خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 4 ذي القعدة 1441 هـ

الموضوع: أفضل الحياة وأسوؤها من منظور الإمام الرضا (ع)

الخطبة الأولى:

للحياةِ مراتبُ ودرجاتٌ، والإنسانُ بطبيعتهِ في سعيٍ دؤوبٍ لنيلِ أعلاها وأفضلِها وتجنُّبِ أدناها وأسوَئها. وكمْ نحنُ في حاجةٍ لخارطةِ طريقٍ توجِّهُنا للسبيلِ الأَقوَمِ نحوَ بلوغِها.

إنّ إمامَنا الرضا (عليه السلام) -ونحنُ على أعتابِ ذكرى ولادتهِ المباركةِ- من النماذجِ العمليةِ والأُسواتِ الحقيقيةِ التي يمكنُ لتَمَثُّلِ سيرتِهِ أنْ تأخذَ بيدِ البشريةِ لغايتِها المنشودةِ في الحياةِ الطيبةِ. ولنستمعْ بآذانِ قلوبنا لإحدى كلماتِهِ النورانيةِ التي تُعينُنا في ما نحنُ بصددِ البحثِ عنه؛ قال علي ابن شعيب: Sدَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام فَقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ، مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ مَعَاشاً؟ قُلْتُ: يَا سَيِّدِي أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَقَالَ عليه السلام: يَا عَلِيُّ، مَنْ حَسَّنَ مَعَاشَ غَيْرِهِ فِي مَعَاشِهِ. يَا عَلِيُّ، مَنْ أَسْوَأُ النَّاسِ مَعَاشاً؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: مَنْ لَمْ يُعِشْ غَيْرَهُ فِي مَعَاشِهِ. يَا عَلِيُّ! أَحْسِنُوا جِوَارَ النِّعَمِ فَإِنَّهَا وَحْشِيَّةٌ مَا نَأَتْ عَنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إِلَيْهِم. يَا عَلِيُّ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ رِفْدَهُ وَأَكَلَ وَحْدَهُ وَجَلَدَ عَبْدَهُ، أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللهِ فَإِنَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ بِاللهِ كَانَ اللهُ عِنْدَ ظَنِّهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ قُبِلَ مِنْهُ الْيَسِيرُ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلَالِ خَفَّتْ مَؤُونَتُهُ، وَنُعِّمَ أَهْلُهُ، وَبَصَّرَهُ اللهُ دَاءَ الدُّنْيَا وَدَوَاءَهَا، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَام. لَيْسَ لِبَخِيلٍ رَاحَةٌ وَلَا لِحَسُودٍ لَذَّةٌ وَلَا لِمَلُولٍ وَفَاءٌ، وَلَا لِكَذُوبٍ مُرُوَّةR (تحف العقول، ص 448).

لقد اختزلَ ذلك الحديثُ أحدَ أهمِّ العناوينِ الإنسانيةِ في الرسالةِ الإسلاميةِ؛ أَلا وهو مبدأُ التكافُلِ الاجتماعيِّ الذي يقومُ على تقاسُمِ الآلامِ والآمالِ من خلالِ التفكيرِ بالآخَرين والعملِ على إشراكِهِم في ما ينالُ من مَكاسِبَ وخيراتٍ.

وما أحوجَ العالَمَ اليومَ لنشرِ تلكَ الروحِ الإنسانيةِ، ونحنُ نرى كيف تُمعِنُ تياراتُ الماديةِ المدمِّرةُ ضرباً في القيمِ أخلاقاً وسلوكاً! سعياً وراءَ مكاسِبَ دنيويةٍ آنيَّةٍ ضيِّقةٍ.

نعم! لقد أفرزَتْ منظومةُ الرأسماليةِ المتوحشةِ مجموعةً من أشباهِ البشرِ؛ هَمُّها تجميعُ الثرواتِ والأموالِ بالطرُقِ غيرِ المشروعةِ داعِسةً بأقدامِها لِما تدَّعيها حقوقَ الإنسانِ؛ فتتذَرَّعُ بأيِّ حجَّةٍ واهيةٍ كي تُخرِجَ العمّالَ وتأكلَ حقوقَهم وتمنعَ عنهم ولو أدنى ما يتمتَّعونَ من ثرواتٍ، حتى صارَ الأغنياءُ أكثرَ غِنىً والفقراءُ أكثرَ فقراً.

وما يدعو للأسفِ أن نرى في مجتمعاتِنا الإسلاميةِ من ينجَرُّ وراءَ تلك الدعواتِ الشيطانيةِ على حسابِ أصولنا الدينيةِ التي استعرضَها إمامُنا الرضا (عليه السلام) في كلامِهِ الذي يرفضُ حالةَ الاحتكارِ والأنانيةِ والجشعِ، ويدعو للحياةِ الطيبةِ التي يقوم فيها مَعاشُ الإنسانِ المطلوبُ على مَدى ما يُفيدُ غيرَهُ؛ فهي أعلى مراتبِ الحياةِ وأفضلُها.

أمّا أسوأُ درجاتِ الحياةِ فهي أن يعيشَ لنفسهِ دونَ أن يشعُرَ بآلامِ الآخَرين، حتى ولو كان ملتزِماً بأداءِ الحقوقِ الشرعيةِ ويكسبُ لقمةَ عيشهِ حلالاً.

عبادَ الله، إذا جعلنا ذلك الحديثَ عنوانَ برنامجِ حياتنا والتزمْنا تطبيقَهُ -ولو لمدّةِ عامٍ واحدٍ مثلاً- لَقضينا على البطالةِ أو خفَّفنا منها، وقطعْنا الطريقَ على المَفاسِدِ التي تولِّدُها من إدمانٍ وفحشاءَ وسرقةٍ وفوضى وغيرِها من الأمراضِ الاجتماعيةِ.

