خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 28 رمضان 1441 هـ

الموضوع: عيد الفطر يوم تلقِّي البشرى الإلهيةِ بغفران الذنوب

الخطبة الأولى:

تسعةُ أسابيعَ مرَّت علينا منذ تفشِّي فيروس كورونا المنحوسِ، كانت مُثْقَلَةً بالهمِّ والألمِ والضغطِ والقلقِ بشتّى الضُّروبِ. إلا أنّ أَشَقَّها على نفوسِ المؤمنين وأكثرَها مَضاضةً في قلوبهم، كان حرمانَهم من زيارةِ هذه الروضةِ الزينبيةِ الطاهرةِ، والتنعُّمِ بشرفِ الحضور في مصلاها العابقِ بالروحانيةِ والمعنويةِ إقامةً لشعائرِ الجمعةِ في أرجائه المنوَّرةِ بالضياءِ الزينبيِّ. ولَطالما كانت أولَ كلمةٍ تُطرَحُ علي طوالَ فترةِ الحجر الصحيِّ عند تواصُلِ أغلبيةِ المؤمنين معي: التعبيرُ عن مدى الشوقِ لزيارةِ المقام الزينبيِّ ومن ثمَّ إقامةُ صلاةِ الجمعةِ في مصلاهُ.

وكم من دموعٍ ذُرِفَت حَرقةً على قسوةِ البِعادِ عن مقام سيدةِ الصبرِ والهدايةِ! وكم من دعواتٍ مخلِصةٍ رُفِعَت إلى الله كي يرفعَ هذه الغُمَّةِ!

صحيحٌ أنّ أبوابَ المقامِ لمّا تُشرَعْ بعدُ أمامَ زوارِ العقيلةِ التزاماً بالتدابير الصحيةِ حفاظاً على سلامةِ الزوارِ الكرامِ، وهو واجبُنا تجاهَهُم عملاً بمسؤوليتنا بحقِّ الزوارِ، وأسأله تعالى أن تتهيّأَ المقدّماتُ لذلك قريباً، ولكنْ منَّ اللهُ علينا اليومَ لإقامةِ شعائرِ صلاةِ الجمعةِ مرةً أخرى في أعقابِ عودةِ الأمورِ إلى طبيعتِها نسبياً، إيذاناً بدخول مرحلةٍ جديدةٍ تبشِّرُ بالقضاءِ على ذلك الوباءِ في أسرعِ وقتٍ. وهنا، يلزَمُ علينا أن نشكرَ اللهَ تعالى على تلك النعمةِ العظيمةِ، ونسأله ألّا يحرِمَنا منها أبداً.

ولمّا كانت زيارةُ المقام الزينبيِّ معلَّقَةً حتى تاريخِهِ، ونحن نقيمُ صلاةَ الجمعةِ بجوارها المباركِ، أجدُ لِزاماً عليَّ أن أبتدئَ خطبتي هذه برفع الصلواتِ لها أداءً لحقِّها وتعبيراً عن مودَّتِها أصالةً عن نفسي ونيابةً عنكم وعن جميعِ عشّاقِ زيارتها الذي لم تسنَحْ لهم الفرصةُ لذلك، فنقول:

اللهم صلِّ وسلم علی صاحبة هذه البقعة الشریفة، الکریمةِ علی رسولِ اللهِ وأمیرِ المومنین، والعزيزةِ علی أخویها الحسن والحسین، بطلة کربلاء وعقیلة الهاشمیین، بنتِ وليِّ الله، وأختِ وليِّ الله، وعمّةِ وليِّ الله، زینبَ الکبری علیها أفضل صلوات المصلّین.

السلام عليك یا مولاتي وعلى جدكِ وأبيكِ وأمكِ وأخويكِ والأئمةِ المعصومين من ذرية أخيكِ ورحمة الله وبرکاته، ولا جعله الله آخرَ العهدِ لزيارتِكِ.

