خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب الجمعة 11 رجب 1441 هـ

 11رجب 1441

الموضوع: مفهوم نصرة الإمام علي (عليه السلام) في ضوء الأحاديث

الخطبة الأولى:

على أعتاب ذكرى ولادةِ أميرِ المؤمنينَ الإمامِ عليّ (عليه السلام)، نباركُ لكم تلك المناسبةَ العظمى، سائلينَ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من المتمسِّكين بنهجِهِ والسائرينَ على هُداهُ.

مِنَ المَفاهيمِ المُتَداوَلةِ في أَوْساطِ المسلمين، حُبُّ أهلِ البيت (عليهم السلام)، لا سيّما الإمامُ عليّ (عليه السلام)؛ إذ طَفَحَتِ المصادرُ الإسلاميّةُ المعتَمَدَةُ لدى الفريقَينِ بهِ. وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ التي تَحُثُّ على خَلقِ تلك المَحَبَّةِ في القلوبِ والإبقاءِ على جَذْوَتِها وَقَّادَةً، ناهِيكُمْ عن مِقدارِ الأجرِ والثوابِ الذي ذكرَت لِذلك بِما يعجِزُ عن الإحاطةِ بهِ فِكرٌ وعقلٌ، حتى جعلَت منها نوعاً من العبادةِ؛ فقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): “حُبُّ عَلِيٍّ عِبادَةٌ، ولا يَقبَلُ اللّهُ إيمانَ عَبدٍ إلّا بِوَلايَتِهِ وَالبَراءَةِ مِن أعدائِهِ”. (إرشاد القلوب، 209). فصارت تلك المحبّةُ علامةَ هويّةِ المؤمنِ؛ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): “عنوان صحيفة المومن حب علي بن أبي طالب”. (بشارة المصطفى، 154).

عبادَ الله، كثيراً ما اقتَرَنَتِ محبّةُ أهلِ البيتِ والإمامِ عليٍّ (عليهم السلام) في الأحاديثِ بِنُصرَتِهِمْ، وإليكُم نموذَجاً منها:

عن أبي بصير، قال: “سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) يحدث عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما لأصحابه: (في حدیث طویل…) فقال سلمان ( رحمة الله عليه ): ….ولكني سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام ): يا أبا الحسن، مَثَلُك في أمتي مَثَلُ سورة التوحيد (قل هو الله أحد)، فمن قرأها مرةً فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فقد قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فقد ختم القرآن، فمن أحبك بلسانه فقد كَمُلَ له ثلثُ الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه فقد كَمُلَ له ثلثا الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه ونصرك بيده فقد استكمل الإيمان. والذي بعثني بالحق يا علي، لو أحبك أهل الأرض كمحبة أهل السماء لك لما عُذِّب أحد بالنار، وأنا أقرأ ( قل هو الله أحد ) في كل يوم ثلاثَ مرات. فقام وكأنه قد أُلقِمَ حجراً”. (المناقب لابن شهر آشوب، ج3، ص200)

يَتَبَيَّنُ لنا من الحديثِ أنّ الارتقاءَ بمستوى الإيمانِ لمرحلةِ التكامُلِ رَهْنٌ بنُصرةِ عليٍّ (عليه السلام)، لا مجرَّدَ الاكتفاءِ بحبِّه لساناً وقلباً، ولكنْ أَنَّىٰ لَنا ذلكَ وكيف السبيلُ إلى نُصرتِهِ؟ بل هل يحتاجُ أصلاً لنصرتِنا؟!

لا ريبَ أنَّ أهلَ البيت (عليهم السلام) مَظهَرُ جمالِ اللهِ وجلالِهِ الأَسْمَىٰ؛ فَهُمْ مَحَالُّ مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَسَاكِنُ بَرَكَةِ اللَّهِ وَمَعَادِنُ حِكْمَةِ اللَّهِ وَحَفَظَةُ سِرِّ اللَّهِ وَحَمَلَةُ كِتَابِ اللَّهِ، يَستَمِدّونَ مِنهُ كُلَّ شيٍء. واللهُ تعالى، مَعَ أنَّهُ الغنيُّ القادرُ القديرُ، يدعو المؤمنينَ في كتابِهِ لنُصرتِهِ؛ حيث يقول: Pيا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُم‏O (سورة محمد،7).

فهل يعني هذا أنّه تعالى بحاجةٍ لنصرةِ عبادِهِ ليكافئَهُمْ على ذلك؟ حاشا وكلّا! فقد بيَّنَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) معناها الحقيقيَّ بقوله: “فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ‏ مِنْ ذُلٍّ وَلمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ. اسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَاسْتَقْرَضَكُمْ وَلَهُ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد” (نهج البلاغة، الخطبة 183).

