خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 13 شوال 1441 هـ

الموضوع: ذكر الله والسلوكيات العبادية

الخطبة الأولى:

اقتضَت مشيئةُ اللهِ على رهنِ منظومةِ الخَلقِ الماديةِ والمعنويةِ بالنظمِ والتدبير؛ فكُلٌّ في فلَكٍ يسبَحونَ. وكذلك حياةُ الإنسانِ وسلوكياتُهُ؛ فهي لا تستقِرُّ وتنتظِمُ إلا عندما تدورُ حولَ محورٍ واحدٍ، أَلا وهو ذكرُ الله؛ يقول تعالى: Pالَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُO (سورة الرعد، 28).

وما يُمَيِّزُ الإنسانَ عن سائرِ الخلقِ حريةُ اختيارِهِ وإرادتِهِ. ومِن لطفِ اللهِ تعالى به أنْ هَيَّأَ له تدابيرَ تَحُولُ دونَ وقوعهِ في فِخاخِ الغفلةِ عن تلك النقطةِ المحوريةِ، فجعلَ من ذكرهِ العنصرَ الأساسَ في ما شَرَّعَ من أعمالٍ وسلوكياتٍ؛ إذ كم من عباداتٍ وممارَساتٍ فرديةٍ واجتماعيةٍ يتوقّف قبولُها ويزيدُ ثوابُها به؛ فعن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله (ص) أن رجلاً سأله فقال: “أي الجهاد أعظم أجراً؟  قال(ص): أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً. قال: فأي الصائمين أعظم أجراً؟  قال (ص): أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً. ثم ذكر لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة؛ كلُّ ذلك ورسولُ الله (ص) يقول: أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً”. (مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 3، ص 438).

يظهرُ من الحديثِ أنّ ذكرَ الله هو المعيارُ لتقويمِ عباداتِ العبدِ وتقييمِها، وإلا فهي مجرَّدُ طقوسٍ لا قيمةَ لها؛ فكَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَ الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَالْعَنَاءُ! بل قد تنحرِفُ تلك العباداتُ الخاويةُ من ذكرِ اللهِ بصاحبِها إلى النار -والعياذُ بالله- “فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ!” (نهج البلاغة، الخطبة 192)

عبادَ اللهِ، إنّ هناك قانوناً عاماً للجاذبيةِ بين العبدِ وربِّهِ؛ فكلَّما زاد ذكرُ العبدِ لربِّهِ زادَ ذكرُ اللهِ له. وشتَّانَ بين الذكرَينِ عاقبةً وعطاءً؛ فعن أنس أنَّ النبيَّ (ص) قال: “إن اللهَ إذا أَسكَنَ أَهلَ الجنةِ الجنّةَ … فناداهُم الربُّ: عبادي! ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بِدارِ عَمَلٍ ولا دار نَصَبٍ، إنّما هي دارُ جَزَاءٍ وَثَوابٍ، وَعِزَّتي ما خَلَقتُها إلا مِنْ أَجلِكُم، وَمَا مِنْ ساعةٍ ذَكَرتُمُوني فيها في دارِ الدنيا إلا ذَكَرتُكُم فوقَ عَرشِي” (الدر المنثور ج 6  ص 108).

وإليكم أخيراً هذا الحديثَ الرائعَ عن مدى إقبالِ اللهِ على عباده الذاكرين؛ فقد روى الشيخ أبو الفتوح في تفسيره أن الله تعالى أنزل في بعض كتبه المنزلة:  “أنا عندَ ظنِّ عبدي، فليظُنَّ بي ما شاء. وأنا مع عبدي إذا ذَكَرني؛ فمن ذَكَرني في نفسه، ذكرتُهُ في نفسي. ومن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه. ومن تقرّبَ إليَّ شبراً، تقربتُ إليه ذراعاً. ومن تقرَّبَ إلي ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعاً. ومن أتاني مشياً، أتيتُهُ هرولةً. ومن أتاني بقِرابِ الأرضِ خطيئةً، أتيتُهُ بمثلها مغفرةً ما لم يشرك بي شيئاً” (جامع أحاديث الشيعة ج 15، ص 368).

فترى أولياءَهُ ملازِمين بابَه، مسارِعينَ لبلوغِ جَنابِهِ، لِما ملأ ضمائرَهم حبّاً، وروّى قلوبَهم شِرباً، فوصلوا إلى لذيذِ مناجاتِه، وصاروا يلهَجون بذكرِهِ شوقاً؛ كما عبَّر إمامُنا الحسينُ (ع) بقوله: “يا من أذاقَ أحباءَهُ حلاوة َالمؤانسةِ فقاموا بين يديهِ مُتملِّقين، ويا مَنْ أَلبَسَ أَولياءَهُ ملابِسَ هَيبَتِهِ فقاموا بين يديهِ مُستَغفِرِين، أنت الذاكِرُ قبلَ الذاكِرِين” (إقبال الأعمال، ص349) . اللهم اجعلنا من أهل ذكره وقربه.

