خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 27 شوال 1441 هـ

الموضوع: استقبال شهر التوبة والعودة إلى الله

الخطبة الأولى:

على أعتابِ دخولِنا شهرَ ذي القعدةِ؛ أحدَ الأشهُرِ الحُرُمِ الأربعةِ التي أشارَ إليها الباري عز وجلّ في كتابه الكريمِ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (سورة التوبة، 36)؛ إذ كانتِ العربُ في الجاهليةِ تكُفُّ فيها عن القتالِ وسفكِ الدماءِ في تقليدٍ أقَرَّه الإسلامُ؛ فحرَّمَ على المسلمين القتالَ حتى مع المشركين ابتداءً – إلا في حالةِ الدفاع عن النفسِ- في تلك الشهورِ وهي ثلاثةٌ متواليةٌ: ذو القعدةِ وذو الحجّةِ ومحرّم، فضلاً عن شهرِ رجبَ، تأكيداً على احترامِ الشريعةِ لكلِّ مناسبةٍ أخلاقيةٍ واجتماعيةٍ لا تتنافى وتعاليمَه.

عبادَ الله، إن كانت هناك مواسمُ لتخفيفِ العبدِ التوتُّرَ مع أعدائهِ بشرطهِ الذي ذكرْنا، فكيفَ لا يجعلُ منها فرصةً للصلحِ مع ربِّهِ والأَوْبَةِ إليهِ والكَفِّ عن حربِهِ معصيةً وذنباً -والعياذُ بالله-؟

ولعلَّ ما يدعونا للتأمُّل، لا سيّما على مستوى المجتمعِ، شدّةُ اهتمامِ أولياءِ اللهِ بذي القعدةِ الذي اعتبروه شهرَ التوبةِ وإيذاناً ببدءِ أربعينيتها كما جرت العادةُ في بلادكم بتقسيم الشتاءِ لأربعينياتٍ؛ فإنّ الله عز وجل أوحى إلى موسى أني أنزل عليك التوراة التي فيها الأحكامُ إلى أربعين يوماً وهو ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، يقول تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (سورة الأعراف، 142)، فتوجَّهَ موسى (ع) للطورِ في أولِ أيام شهر ذي القعدةِ لمناجاةِ ربِّهِ، بياناً لفضل ذلك الشهرِ كنقطةِ انطلاقٍ إلى اللهِ.

وقد دأبَ أهلُ ذكرِ الله على ترقُّبِ هلالِ ذلك الشهرِ كي يبدؤوا به أربعينيةَ ارتباطهم العباديِّ مع الله لِيختِموها بعيدِ الأضحى.

وذُكِرَت للشهرِ أعمالٌ في لياليه وأيامِهِ، ومنها ما وردَ حول يومِ الأحدِ فيه؛ فعن رسول الله (ص)، أنه خرجَ في يوم الأحد من شهر ذي القعدة، فقال: Sأيها الناس من كان منكم يريد التوبة؟ قلنا: كلنّا نريد التوبة يا رسول الله، فعلّمهم رسول الله صلاة الأحد من ذي القعدة وصفتها: أن يغتسل في يوم الأحد، ويتوضأ ويصلّي أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة منها الحمد مرة، و(قل هو الله أحد) سورة التوحيد ثلاث مرات، والمعوذتين: (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)  (يا عزيز يا غفار، اغفر لي ذنوبي وذنوب جميع المؤمنين والمؤمنات، فإنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت…ثم قال رسول الله(ص): ما من عبد من أمّتي فعل هذا إلّا نودي من السماء: يا عبد الله استأنف العمل، فإنّك مقبول التوبة، مغفور الذنب، وينادي ملك من تحت العرش: أيها العبد بورك عليك وعلى أهلك وذريتك، وينادي منادٍ آخر: أيها العبد، ترض خصماؤك يوم القيامة، وينادي ملك آخر: أيها العبد تموت على الإيمان ولا يسلب منك الدين – لأنّ الإيمان على قسمين مستودع يسلب منه عند الاحتضار، ومستقر ثابت إلى يوم القيامة –  ويفسح في قبرك وينوّر فيه، وينادي منادٍ آخر: أيها العبد يرضى أبواك وإن كانا ساخطين ـ فإن عاق الوالدين لا يشم رائحة الجنة من خمسين عاماً ويدخل النّار ـ وغفر لأبويك ولك ولذريتك، وأنت في سعة من الرزق في الدنيا والآخرة. وينادي جبرئيل ـ أمين وحي الله أنا الذي آتيك مع ملك الموت أن يرفع بك ولا يخدشك أثر الموت، إنّما تخرج الروح من جسدك سلّاً أي بسهولة كما يُسّل السيف من غمده – وجبرئيل علّم النبي ذلك أيام أُسرى به في المعراج – R (إقبال الأعمال، 2: 20 ـ 21 عنه المستدرك: 6: 296 الحديث 36).