إذاً، فالمُرادُ من نُصرَةِ اللهِ ورسولِهِ وأهلِ بيتِهِ (عليهم السلام)، المبادَرَةُ لنصرِ دينهِ وتحقيقِ أهدافِهِم الإلهيةِ؛ ما يَمنَحُ مفهومَ نُصرَةِ عليٍّ (عليه السلام) وأهلِ البيتِ (عليهم السلام) مصاديقَ متنوِّعةً.

فأحياناً تكونُ النصرةُ علميةً، كما قامَ ويقومُ بها علماؤنا وفقهاؤنا ومحدِّثونا ممّن جمعوا مَعارِفَ أهلِ البيت (عليهم السلام) ونشروها ونقلوها جيلاً بعدَ جيلٍ. فكانت كُتُبُهم الحديثيةُ والكلاميةُ والتفسيريةُ والفقهيةُ أسلِحَتَهم الفعّالةَ في الدفاعِ عن مدرسةِ أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ يكفينا أن نُلقيَ نظرةً على كتاب (الألفين) للعلّامةِ الحلّيّ الذي جمع فيه ألفَ دليلٍ لإثباتِ ولايةِ عليّ (عليه السلام).

وتارةً يبادِرُ المُخلِصون لنصرةِ مدرسةِ عليّ (عليه السلام) ببذلِ المالِ والجاهِ، حتى جُعِلَ ذلك من علاماتِ الشيعةِ الحقيقيّين السائرين على خطِّ الولايةِ والإمامةِ؛ فقد ورد في الكافي: “سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيَجْعَلُ لَهُ الدِّرْهَمَ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ‏  قَرْضاً حَسَناً  فَيُضاعِفَهُ لَهُ‏  أَضْعافاً كَثِيرَةً» قَالَ هُوَ وَاللَّهِ فِي صِلَةِ الْإِمَامِ خَاصَّةً”. (الکافي، ج1، ص537، ح 2)

وكان عليّ بنُ يقطين-من أصحاب الأئمة- رجلاً ثريّاً ميسورَ الحالِ، يَتَكَفَّلُ مصاريفَ العديدِ من الأشخاصِ بموسم الحجِّ كلَّ عامٍ، كي يؤدُوا شعائرَهم ويقوموا بدورهم في التبليغ للدين الحنيف ونشرِ معارفِ أهلِ البيت (عليهم السلام).

وأحياناً، تتجسَّدُ تلك النصرةُ بالتحلّي بالقيمِ الأخلاقيةِ العليا في التعامل مع الآخرين، كما قال عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة: “أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ”. (نهج البلاغة، الرسالة 45)

إلا أنّ أَشَقَّ وسائلِ النصرةِ بذلُ النفسِ في هذا السبيلِ الذي لا يُوَفَّقُ إليه سِوى أولياءِ اللهِ المُقَرَّبين من المجاهدين الذين كانت دماؤهم الوَقودَ لاستمرار حركةِ دين الله والينبوعَ الذي حافظ على حياته بجهادهم الذي فتحه الله لخاصّة أوليائه باباً من أبواب الجنة. وهناك تعابيرُ خاصّةٌ استُخدِمَت في نصوص الزيارة بياناً لهذا المفهومِ من قبيل:

“السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَنْصَارَ اللَّهِ وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ وَأَنْصَارَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنْصَارَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَأَنْصَارَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَأَنْصَارَ الْإِسْلَام” أو كما نقرأُ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الذَّابُّونَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّه”

وكلّما انتشرت علومهم ومعارفهم، ترسَّخَت محبتُهم في القلوب، وكلّما عمِلنا بإخلاصٍ واجتهادٍ في سبيل ما دعا إليه الرسولُ (صلى الله عليه وآله) وعليّ (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام)، فنحنُ من أنصار الله ودينه. جعلَنا اللهُ وإياكم منهم لِما فيه رِضاهُ.

الخطبة الثانية:

إنّ نصرةَ أهل البيت (عليه السلام) لا يَقتصِرُ تَحَقُّقُه على زَمانٍ دونَ آخَرَ؛ فهِيَ مستمِرّةٌ بمختلَفِ الصورِ والأشكالِ دفاعاً عن إمامِ كلِّ زمانٍ وعصرٍ؛ فقد كانَ أنسُ بنُ الحارثِ الكاهليُّ من أصحابِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وعاشَ حتى أدركَ الحسينَ (عليه السلام)، فالتحقَ به ومَثُلَ بين يديه وقال: ” سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ” ان ابني هذا – يعني الحسين – يُقتَلُ بأرضٍ يقال لها كربلاء؛ فمن شهد ذلك فلينصره “، فبرزَ يقاتل دونَه يومَ عاشوراء حتى استشهِد (رض) بكربلاءَ، عملاً بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله).

