خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 6 شوال 1441 هـ

الموضوع: الوحدة والمقاومة سبيل نجاة الأمة

الخطبة الأولى:

في البدايةِ، نشكرُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ مَنَّ علينا بإعادةِ فتحِ أبوابِ مقامِ سيدتِنا ومولاتِنا زينبَ الكبرى (ع) أمامَ الزوّارِ الكِرامِ بعد أكثرَ من شهرَين التزاماً بالتدابيرِ الصحيةِ الاحترازيةِ لمواجهةِ تفشّي وباء كورونا المنحوسِ، ولا يفوتُني أنْ أُقَدِّرَ عالياً حالةَ الانضباطِ والشعورِ بالمسؤوليةِ التي تَحَلّى بها أبناءُ هذه المنطقةِ الأعزّاءَ طِيلةَ فترةِ الحجرِ الصحيِّ لِتجاوُزِ الأزمةِ، فجزاكم اللهُ خيرَ الجزاءِ. ولا يزالُ الرِّهانُ على وعيِكم في الفترةِ القادمةِ حتى القضاءِ على الفيروسِ نهائياً.

عبادَ اللهِ، على أعتابِ الثامنِ من شهرِ شوّال الذي يصادِف ذكرى أليمةً في تاريخِ الإسلامِ؛ أَلا وهي هدمُ المَراقِدِ الطاهرةِ لأئمةِ البقيعِ من أهل بيتِ رسولِ الله (ص) على يدِ أعداءِ الإسلامِ والإنسانيةِ الظلامِيين الحاقدين. فنعزّيكم بهذه المناسبةِ.

ففي مثلِ ذلك اليومِ، دفعَ أعداءُ الإسلامِ بزمرةٍ حاقدةٍ مطموسةٍ عقلُها ومطبوعةٍ على قلبِها باسمِ الوهابيةِ كي تقومَ بضربِ الدين باسم الدينِ، فكانت فاجعةُ البقيعِ شاهدةً وشهيدةً على الخطرِ الذي يُحْدِقُ بالحضارةِ البشريةِ من وراءِ تلك الحركةِ التكفيريةِ التي لا تَمُتُّ للإسلامِ بصِلةٍ. وقد أثبتَت الأيامُ تلك الحقيقةَ من خلالِ الإرهابِ التكفيريِّ العالميِّ الذي يعودُ بجذورِه لتلك الحركةِ الوهابيةِ ومن يرعاها ويدعمُها من أعداء الإسلامِ.

عبادَ اللهِ، إنّ الوهابيةَ مشروعٌ استعماريٌّ استكباريٌّ شيطانيٌّ لضربِ وحدةِ الأمةِ وتشويهِ حقيقةِ دينِها، تتّخِذُ من التكفيرِ وإلغاءِ الآخَرِ سبيلاً لتحقيقِ أهدافِها الخبيثةِ وذلك بذرائعَ واهيةٍ لا علاقةَ لها بالدينِ وتعاليمِه الأصيلةِ.

لقد تجرّأت الوهابيةُ على هدمِ المشاهدِ المقدسةِ بالبقيعِ بحجّةِ محاربةِ ما دعَوهُ بدعةَ التوسل وزيارةِ القبورِ، مع أنّ المسلمين من مختلف مذاهبهم أجمعوا على مشروعيةِ التوسلِ بالأولياءِ الإلهيين وزيارةِ مراقدهم؛ فالتوسلُ معناهُ أن يعمل الانسان عملاً للتقرب به الى الله تعالى، امتثالاً لأمره تعالى في كتابه الكريم إذ يقول: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة”؛ جاء في تفسير القرطبي: الوسيلة هي القربة.

وها هي السيرةُ النبويةُ تصرِّحُ بمشروعيةِ الزيارةِ؛ فقد رَوى مسلم في صحيحه : Sزارَ النَّبِيُّ قَبْرَ أُمَّه ، فَبَكى وَأَبْكى مَنْ حَوْلَهُ … وَقالَ: اسْتَأذنْتُ رَبِّي في أنْ أزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَR . (صحيح مسلم، 3/65)

فإن كان رسولُنا الذي أُمِرْنا بالتأسّي به قد زارَ قبرَ أمه، فكيفَ تُنسَبُ البدعةُ لمن يزورُ مقامَ النبيِّ (ص) وأهلَ بيتهِ (ع) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؟ بل كيف يجرُؤ من هدَّمَ قبورَ أئمةِ البقيعِ على هدم قبرِ أمِّ رسول الله (ص) في الأبواءِ بين مكةَ والمدينةِ؟ ألا يشيرُ ذلك إلى مروقِ تلك الزمرةِ الخبيثةِ عن الدين؟

إنّ الحديثَ عن مشروعيةِ زيارةِ مقاماتِ المعصومين (ع) وأولياءِ الله الصالحين ممّا أجمعَ عليه جمهورُ المسلمينَ ووضعَ في مطلوبيّتِها علماؤهم من المعاصرين والسابقين.

عبادَ اللهِ، من وحيِ هذه الذكرى، نؤكدُ على أنّ وحدةَ الأمةِ أصلٌ إسلاميٌّ ثابتٌ. وكلُّ من يسعى ضربها بعيدٌ عن جوهرِ الدينِ ويعملُ لصالحِ مشاريعِ الاستكبارِ والصهيونيةِ.

وإنّ الدفاعَ عن مقدَّساتِ المسلمين دفاعٌ عن هويةِ الأمةِ وقيمها الساميةِ؛ فالقدسُ والبقيعُ والسيدةُ زينبُ (ع) وكربلاءُ والنجفُ رموزٌ لها. والدفاعُ عن أحدها دفاعٌ عن جميعها.

