَدُ بكلِّ فَخرٍ واعتِزازٍ الانتصاراتِ تِلْوَ الانتصاراتِ اللّافِتَةِ التي يُحَقِّقُها الجيشُ العربيُّ السوريُّ البطلُ وحلفاؤهُ المُخلِصون في مَعاركِ تحريرِ شمالَ غربيِّ البلاد.

وما تِلْكَ الإنجازاتُ المَيدانيّةُ إلا ثَمَرَةَ تَمَسُّكِ الشعبِ السوريِّ الصامِدِ بكافّةِ طوائفِهِ بنهجِ المقاومةِ، إلى جانِبِ وقوفِ أصدقائه وحلفائه بمحورِ المقاومةِ معه، طَوَالَ سَنواتِ مِحنةِ التكفيريين وفتنةِ الدواعِشِ التي استهدَفَت هذا البلَدَ العزيزَ، الذي خَرجَ منها مرفوعَ الرأسِ عاليَ الجَبينِ بقيادتِهِ الحكيمةِ الشُّجاعةِ.

إنّ تحريرَ ريفِ حَلَبَ بشكلٍ كامِلٍ إيذانٌ بِقُربِ نهايةِ الإرهابيّين الذين لا خَيارَ أَمامَهُم إلّا الاستسلامُ خوفاً من بَطْشِ المقاومةِ أو مُلاقاةِ مصيرِهِم المحتوم بِحَدِّ سَيْفِها البَتَّارِ.  وَكُلُّ ما سِوى ذلك مِن صُراخٍ وطَلَبِ نَجْدَةٍ من دُوَلٍ أُخرى-حتى وإنْ تَدَخَّلَتْ- إنَّما هو جَهدِ العاجِزِ، ولن يُغَيِّرَ من الأمرِ شيئاً.

وَلْيَعْلَمِ الكيانُ الصهيونيُّ بالذّاتِ أنّه لَمْ يَعُدْ تُجُدِي عَرْبَدَاتُهُ نفعاً لأيتامِهِ الإرهابيّين، لأنَّ إرادةَ هذا الشعبِ، كما قال سيادةُ الرئيسِ السوريِّ، هي تحريرُ كامِلِ الأرضِ السوريةِ، ولن يحيدَ عنها قَيْدَ أَنمُلةٍ.

ولَقد خَبِرَ العدُوُّ الصهيونيُّ قَبلَ غيرِهِ إرادةَ الصمودِ والمقاومةِ لدى هذا الشعبِ، فوجدَها أَصلَبَ بكثيرٍ من أن يَنالَ منها بِقَرْصَناتِهِ الصِّبْيانِيَّةِ؛ فإنّ شعباً استطاعَ دَحْرَ داعشَ صنيعةِ الأمريكانِ بِكُلِّ هَمَجِيَّتِها وَوَحشِيَّتِها، لَقادِرٌ بإذنِ الله على دَحْرِ إسرائيلَ رَبيبةِ الأمريكانِ.

من هنا، إنّني باسمِ الجمهورية الإسلاميةِ الإيرانيةِ قيادةً وشعباً، إذ أُهنِّئُ الجمهوريةَ العربيةَ السوريةَ قيادة وجيشاً وشعباً وقوى مقاومةٍ بهذه الانتصاراتِ الظافرةِ، و أُحَيِّي أرواحَ الشهداءِ، لا سيّما شهيدَ محورِ المقاومةِ القائدِ الحاجِّ قاسم سليماني وأقول له: “أيْ حاج قاسم! نَمْ قَرِيرَ العَيْنِ في ملكوتِك، فها هي جهودُك قد أثمَرَتْ عِزّاً ونصراً. ولن ينسى شعبُ هذا البلدِ المقاومِ دعمَكَ ووقوفَكَ معه، وسيذكُرُكَ في كلِّ شِبْرٍ يَتَحَرَّرُ وفاءً لتضحياتِكَ أيها البطلُ العزيزُ”

أيها المؤمنون والمؤمنات، وَسْطَ هذه التطوُّراتِ الميدانيّةِ المُتَسارِعةِ لصالحِ محورِ المقاومةِ في دَحْرِ الإرهابيّين، فاجَأَنا موقِفُ أحدِ المسؤولين الفرنسيّين بادِّعائه القَلَقَ على البُنيَةِ التحتيّةِ الصِّحِّيّةِ وغيرِها في مناطق القتال بإدلب خِشْيَةَ إصابتِها بأضرارٍ نتيجةَ الهجماتِ على حَدِّ زَعمِهِ! فَيا لَهُ مِن تَصريحٍ يضْحِكُ الثَّكْلَى! ويَرمي صاحِبَهُ بالجهلِ والغَباءِ، ويجعلُهُ عُرْضَةً للسُّخريةِ والاستهزاءِ! وأَحْسَبُ وجودَ الكثير من أمثالِهِ المنافقين في أوساطِ السياسيين الغربيين.