عبادَ الله، نستذكِرُ في هذا السياقِ سيدتَنا ومولاتَنا زينبَ الكبرى (سلام الله عليها)، ونحنُ على أعتابِ ذكرى وفاتها؛ تلك المرأةُ التي ضربَت أروعَ الأمثلةِ دفاعاً عن الدين ونصرةً لإمامِ زمانِها ونشراً لمعارفِ أهلِ البيت (عليهم السلام)، فضلاً عن تقواها وعبادتِها وعفافِها وصبرِها وإيمانِها.

عبادَ الله، إنّ من يَقِفُ حياتَه كلَّها لله تعالى وتوحيدِه وعبادتِه، لن يبذُلَ روحَهُ إلا في هذا السبيلِ. ولمّا كانَ الأئمّةَ -كما ذكرنا في الخطبةِ الأولى- هم دعائمَ الدينِ وأركانَ التوحيدِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، كما نقرأُ في الدعاءِ الرجبيِّ اليوميِّ الوارد توقيعاً من الناحيةِ المقدَّسةِ ليدِ أبي جعفر محمد بنِ عثمان بن سعيد: “بِهِمْ مَلَأْتَ سَمَاءَكَ وَأَرْضَكَ حَتَّى ظَهَرَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْت‏”، فلا ريبَ في وجوبِ نصرتهم حتى يمتلِئَ الوجودُ بنورهم الذي يعكِسُ حقيقةَ التوحيدِ في عالَمِ الظاهرِ. وفي ضوء ذلك المعنى، نفهمُ سِرَّ إخلاصِ السيدةِ زينبَ (عليها السلام) في نصرةِ أخيها الحسين (عليه السلام) إقامةً للتوحيد.

من هنا، نَحتَسِبُ شهداءَ الدفاعِ عن الحرَمِ في محورِ المقاومةِ أنصاراً لدين الله والإمامِ علي (عليه السلام) وأهلِ البيت (عليهم السلام)، حتى حوّلوا هذه الأرضَ ببركةِ دمائهم الطاهرةِ إلى منارةٍ لكلمةِ التوحيد وتوحيدِ الكلمةِ بعدَ أن أحبَطوا مشاريعَ الأعداءِ الشيطانية في بثِّ الفتنةِ والطائفيةِ منها.

وستبقى مسيرةُ الدفاعِ عن دين الله وتوحيدِه مستمرةً حتى ظهور صاحب العصر والزمان (عج) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إنّ نصرة عليّ (عليه السلام) قيمةٌ توحيديةٌ عليا تدفعنا لتلبية نداء المظلومين في كلّ مكان وزمان من فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والبحرين حتى الهند وميانمار.

ومن جوارِ مقامِ مَثَلِ نصرةِ الدين وأوليائه، سيدتِنا زينبَ الكبرى (س)، إذ نعبِّرُ عن تضامنِنا ونصرتنا لإخوتنا المظلومين من مسلمي الهند في وقفتهم للدفاع عن أبسط حقوقهم المشروعة في المواطَنةِ، نندِّدُ بالممارسات العنصريةِ التي تمارسها بعض الجهات المتطرفة هناك بحق المسلمين هناك قتلاً وتشريداً وإحراقاً للممتلكاتِ والمقدّساتِ.

وقد عَلَّقَ إمامُنا الخامنئيُّ (دام ظله) على تلك الأحداث بالقول: “لقد جُرِحَت قلوبُ مسلمي العالَمِ من المجزرةِ التي تعرَّضَ لها المسلمون في الهندِ. وعلى الحكومةِ الهنديةِ أن تقفَ بوجهِ الهندوسِ المتطرفينَ والأحزابِ المؤيدةِ لهم، بوضعِ حدٍّ لقتل المسلمين هناك، للحيلولةِ دون انعزالها في العالم الإسلاميِّ”. وليس غريباً أن تتزامنَ المجزرةُ الأخيرةُ مع زيارة ترامب لتلك الدولةِ؛ فهذا الشخصُ لم يدخلْ بلداً إلا أفسده.

في المقابل، فإنّ نصرةَ أهل البيت (عليه السلام) بمعناها الحقيقيّ التوحيديّ الإلهيّ تجعلُنا نفرحُ بالانتصاراتِ الأخيرةِ التي حققها الجيشُ العربيُّ السوريُّ وحلفاؤه بمحور المقاومةِ في جبهات التحرير بحلب وإدلب، لنرفعَ التهانيَ والتبريكاتِ بها.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لا يزال العالمُ يواجهُ تداعِياتِ انتشارِ الفيروس المنحوس كورونا، ما يفرِضُ علينا رفعَ يدِ الضراعةِ إلى الله، متوسِّلين بأهل البيت (عليهم السلام) من جوار السيدةِ زينب (عليها السلام) كي يرفع هذا البلاء.