واعلموا أنّ أشدَّ ما يخشاهُ أعداءُ الإسلامِ أن تتحولَ تلك الرموزُ المقدسةُ لعنوانِ وحدةِ الأمة، فتراهم يعملون على النفخِ في أبواقِ الفتنةِ لتحريفِ الحقائقِ، بتحجيمِ قضيةِ القدس لموضوعٍ فلسطينيٍّ بحتٍ بعيداً عن بُعدِها الإسلامي والإنساني لتمريرِ صفقةِ القرنِ، أو تحجيمِ قضيةِ البقيعِ لمسألةٍ طائفيةٍ مع أنها قضيةٌ إسلاميةٌ إنسانيةٌ.

أخيراً، أقول في ذكرى يوم البقيع: لو كان هنالك محورٌ للمقاومةِ أيامَ هدمِ البقيعِ لَما تجرَّأَ أعداءُ الإسلامِ على المسِّ بتلك المقدساتِ. ولولا محورُ المقاومةِ لتعرَّضَ المقامُ الزينبيُّ والعتباتُ المقدسةُ والمسجدُ الأقصى للهدمِ والتدميرِ، إلا أنّ دماء الشهداءِ وتضحياتِهم من أبناء القائدِ الشهيدِ سليماني هي التي منعت تكرارَ فاجعةَ البقيعِ مرةً أخرى.
الخطبة الثانية:

نحن على موعدٍ في الأسبوعِ القادمِ مع الذكرى السنويةِ لرحيلِ شخصيةٍ إلهيةٍ تاريخيةٍ طبعَت تاريخَنا المعاصِرَ بفكرِها النيِّرِ الذي أضاءَ الأملَ في نفوسِ المستضعفين والأحرارِ؛ أَلا وهو الإمامُ الخمينيُّ العظيمُ (رض) الذي عرجَت روحُهُ لباريها بقلبٍ هادئٍ ونفسٍ مطمئنةٍ، لتملأَ قلوبَ مريديه فرَقاً وحزناً على فراق مرادِها.

وما تعلُّقُ النفوسِ على امتدادِ العالم الإسلاميِّ به إلا انعكاسٌ لِما لمَسوهُ في ذلك الإمامِ من سيرةٍ عمليةٍ أحيَت بها حقيقةَ الإسلامِ الأصيلِ واستعادت تجلياتِ أنوارِ المعصومين (ع)، فبَثَّت روح التوكل على الله فيهم والثقةَ بأنفسهم على القدرةِ على مقاومةِ المستكبرين والانتصار عليهم مهما عَلَوا وتجبَّروا.

نعم! لقد علَّمَنا الإمامُ الخمينيُّ (رض) أنّ الالتزامَ بنهجهه الإلهيِّ يحوِّلُ من قطاعِ غزَّةَ المحاصَرةِ وجنوبيِّ لبنانَ المقاومَ وصنعاءَ اليمنِ وصَعدَتِها إلى قوىً إيمانيةٍ قادرةٍ على مقارعةِ قوى الشرِّ الكبرى وإلحاقِ الهزيمةِ بها.

لقد علَّمَنا الإمامُ الخمينيُّ (رض) أنّ عزةَ الشعوب وكرامتها رَهنٌ بمقاومتها وصمودِها، وهو ما أثبته محورُ المقاومةِ خلال السنواتِ الماضيةِ من إيران إلى سوريا والعراقِ ولبنان وفلسطين واليمن والبحرين…

لقد علَّمَنا الإمامُ الخمينيُّ (رض) أنّ إيمانَ الشعوب بربها وثقتَها بنفسها وقدراتِها ستسحَقُ هيمنةَ الأمريكانِ الورقيةَ. وما التطورُ الأخيرُ الذي فرض نفسَه على الإعلام العالميِّ من كسر ناقلاتِ النفط الإيرانيةِ أسوارَ الحصارِ الاقتصادي الأمريكي الظالم على فنزويلا المقاوِمةِ إلا إحدى إرهاصاتِ فكرِ الإمام الخميني (رض) الذي جمعَ بلدين من شرق العالم وغربه على المقاومة وتمريغِ أنفِ الأمريكانِ. في الوحلِ، فبلعوا تهديداتهم الجوفاءَ باعتراض الناقلاتِ التي ترفع علمَ الجمهورية الإسلامية الايرانية، كما بلعوها من قبلُ عند قصفِ قاعدة عين الأسد.

وما سكوتُ الأمريكان إلا تعبيرٌ عن إفلاسهم وخشيتهم من تعاظم قدرات محور المقاومةِ التي أضحت قوةً عظمى في معادلات الصراع العالميةِ وهي في حالة تصاعُدٍ منذ انتصار الثورة الإسلاميةِ في إيران وتحريرِ الجنوب اللبناني على أيدي أبناء الإمام من حزب الله البطلِ وانتصار سوريا الصمود على الحرب الكونيةِ الإرهابيةِ عليها.

إنّ تلك الإنجازات ليست سوى انعكاسٍ لفكر الإمام الخميني (رض) الذي استلهمَه من مدرسة الرسول وأهل بيته الأطهار (ع)، ومنهم صاحبةُ هذا المقامِ الشامخِ التي قالت قولتها الخالدة:

“فَکِدْ کَیدَكَ وَاسْعَ سَعْیَكَ وَنَاصِبْ جُهدَكَ فَوَاللهِ لا تَمحو ذِکرَنَا”

وسيبقى ذكرُ إمامنا الراحلِ خالداً باستمرار مقاومةِ أبنائه في محور المقاومةِ حتى النصر النهائي.