وأقولُ له ولأمثالِه: أينَ أنتم عن الشعبِ اليمنيِّ المظلومِ نساءً وأطفالاً وشيوخاً عُزَّلاً حينَ يُمطِرُهُ آلُ سعودٍ بأنواعِ القنابلِ المحرَّمةِ دَوْلِيّاً والمُصَنَّعَةِ في بُلدانِكم التي تبيعُها لهم مع الطائراتِ التي تحمِلُها، دونَ أن تَنْبِسوا بِبِنْتِ شَفَةٍ؟! وكأنَّ أطفالَ اليمن لا تنطبقُ عليهم المعاييرُ الإنسانيةُ! ولماذا لم نسمَع لكم صوتاً حين اختطفَ الصهاينةُ الغاصبون طفلاً فلسطينياً لم يتجاوز الثمانيَ سنواتٍ، ليقتلوه ويَرموا جَسدَه في القُمامة، وتمنَعَ الجهاتُ الصهيونيةُ من نشرِ الخبرِ بالضغطِ على وسائلِ الإعلامِ؟

كلُّ تلك الجرائمِ لا تدعو لقلقِكم المزعومِ، بينما ترفعون عَقِيرَتَكُم قلقاً وتنديداً عند استهدافِ مجموعات الإرهابيين التكفيريين الذي ارتكبوا من الجرائم المُرَوِّعةِ بحقِّ الإنسانيةِ ما يَنْدى له الجَبينُ خَجَلاً، مِن فرضِ حِصارٍ خانِقٍ لثلاثِ سنواتٍ ونصفٍ على أهالي الفوعةِ وكفريا، أَوْصَلَهُم للمَجاعَةِ، وتهجيرِهِم من ديارِهم، واستخدامِ المدنيين دروعاً بشريةً هذه الأيامَ.

حقيقةً إنّ موقفَ ذلك الفرنسيِّ لَيَدعو للخجل والعارِ. ولكنْ ليس غريباً عن هؤلاء مثلُ تلك التصريحاتِ التي تَعكِسُ موقفَ سيدِهِم الأمريكيِّ المستعِدِّ للمتاجَرةِ بكافّةِ القِيَمِ الإنسانيةِ والمقدَّساتِ في مقابِل المالِ، وما صفقةُ القرنِ ببعيدةٍ عنا. فَمَن كانَ هذا سيِّدَهُ، فلا شَكَّ أنه سيكون كذلك، وكما يقول الشاعر:

إذا كان رَبُّ البيتِ بالدَّفِّ ضارباً         فَشيمةُ أهلِ البيت كلِّهِمُ الرَّقصُ

وهكذا هم أتباعُ الأمريكانِ؛ فآلُ سعودٍ مستعدّون للتخلّي عن كرامتهم بالتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب واستقبال وفوده عند البيت الحرام في سبيل نَيلِ رِضى سيدهم الأمريكي.

ولكن يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. إذ عليهم أن يعلموا أنّ كلَّ مؤامراتِهِم على قضايا المسلمين وصَفقاتِهِم التي يعمَلون عليها ستموتُ جميعاً قبل أن يموت ترامب نفسُه، كما بشَّرَ إمامُنا القائدُ. ولن تسمحَ الشعوبُ المقاوِمةُ، كالشعب السوريِّ بقيادته الحكيمةِ، بتمرير صفقاتٍ على حسابِ عِزَّتِهِ وكرامتِهِ، وستبقى شعوبُ منطقتِنا المقاوِمةُ منتصرةً دائماً، لَها وَحْدَها الكلمةُ العُليا إن شاء الله.

رحمةُ الله ورضوانُه على إمامنا الخميني (رض) وأبنائه الشهداء المقاومين لا سيما القائدَين سليماني والمهندس، ونسأله تعالى أن يرزقَنا الشهادةَ في سبيلِه. إنه سميع مجيب.