الخطبة الثانية:

إنّ ذكرَ اللهِ تُضفي على الإنسان قدرةً إلهيةً تتقاصَرُ عنها كلُّ قوةٍ بشريةٍ مهما اشتدَّت؛ وهي الحقيقةُ التي جسَّدَها إمامُنا الخمينيُّ (رض) في عصرنا الحديث كما وردت في الآيات والروايات، شخصيةً ربانيةً لا تخشى في الله لومةَ لائمٍ، فلم يرمِشْ له جفنٌ في مواجهة قواصفِ قوى الاستكبار الكبرى فحسب، بل بادر للوقوف بوجهها وتهديدها وتحقيرها أيضاً. فكان بحقٍّ اسماً على مسمَّىً روحاً لله بُثَّت في جسدِ الأمةِ وعالم المستضعفين، لتخلقَ فيها حالةً غيرَ مسبوقةٍ من التحولُّ، حتى وصفه إمامنا الخامنئي (دام ظله) في كلمته الأخيرةِ قبل عدةِ أيامٍ بإمام التغيير والتحول.

إنّ روح التحولَ الذي حمله الإمامُ (رض) معه على مختلفِ المستوياتِ حوزةً ومجتمعاً إيرانياً وإقليمياً وعالمياً، لم يكن حصيلةَ تخرُّجه من كليةٍ سياسيةٍ أو مدرسةٍ عسكريةٍ أو معهدٍ إستراتيجيٍّ؛ كلّا! لقد كانت شخصيتُهُ ثمرةَ ذكره لله وذوبانِه في ذاته والتزام دينه والتمسكِ بتقواه، حتى أضحى تجلياً لجلاله وجماله يقبضُ القلوبَ ويبسطها بعد أن علَّقَ قلبَه بيد الله مجاهداً فيه، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وبما رحمة من الله لنتَ لهم ولو كنت فظاً غليظَ القلب لانفضوا من حولك.

لقد كان الإمامُ آيةً إلهيةً في عصرنا، طبَعَت المجتمعَ الإيرانيَّ بفكره ونهجِهِ، وامتدَّ تأثيرُها حتى تجاوزَ حدودَ الزمانِ والمكانِ محوراً للمقاومةِ نحو تغيير معالمِ المنطقةِ والعالمِ لصالح المستضعفين والأحرارِ على حساب غطرسةِ المستكبرين والطغاةِ الذين أسقطَ الإمامُ (رض) هيبتَهم الخاويةَ التي صنعوها على حساب ضعف الأمةِ وفُرقتِها.

أيها المؤمنون والمؤمناتُ، إن لم يكن للإمام الخمينيِّ (رض) من إنجازٍ سوى مبادرتِهِ لكشفِ القناعِ عن الوجهِ القبيحِ للقوى الكبرى الاستكباريةِ المليئةِ كذباً وزوراً وعنصريةً وكراهيةً، لكفاه فخراً! ولا تزالُ الأحداثُ المتعاقبةُ تؤكدُ صدقَ توصيفِ إمامنا الراحل للظاهرةِ الاستكباريةِ التي حاول رُعاتُها التغطيةَ على مَثالِبِها، وهو ما نوَّهَ إليه إمامُنا القائدُ بالقول: “إنّ الأحداث التي تجري هذه الأيام في أمريكا إنّما هي انكشافٌ للحقائق التي لطالما أخفتها أمريكا”

وتابع سماحته قائلاً: “إنّ ضغط أحد رجال الشرطة بركبته على رقبة أحد الرجال ذوي البشرة السّمراء حتّى مفارقة ذلك الشخص الحياة وتفرّج رجال الشّرطة الآخرين على هذا المشهد ليس بالأمر الجديد؛ بل هذه هي أخلاق وطبيعة الحكومة الأمريكيّة، وهم مارسوا سابقاً مثل هذه الأفعال في العديد من بلدان العالم مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا وقبل ذلك في فيتنام”

وأضاف سماحتُه:

“إنّ شعار “لا أستطيع التنفّس” الذي يهتف به الشعب الأمريكي اليوم يمثّل الكلام الذي يخالج قلوب كلّ الشعوب التي وقعت ضحيّة الظّلم الأمريكي” .

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد انقلبَ السحرُ على الساحرُ؛ فبعد أن كانت أمريكا تدقُّ طبولَ الحربِ وترسلُ جنودَها وأساطيلَها آلافَ الأميالِ بعيداً عن سواحلها، ها هي اليومَ تسمعُ أصواتَ الطبول عند بواباتِ البيت الأبيضِ والتي دفعَت ساكنَها للنزول تحت الأرض ملتجئاً خوفاً من اقتحامِ مقرِّه.

وأذكِّركم هنا بتصريح وزير خارجية أمريكا منذ مائة وخمسين يوماً عقبَ استشهاد القائد سليماني حين قال بكل صلافةٍ: إن العالمَ اليومَ أكثرُ أمناً… لأقول له: يا لَتعاسةِ إدارةِ الشرِّ الأمريكيةِ وهي تشاهدُ نتائجَ سياساتِها الخرقاءَ وقد حوَّلَت أمريكا لمخزنِ بارودٍ قابلٍ للانفجار في أي لحظةٍ لتدمِّرَ بلادَهم على رؤوس مواطنيها، وقد عمَّت الاحتجاجات لتشملَ أكثرَ من 75 مدينةً وفرضِ الأحكامِ العرفيةِ في 30 منها.

أما مصيبتُها الكبرى كما ذكر إمامنا القائدُ فيتمثّلُ في أنّ “الشعب الأمريكي يشعر بالعار والخجل بحكوماته وشعور الشعب الأمريكي بالعار بسبب حكومته الحاليّة إحساسٌ في محلّه”. نعم، إنّ العالمَ لن يصبحَ أكثرَ أمناً إلا بأفولِ إمبراطوريةِ الشر الأمريكيةِ.