فأَكثِروا من الذكرِ والدعاءِ والتوسّلِ بالمعصومين (عليهم السلام) في مثلِ هذه الظروفِ؛ فهيَ بمثابةِ نصرةٍ لهم (عليهم السلام) ودفاعٍ عن الدين. ولا تُلْقوا بالاً بالشبهاتِ التي تستهدِفُ النَّيْلَ من إيماننا وعقيدتِنا وولايتِنا، بل زِيدوا من جُرعاتِ الدعاءِ والتوسُّلِ بالمعصومين الأطهار (عليهم السلام)، واعمَلوا بتوصياتِ علمائنا المَراجِعِ في هذا الخصوصُ، لا سيّما بعد أن أكَّدَ سماحةُ إمامِنا الخامنئيِّ (دام ظله) مؤخَّراً على المواظبةِ على قراءةِ الدعاء السابع من الصحيفة السجاديةِ، والذي وصفه بالدعاء ذي المضامينِ الرائقةِ. لذا، سأختِمُ خطبتي به، وَلْنُرَدِّدْهُ معاً عسى أن يرفعَ الله البلاءَ عنّا وعن أمّةِ الإسلامِ والإنسانيةِ جمعاءَ:

“وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مُهِمَّةٌ أَوْ نَزَلَتْ بِهِ، مُلِمَّةٌ وَ عِنْدَ الْكَرْبِ:

 يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكَارِهِ، وَ يَا مَنْ يَفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ، وَ يَا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الْمَخْرَجُ إِلَى رَوْحِ الْفَرَجِ. ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعَابُ، وَ تَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الْأَسْبَابُ، وَ جَرَى بِقُدرَتِكَ الْقَضَاءُ، وَ مَضَتْ عَلَى إِرَادَتِكَ الْأَشْيَاءُ. فَهِيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَ بِإِرَادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ. أَنْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمَّاتِ، وَ أَنْتَ الْمَفْزَعُ فِي الْمُلِمَّاتِ، لَا يَنْدَفِعُ مِنْهَا إِلَّا مَا دَفَعْتَ، وَ لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَشَفْتَ  وَ قَدْ نَزَلَ بِي يَا رَبِّ مَا قَدْ تَكَأَّدَنِي ثِقْلُهُ، وَ أَلَمَّ بِي مَا قَدْ بَهَظَنِي حَمْلُهُ. وَ بِقُدْرَتِكَ أَوْرَدْتَهُ عَلَيَّ وَ بِسُلْطَانِكَ وَجَّهْتَهُ إِلَيَّ, فَلَا مُصْدِرَ لِمَا أَوْرَدْتَ، وَ لَا صَارِفَ لِمَا وَجَّهْتَ، وَ لَا فَاتِحَ لِمَا أَغْلَقْتَ، وَ لَا مُغْلِقَ لِمَا فَتَحْتَ، وَ لَا مُيَسِّرَ لِمَا عَسَّرْتَ، وَ لَا نَاصِرَ لِمَنْ خَذَلْتَ. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ افْتَحْ لِي يَا رَبِّ بَابَ الْفَرَجِ بِطَوْلِكَ، وَ اكْسِرْ عَنِّي سُلْطَانَ الْهَمِّ بِحَوْلِكَ، وَ أَنِلْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا شَكَوْتُ، وَ أَذِقْنِي حَلَاوَةَ الصُّنْعِ فِيمَا سَأَلْتُ، وَ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ فَرَجاً هَنِيئاً، وَ اجْعَلْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَخْرَجاً وَحِيّاً. وَ لَا تَشْغَلْنِي بِالاهْتِمَامِ عَنْ تَعَاهُدِ فُرُوضِكَ، وَ اسْتِعْمَالِ سُنَّتِكَ. فَقَدْ ضِقْتُ لِمَا نَزَلَ بِي يَا رَبِّ ذَرْعاً، وَ امْتَلَأْتُ بِحَمْلِ مَا حَدَثَ عَلَيَّ هَمّاً، وَ أَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى كَشْفِ مَا مُنِيتُ بِهِ، وَ دَفْعِ مَا وَقَعْتُ فِيهِ، فَافْعَلْ بِي ذَلِكَ وَ إِنْ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ مِنْكَ، يَا ذَا الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.”