وبما أننا نُمضي أواخرَ أيامِ شهر رمضانَ المباركِ وعلى أعتابِ عيد الفطر السعيدِ، أنقلُ لكم حديثاً في هذا البابِ:

Sعَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام) قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) لِلنَّاسِ يَوْمَ الْفِطْرِ فَقَالَ: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ‏ يُثَابُ‏ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ ويَخْسرُ فِيهِ الْمُسِيئُونَ، وهُوَ أَشْبَهُ يَوْمٍ بِيَوْمِ قِيَامَتِكُمْ، فَاذْكُرُوا بِخُرُوجِكُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مُصَلَّاكُمْ خُرُوجَكُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّكُمْ، واذْكُرُوا بِوُقُوفِكُمْ فِي مُصَلَّاكُمْ وُقُوفَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ، واذْكُرُوا بِرُجُوعِكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ رُجُوعَكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ أَدْنَى مَا لِلصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ أَنْ يُنَادِيَهُمْ مَلَكٌ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونR (وسائل الشيعة، ج5، ص141).

اللهمّ ربَّنا! إنّ عبادك المؤمنين هنا في هذا الشهرِ الكريمِ، قد أدَّوا ما فرضتَ عليهم من الصيامِ في ظروفٍ صعبةٍ غيرِ مسبوقةٍ نتيجةَ الوباءِ، ناهيكَ عن صبرهم حيالَ الحرمانِ من كثيرٍ من الإمكاناتِ المعيشيةِ التزاماً بقوانينِ بلدهمِ العزيزِ، وهاهم اليوم واقفون بأعتابك في هذا اليوم المبارك وهذه البقعةِ المباركةِ راجين فضلَك ونَوالَكَ، فأجزِلْ لهم العطاءَ وأبدِلهم بصبرهم خيراً ورخاءً.

اللهمّ ربَّنا! حقِّقْ ما وردَ في الحديثِ من بِشارةٍ بحقِّ الصائمين بالقول: “أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْR (بحار الأنوار، ج87، ص362) واجعل عيدَ فطرِنا يومَ فرحٍ وفرجٍ وسرورٍ علينا وعلى الأمةِ الإسلاميةِ جمعاءَ، برفعِ البلاءِ والوباءِ والغلاءِ وفتحِ أبوابِ بيوتك من مراقدِ أوليائك من أهل بيت حبيبك (ع) والمساجدِ والجوامعِ ودورِ عبادةٍ.وارحمْ موتانا واشفِ مرضانا وأيِّدنا بنصرك واشمَلنا برحمتك يا كريم.

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة و الأخوات، بما أن صلاة العيد لا تقام هذا العامَ التزاماً بالتدابير الصحيةِ الاحترازيةِ منعاً لتفشِّي وباءِ كورونا،  فلا بأسَ أن أستعرِضَ بعض الأحكام الفقهيّة الخاصّة بيوم العيد لِتَعُمَّ الفائدةُ على الجميع، فنقول:

يجب على كلِّ مسلمٍ مكلَّفٍ، حرٍّ، غنيٍّ، أداءُ زكاة الفِطرة عن نفسه ومن يعولُهم.

والغنيُّ هو كلُّ من يمتلك قوتَ سنته لنفسه وعيالِه قوةً وفعلاً. ومعنى الامتلاك بالقوةِ أن يكون له كسبٌ يفي بذلك.

أما الفقيرُ فهو كلُّ من لا يمتلِك قوتَ سنته، فلا تجب عليه زكاةُ الفطرة.

وفي ضوء تحقُّق هذين المعنَيَين، يجب على الغنيِّ أداءُ زكاة الفطرة كما حدِّدَت. ويجوز للفقير أخذُ زكاة الفطرة وصرفُها.

ومن تمکَّن من أداء الفطرة عن والدیه وسائر من مضى من أجداده وآبائه، فأمرٌ مطلوبٌ في الإسلام، وقد كان الحسنان (ع) یؤدیان الفطرة عن أبیهما أمیر المؤمنین (ع) ما داما حیَّيْن.

وأمّا المقدارُ الواجبُ لزكاةِ الفطرة فهو ثلاثة كيلو غراماتٍ من القوتِ الغالبِ (أي الطعامُ الذي يتناوله أغلب الناس) في البلد عيناً، أو ما يعادلها نقداً. ويعود للمكلفِ نفسِهِ أمرُ تحديدِ المبلغِ المعادِلِ على أساسِ عُرفِ السوقِ وقيمتهِ.

وقد أعلنّا في ضوء ذلك مقدارَ المبلغِ عن طريق مكتب الإمام الخامنئي (دام ظله) في سوريا وعبر صفحته على وسائل التواصل الاجتماعيِّ بالعملةِ المحليةِ. ومن يهيِّئْ قوته بأكثرَ من ذلك المقدارِ أو أقلَّ منه فليعملْ وِفقَهُ. والله تعالى أعلمُ. وفَّقَنا الله وإياكم لأداء حقِّه.