فاللهَ اللهَ، عبادَ الله، في شهر ذي القعدةِ، فاستعدّوا له وأكرِموا وِفادتَهُ، وضاعِفوا مراقباتِكم لله فيه، حتى يكون محطةً للتوبة والتطهير ومعراجاً للمقامات المعنويةِ الإلهيةِ. نسأله تعالى أن يجعلنا من أهل التوبة و الطهارة والمراقبة.

الخطبة الثانية:

من المناسباتِ التي يحمِلُها شهرُ ذي القعدةِ مع غُرَّةِ أيّامِهِ، ذكرى ولادةِ سيدتِنا فاطمةَ المعصومةِ (ع)؛ تلك الشخصيةِ التي نهَلَتْ من نَميرِ الإمامةِ ونشأَتْ من أَرومَةِ الولايةِ، حتى أثنى بِحقِّها عددٌ من المعصومين (ع) وأُثِرَ نصُّ زيارتِها عن أحدِ الأئمةِ الطاهرين (ع)، فنهنِّئُكم سلفاً بتلك المناسبةِ العطِرَةِ سائلين الباريَ عزّ وجلّ أن يرزقَنا في الدنيا زيارتَها وفي الآخرةِ شفاعتَها.

أيها الأخوة المؤمنون، استحوذَ مؤخَّراً خبرُ العقوباتِ الأمريكيةِ على سوريا اهتمامَ وسائلِ الإعلامِ الإقليميةِ والعالميةِ، ما يستدعي منّا مقاربةَ الموضوعِ من عدَّةِ نقاطٍ أهمُّها:

الأولى ⁃ إنّ قضيةَ الحصارِ والعقوباتِ الاقتصاديةِ والماليةِ ليست بجديدةٍ على سوريا ولا محورِ المقاومةِ وقلبِها الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ؛ فهي أمرٌ واقعٌ منذ عقودٍ تختلفُ شدّةً وضعفاً، تَبَعاً لِمَدى إفلاسِ إدارةِ البيت الأبيضِ وفشلِها في احتواءِ جبهةِ الصمودِ والممانعةِ. والثابتُ الوحيدُ الذي لم يتغيرْ في الإستراتيجيةِ الأمريكيةِ هو عداؤها للشعوبِ والأنظمةِ الحرّةِ المناوئةِ لسياساتها الاستكباريةِ. ولكُم -يا أبناءَ سوريا- تجربةٌ مع تلك الضغوطِ وتجاوُزِها منذ ثمانيناتِ القرنِ الماضي.

الثانية ⁃ إنّ تلك العقوباتِ الجديدةِ فصلٌ آخَرُ من فصولِ الفضائحِ الأمريكيةِ التي تتبنَّى شريعةَ الغابِ وتضرِبُ الأعرافَ والقوانينَ الدوليةَ عَرضَ الحائطِ. ومِمّا يُضْحِكُ الثكلى في الخطوةِ الأمريكيةِ الأخيرةِ ضدَّ سوريا أنها تحمل عنوانَ قانونِ قيصرَ مع أنها أبعدُ ما تكونُ عن كلِّ ما يَمُتُّ بِصِلةٍ لأيِّ قانونٍ، بل هو المخالفةُ بعينِها لكلِّ المبادئِ الإنسانيةِ. وأقصى ما يمكنُ قولُهُ في هذا الصددِ أننا فهمنا معنى القانونِ الأمريكيِّ الذي يعكِسُ عقليةَ رجُلِ البقرِ الكاوبوي في تعاملهِ مع القضايا الدوليةِ بضجيجٍ إعلاميٍّ وحربٍ نفسيةٍ خاويةٍ.

الثالثة ⁃ إنّ العقوباتِ الأخيرةَ كشفَت حالةَ الانفصامِ عن الواقعِ التي يعيشُها مسؤولو الإدارةِ الأمريكيةِ؛ فما معنى أن يدَّعِيَ أحدُ الناطقين باسم خارجيتِها أنّ العقوباتِ لن تستهدِفَ الشعبَ السوريَّ أو تمنعَ عنهم الوصولَ لاحتياجاتِهم الأساسيةِ؟ أليسَ مثلُ ذلك التصريحِ منتهى الوقاحةِ والكذبِ ونحنُ نرى أنها لن تستهدِفَ إلا الشعبَ السوريَّ؟ وهل هناكَ أصلاً فرقٌ بين الشعبِ والنظامِ الذي انبثقَ منه؟ حقيقةً، إنّ الإنسانَ لَيقفُ مشدوهاً أمامَ ذلكَ الغباءِ الأمريكيِّ.

