خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 20 شوال 1441 هـ

الموضوع: الأمانة والصدق وصية الإمام الصادق (ع)

الخطبة الأولى:

على أعتابِ ذكرى استشهادِ إمامِنا الصادقِ (ع) في الخامسِ والعشرين من شهرِ شوال، نتقدَّمُ بخالصِ العزاءِ والمواساةِ، سائلين اللهَ تعالى عزَّ وجلَّ أن يجعلَنا من السائرينَ على نهجِهِ وهَديِهِ.

يحظى أمرُ الحفاظِ على استقرارِ المجتمعِ وصَونِهِ من الاضطرابِ بأهميةٍ خاصةٍ في تعاليمِ ديننا الحنيفِ، حتى صارَ من مقاصدِ الشريعةِ في أحكامِها الفقهيةِ.ولا ريبَ في أنّ خِصلَتَي الأمانةِ والصدقِ من العواملِ التي تُسهِمُ في ترسيخِ  الطمأنينةِ وانتظامِ الأمورِ في كلِّ مجتمعٍ.

مِن هنا، جعلَهما إمامُنا الصادقُ (ع) من أبرزِ علاماتِ المؤمنِ الحقيقيِّ، ودعا عمومَ شيعتِه للتحلِّي بهما، بل صارتا من عناوينِ وصاياهُ الأساسيةِ؛ الأمرُ الذي يعكِسُ مكانتَهما المميَّزَةَ بينَ الخصالِ الأخلاقيةِ الحميدةِ.

وقد روي عنه (ع) أنه قال لأحد أصحابه: “إذا أتيتَ عبد الله فأقرئه السلام وقل له: إن جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به عليٌّ عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالزمه، فإنّ علياً (عليه السلام) إنما بَلَغَ ما بَلَغَ به عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصدق الحديث وأداء الأمانةِ” (الكافي، ج2، ص141).

وقد علَّقَ إمامُنا الخمينيُّ (رض) في كتابه “الأربعون حديثاً” على ذلك الحديث قائلاً:

“فيا عزيزي: تدبَّرْ في هذا الحديث الشريف، وانظر إلى أنّ مقام صدق الحديث وأداء الأمانة دفعا بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى بلوغ ذلك المقام الرفيع”.

ويفهم من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب هاتين الخصلتين أكثر من غيرهما، لأن هاتين الصفتين من الصفات الكمالية لمولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد بلغتا به ذلك المقام الرفيع. وإن الإمام الصادق (عليه السلام) قد أبدى اهتماماً بهاتين الصفتين أكثر من كل الأفعال والأوصاف، وذكّر عليه السلام ابن أبي يعفور الذي هو من المخلصين والمقربين له عليه السلام بهما خاصة.

عبادَ اللهِ، لقد وضع لنا الإمامُ الصادقُ (ع) معياراً لتمييزِ المؤمنِ الحقيقيِّ من أتباعِهِ عن غيرهِ ممّن يدَّعون شرفَ الانتسابِ لمدرستهِ؛ فحذَّرَ من الانخداعِ بالمظاهرِ والأقوالِ حتى ولو تقمَّصَت لباساً عبادياً، ودعا لاتخاذِ الأمانةِ والصدقِ مقياساً اختبارياً. إذ لو كانت غايةُ العبادةِ كثرةَ طقوسِها لكانَ إبليسُ سيدَ العابدين، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَة، لاَ يُدْرَى أمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الاْخِرَةِ -كما يقول علي (ع) في نهج البلاغةِ- ولكنّ اللهَ يبتلي خلقَهُ ليبلوَهم أيُّهم أحسنُ عملاً؛ وقد روي عن إمامنا الصادق (ع) أنه قال: “لا تنظروا إلى طول رکوع الرجل وسجوده فإنّ ذلك شيء اعتاده، فلو ترکه استوحش لذلك. ولکن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته” (الكافي، ج2، ص105).