وأما المحورُ الثاني في خطبتي، فيدورُ حول يوم القدس العالميِّ الذي يصادفُ الجمعةَ الأخيرةَ من شهر رمضانَ كلَّ عامٍ.

أيها الإخوة والأخوات، الحديثُ حول إحياء يوم القدس العالمي ذو شُجونٍ، ولكن أكتفي في هذه العُجالةِ بالإشارةِ لبعض النقاط:

  • القدسُ قبلةُ المسلمين الأولى وقضيتُها من أقدمِ قضايا الأمةِ، ومَحَطُّ اهتمامِ أبنائها.
  • احتلال فلسطينَ والقدسِ رمزٌ للظلمِ اللاحقِ بالإنسانيةِ جمعاءَ، لا شعبِ فلسطينَ وحدَهُ. ولا يمكنُ إزالةُ قوةِ الاحتلالِ الصهيونيِّ الغاشمِ إلا بتشكيلِ جبهةِ مقاومةٍ عالميةٍ منعاً للطغيانِ والجورِ عالمياً. يقول عليٌّ (ع): Sالظُّلْمُ يُزِلُّ الْقَدَمَ وَيَسْلُبُ النِّعَمَ وَيُهْلِكُ الْأُمَمَR (غرر الحكم، 1734).

وما وصفُ إمامنا الخمينيِّ للكيانِ الصهيونيِّ بالغدةِ السرطانيةِ إلا تأكيداً لتلك الحقيقةِ.

  • الدفاعُ عن المظلومين واجب إنسانيٌّ، قبل أن يكون شرعياً، وهو لا يعرفُ ديناً أو مذهباً أو قوميةً أو عرقاً، يقول (ص): “من سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم” (وسائل الشيعة، ج16، ص337)”.
  • زوالُ الظلمِ والجورِ سنةٌ إلهيةٌ لا تقبلُ التحويلَ والتبديلَ مهما طالَ الزمنُ، يقول تعالى: Pوَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِاَّنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌO (سورة آل عمران، 173)، وما طولُ الاحتلالِ الصهيونيِّ الغاصبِ القاتلِ للنساء والأطفالِ لِما يربو على السبعين عاماً، إلا آيةٌ على حجم الانتقامِ الإلهيِّ الذي ينتظره ويفوقُ تصوُّرَهُ.
  • إزالةُ الظلم والاستكبارِ والجورِ والقضاءُ على جبهةِ الباطلِ، يتطلَّبُ من جبهةِ الحقِّ تقديمَ التضحياتِ الجِسامَ على طريقِ النصرِ المؤزَّرِ. وما قافلةُ الشهداءِ القادةِ من أمثالِ عماد مغنية ومصطفى بدر الدين وأحمد قصير وحسين همداني والقائد الكبير الحاج قاسم سليماني إلا أثمانَ مسيرةِ المقاومةِ لنصر الحق على الباطل في طريق إزالة الغدة السرطانية الصهيونية.
  • إنّ وعد الله حقٌّ بنصرِ عباده المؤمنين Pيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْO (سورة محمد، 7)، وهو بشارةُ القرآن والرسول وأهل بيته بزوال الظلم ونشرِ رايةِ الحقِّ. وأمتُنا اليومَ أكثرُ أملاً بقرب تحقق ذلك الوعد الإلهيِّ وزوالِ الكيانِ الصهيونيِّ. ولتلك البشارةِ علاماتٌ يلمسها المؤمنون بنصر الله، ومنها ما صرَّح به قائدُنا الخامنئيُّ (دام ظله) حين بشَّر بقرب زوال الكيان الصهيوني وإقامةِ الصلاةِ جماعةً في القدس بعد التحرير قريباً. ولأهلنا الصامدين في سوريا المقاومةِ نصيبٌ في هذا الإنجاز إن شاء الله برفع راية النصر خفّاقةً على قبابِ القدسِ وأسوارِها.

هذه الرایات التي رفعناها الیوم في هذا المصلی بمقام السیدة زينب (ع) تزيد في أملنا بأننا عن قريب سنرفع – بإذن الله-  راية النصر التي هي راية فلسطين على قبة المسجد الأقصى.إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.