الرابعة ⁃ والأعجَبُ من ذلك كلِّهِ أن ترفعَ الإدارةُ الأمريكيةُ شعارَها الزائفَ في الدفاعِ عن حقوقِ الإنسانِ المزعومةِ مبرِّراً لقرارِها الأخيرِ. وهنا أجدُ نفسي مضطرّاً لمخاطبةِ الأمريكانِ بصراحةٍ لأقول: أيها الأحمقُ ترامب! أيها الحمقى ممن معه في إدارته الفاشلةِ! لا شكَّ أنكم حمقى وأنتم تعلمون أنكم كذلك، وهذه مذكِّراتُ أعضاءِ إدارتِكم السابقين وإحدى قريباتِ ترامب أكبرُ شاهِدٍ على ما أقول. ولكنْ ليس لكمُ الحقُّ أبداً أن تستحمِقوا شعوبَ العالمِ بادِّعاءِ الدفاعِ عن حقوقِ الإنسانِ!

لقد رأينا معنى حقوقِ الإنسانِ لديكم في شوارعِ واشنطن، لا سيما حين يضعُ شرطيُّكم الذي يُفرَضُ بهِ أن يدافعَ عن القانون، ركبتَهُ على عنقِ مواطنٍ أسودَ ويضغطُ بها عليه حتى يلفِظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ اختناقاً. فَبَدَلَ أن تتشدَّقوا بحقوقِ الإنسانِ العالميةِ على شعوبٍ تبعُدُ عنكم آلافَ الأميالِ، اهتَمُّوا بها لديكم في الداخلِ ولن تفعلوا ذلك أبداً؛ فقد استحوذَ عليكم الشيطانُ فأضَلَّ أعمالَكم.

الخامسة ⁃ إنّنا في الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ إذ نَدينُ تلك العقوباتِ، نعلِنُ وقوفَنا إلى جانبِ أشقائنا السوريين في معركتهم الاقتصاديةِ كما ساندناهم في ميادينِ القتالِ ضد الإرهابِ الأمريكيِّ وانتصرْنا. ونقول كما قال إمامُنا القائدُ: الحمد لله الذي جعلَ أعداءَنا من الحمقى؛ فهُم ممن يصدُقُ عليهم المثلُ (من جرَّبَ المجرَّبَ حلَّت به الندامةُ).

 

فقد جرَّبوا تركيعَ سوريا بِشَنِّ حربٍ كونيةٍ إرهابيةٍ عليها حتى بلغوا بدواعشهم أبوابَ دمشقَ، إلا أنّ تكاتُفَ القيادةِ والجيشِ والشعبِ في سوريا، فضلاً عن وقوفِ محورِ المقاومةِ والحلفاءِ معها قلبَت الطاولةَ على الأعداءِ وأسقطَت المشروعَ التخريبيَّ الصهيوأمريكيَّ، وذلك بفضلِ وعيِ أبناءِ الشعبِ السوريِّ وبصيرتِه وإيمانِهِ بقولِ الإمامِ الخمينيِّ (ره): “إنّ أمريكا الشيطانُ الأكبرُ”، وكان كيدُ الشيطانِ ضعيفاً. وأقولُ لأبناء سوريا الصمودِ: إنّ ما يجمعُ الجمهوريةَ الإسلاميةَ الإيرانيةَ ومحورَ المقاومةِ بكم عُمِّدَ بالدمِ والتضحياتِ، ولن تتخلّى عنكم في هذه الظروفِ العصيبةِ. فإن كنا قادرين على إيصال ناقلاتِنا النفطيةِ لفنزويلا، فلن نقصِّرَ في دعمكم؛ فالأقرَبونَ أَولى بالمعروف.

وكما أسْقِطَ في يدِ الأمريكانِ ولمْ يَحاروا ردَّاً في التعامل مع كسرِ حصارِ فنزويلا، فسيرونَ العجَبَ العُجابَ في إسقاطِ قوانينِ عقوباتهم، التي ستتحولُ لعقوباتٍ عليهم، يلتَفُّ حبلُها حولَ أعناقهم. وإنَّ إيرانَ التي لم تتخلَّ عن فلسطينَ طيلةَ أربعةِ عقودٍ من عمر ثورتها المباركةِ، لن تتركَ سوريا الصمودَ والمقاومةَ وحدَها لأنها قاعدةُ الانطلاقِ لتحريرِ فلسطينَ. وما النصرُ إلا من عند الله القوي العزيز.

وأختِمُ مخاطِباً الإدارةَ الترامبيةَ الغبيةَ بهذه الأبياتِ العربيةِ المعروفةِ:

وقد عَظُمَ البعيرُ بغيرِ لُبٍّ * فَلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البعيرُ

يُنوَّخُ ثُمَّ يُضرَبُ بالهراوَى * فلا عُرفٌ لديهِ ولا نَكيرُ

يُقوِّدُهُ الصَّبيُّ بكلِّ أرضٍ * ويصْرَعُهُ علَى الجَنْبِ الصَّغيرُ

تَرَى الرَّجلَ النَّحيفَ فتزدريهِ * وفي أثوابِهِ أسدٌ هَصورُ