فقد كانتا في صُلبِ رسالةِ الأنبياء؛ حيث يقول الصادق (ع): “إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلاّ بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر” (الكافي، ج2، ص104).

وهما سبيلُ الوصولِ لرضى الله وجنته؛ فقد سئل حبيبُنا رسولُ الله (ص) عن العمل الذي يهدي صاحبَه للجنةِ، فأجاب (ص): “الصدق؛ إذا صدق العبد برّ وإذا برّ آمن وإذا آمن دخل الجنّة. قال: يا رسول الله، و ما عمل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار” (الترغيب والترهيب، ج3، ص592).

الخطبة الثانية:

مِن سُنَنِ الحياةِ أنْ حُفَّتْ بالمصاعِبِ والمَشَقّاتِ؛ يستوي في المرورِ بها بنو البشرِ جميعاً. والعاقلُ من يتجاوزُها بنجاحٍ وبأقلِّ الخسائرِ وأفضلِ السبُلِ. وهذا لن يتأتَّى قطعاً بالطَّيشِ والتسرُّعِ وعدم التفكيرِ بالعواقبِ وإهمالِ تجارُبِ الآخرين والانجرارِ وراءَ همَزاتِ الشياطين، بل بأخذِ الأسبابِ ما يكفي مؤونةَ التعبِ ويهدي سبيلَ القصدِ. وأيُّ سببٍ أوثقُ من كتابِ اللهِ هادياً في مثلِ تلك الظروفِ؛ إذ يدعو للصبرِ والاستقامةِ طريقاً للنجاة، يقول تعالى: Pیا أيها الذین آمنوا استعینوا بالصبر والصلاةO (سورة البقرة، 153).

أيها المؤمنون، عندما تمرُّ الشعوبُ والمجتمعاتُ بأوقاتٍ عصيبةٍ، تشتدُّ الحاجةُ للبحثِ عن صمّاماتِ الأمانِ التي تحافظُ على الاستقرار والهدوء وتمنعُ الاضطرابَ والقلقَ. ألا ترونَ إلى طاقمِ الطائرةِ  حين يدعو ركّابَها للهدوءِ والصبرِ وتمالُكِ الأعصاب عند مرورها بمَطَبّاتٍ هوائيةٍ أو ظروفٍ استثنائيةٍ إلى حينِ تجاوزها.

نعم! إنّ العقلَ يحكمُ بضرورةِ التزامِ الصبرِ والاستقامةِ والهدوءِ في الأزماتِ للعبورِ بسلامٍ إلى بَرِّ الأمانِ؛ فما مِن شِدَّةٍ دامَت كما علَّمتنا التجارُبُ، بل إنها يمكنُ أن تتحوَّلَ إلى فرصةٍ إذا أُحسِنَ التعامُلُ معها.

وقد أكَّدَ دينُنا الحنيفُ على أهميةِ الصبرِ والاستقامةِ والوعيِ والأملِ بالله في التعاملِ مع الأزماتِ؛ فعن الإمام الصادق (ع) قال: “يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانُ خِصَالٍ وَقُورٌ عِنْدَ اَلْهَزَاهِزِ صَبُورٌ عِنْدَ اَلْبَلاَءِ شَكُورٌ عِنْدَ اَلرَّخَاءِ قَانِعٌ بِمَا رَزَقَهُ اَللَّهُ – لاَ يَظْلِمُ اَلْأَعْدَاءَ وَلاَ يَتَحَامَلُ للْأَصْدِقَاء بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ وَاَلنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ” (الکافي، ج2، ص231).

وكأنّ الشدائدَ فرصةٌ لاختبارِ حقيقةِ الإيمانِ وتعزيزِه من خلال السعيِ لتحسينِ الأمورِ بالإمكاناتِ المتاحةِ، لا الاستسلامِ والهروبِ من الواقعِ.

وكما تلاحظون اليومَ، فإنّ العالمَ برُمَّتِهِ يشهدُ مرحلةً صعبةً اقتصادياً ومالياً، زادَ من وِطأَتِها تفشّي وباءِ كورونا، حتى بدأت مراكزُ دراساتٍ كبرى تعلِنُ دخولَ أمريكا نفسِها أزمةً اقتصاديةً كبرى نتيجةَ فقدانِ عشراتِ الملايينِ لوظائفهم فيها وإشهارِ كثيرٍ من كُبرَياتِ الشركاتِ فيها إفلاسَها، والأيامُ القادمةُ حُبلى بكوارثَ عليها كما تشيرُ التقاريرُ الصادرةُ من هناك. والأمرُ نفسُهُ ينطبقُ على باقي الدولِ الصناعيةِ الكبرى التي تدورُ في الفلَكِ الأمريكيِّ.

فإن كانت أمريكا في طريقها للأفولِ وتحتاج للمساعدةِ، فكيفَ يمكن تصوُّرُ مبادرتها لمساعدةِ غيرها من أصدقائها؟!

أمّا من تُناصِبُهم أمريكا العداءَ مثلَكم أيها الشعبُ السوريُّ، فهيهات أن نتوقع منها سوى مزيدٍ من الشرِّ، بل إنها وراءَ كافةِ المشكلاتِ الاقتصاديةِ التي تعانون منها خدمةً لربيبتها إسرائيل.

فما السبيلُ للنجاةِ والنجاحِ في هذه الحالةِ؟ لنا في رسولنا (ص) أسوةٌ حسنةٌ إذ يقول: “الصبرُ خيرُ مركبٍ، ما رزقَ اللهُ عبداً خيراً له ولا أوسعُ مِنَ الصبر” (مسكّن الفؤاد، ص48).

والصبرُ لا يعني الاستسلامَ أبداً، بل فسّره إمامُنا الخامنئيُّ (دام ظله) بمقاومة الإنسانِ لنوازعِ الشرِّ والفساد والانحطاط التي تعترضُ سبيل تكامله؛ فهو -كما وصف سماحتُهُ- كتسلُّق الجبل الذي يحتاج للمقاومةِ والإرادة والتحمل لتجاوز العقبات.

وهذا الكلامُ ليس نظرياً أو إنشائياً، بل أثبتته تجاربُنا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية طيلةَ أربعةِ عقودٍ من مواجهةِ العقوباتِ والضغوطاتِ والتهديداتِ، حتى صارت بفضلِ التفافِ شعبها حول قيادتها قوةً إقليميةً ودوليةً كبرى تتحدى الجبروتَ الأمريكيَّ بإرسالِ خمس ناقلات نفطٍ تحمل العلم الإيرانيَّ إلى القارةِ الأمريكيةِ اللاتينيةِ دون أن تتجرأ أمريكا على القيامِ بأي شيء سوى التزامِ الصمتِ العاجزِ.

أما أنتم أيها الشعبُ السوريُّ الصامدُ، فأقول لكم: إن تجربتكم الكبرى في الانتصار على الإرهابِ الداعشيِّ المدعومِ أمريكياً وصهيونياً كفيلةٌ بتحقيقكم الانتصار في مواجهة الإرهابِ الاقتصاديِّ المدعومِ أمريكياً وصهيونياً أيضاً. كما أن تجاوزَ  الحصارِ الاقتصاديِّ ليس بغريبٍ عنكم، فقد خُضتُم في فترةِ الثمانينات من القرن الماضي ما يشبهه وخرجتم منتصرين.

ولعلّ من أجمل ما مرَّ عليّ في هذا البلدِ، ذلك القولُ لرئيس الجمهورية العربية السورية سيادةِ الدكتور بشارِ الأسدِ، الذي دعاه إمامنا الخامنئيُّ  ببطل العرب، حين يصرِّحُ: سوريا الله حاميها.

وإن الله الذي نصركم في محاربةِ الإرهاب والانتصارِ عليه بحلفاء محورِ المقاومةِ في ميادينِ القتالِ، اعلموا أنه سيؤيدكم بهم في ميادينِ الاقتصادِ حتى النصرِ النهائيِّ.