وفي تعاليمِ دينِنا الحنيفِ الاجتماعيةِ في تحسينِ مستوى الحياةِ والمعيشةِ للآخرين، لا فرقَ بينهم ديناً ونسباً واستئهالاً؛ ففي الحديث عن إمامِنا الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): Sاصطنع الخير إلى من هو أهله وإلى من هو غير أهله، فإن لم تصب من هو أهله فأنتَ أهلُهR (عيون أخبار الرضا، ج2، ص35). وجاء في روايةٍ أخرى عنه (عليه السلام) أنه فرَّق بخراسانَ مالَه كلَّهُ في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: Sإنّ هذا الـمَغرَمُ، فقال (عليه السلام): بل هو المغنمُ، لا يُعَدَّنَّ مغرماً ما ابتغيت به أجراً وکرماًR (بحار الأنوار، ج49، ص100).

فالمبادرةُ للخيرِ تكشِفُ مَعدِنَ الانسانِ وترفعُ من قدرِهِ، سواءٌ لقيَ جزاءً عليها من الغيرِ أو لا؛ إذ يكفيهِ رضى ربِّهِ ففيه سعادتُهُ في الدنيا وفلاحُهُ في الآخرةِ، وهي أفضلُ درجاتِ الحياةِ عند إمامنا الرضا (عليه السلام). نسأله تعالى أن يجعلنا من أهل التوبة و الطهارة والمراقبة.

الخطبة الثانية :

ذكرْنا في الخطبةِ الأولى أنّ أفضلَ العيشِ -كما قالَ إمامُنا الرضا (عليه السلام)- أن يعيشَ الإنسانُ لغيرِهِ، فيكونَ سبباً لسعادتهم لا شقائهم.

ولعلّ في محورِ المقاومةِ نموذجاً عملياً للتوصياتِ الرضويةِ كرَماً وكرامةً؛ إذ كان أبناؤه في تَوادُّهُم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم كمَثَلِ الجسدِ الواحدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الأعضاء بالحمى والسهر. وقد كان ذلك العاملُ كلمةَ سِرِّ الانتصارِ الذي تَحَقَّقَ في سورية على العدوانِ الصهيوأمريكيِّ عليها بالوكالةِ، فقد سارعَ محورُ المقاومةِ لاستنفارِ إمكانياتِهِ دعماً لسورية قيادةً وجيشاً وشعباً في الحربِ الكونيةِ التي شُنَّتْ عليها، فأُحبِطَ العدوُّ واستبدَّ به اليأسُ من تحقيقِ إنجازٍ ميدانيٍّ عسكريٍّ، فلجأَ للعبتِهِ القذرةِ بالضغطِ الاقتصاديِّ على أبناءِ محورِ المقاومةِ بشكلٍ عامٍّ، والشعبِ السوريِّ بشكلٍ خاصٍّ من خلال تطبيق لاقانونِهِ المدعُوِّ بقيصرَ للتضييقِ عليه والإضرارِ اقتصادياً بداعمي سورية من دولٍ وشركاتٍ وأفرادٍ تتوخّى الاستثمارَ فيها وإعادةَ إعمارِها وإصلاحَ بنيتِها التحتيةِ وإنتاجَ النفطِ والغازِ من حقولِها.

أيها المؤمنون، إنّ الهدفَ الصهيوأمريكيَّ من تشديدِ العقوباتِ الاقتصاديةِ على سورية، دفعُها للخضوعِ والاستسلامِ. وهو أمرٌ عجزَت عن تحقيقه الإدارةُ الأمريكيةُ حرباً ميدانياً، لتأمَلَ في تحقيقهِ إرهاباً اقتصادياً، ولكنْ خسِئوا وخابوا.

طبعاً، هناك نقطةٌ لا بدَّ من التأكيدِ عليها في هذا السياقِ، وهي أنّ سورية تعيشُ منذ سنواتٍ في ظلِّ العقوباتِ الأمريكيةِ الغربيةِ، بل انتصرَت في حربِها الأخيرةِ على الإرهابِ وهي تحتَ الحصارِ. فهي صاحبةُ باعٍ طويلٍ في التعامل مع مثلِ هذه الظروفِ، بل صارت أكثرَ خبرةً في مواجهتها، لا سيما مع وقوفِ محورِ المقاومةِ معها.

ومن هنا أعلنُها صراحةً أنْ لا خوفَ على سورية ولا على محورِ المقاومةِ من العقوبات الأخيرةِ، فمسيرةُ المقاومةِ مستمرةٌ، بل ستتسارَعُ وَتيرَتُها عملاً وإنتاجاً وتكافلاً وتطوراً، كما جعلَت العقوباتُ الأمريكيةُ على إيران طيلةَ أكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ أصلَبَ عوداً وأكثرَ اكتفاءً ذاتياً وقوةً إقليميةً ودوليةً كبرى.

أيها الأخوة المؤمنون، إنّ تلك العقوبات الأمريكيةَ الأخيرةَ في الحقيقةِ إعلانُ حربٍ على الشعب السوريِّ، وتعبيرٌ عن عداءٍ مستحكِمٍ متأصِّلٍ تجاهَ محور المقاومةِ، ولن يتوقفَ ذلك العداءُ طالما هناك غدةٌ سرطانيةٌ صهيونيةٌ مزروعةٌ في فلسطينَ.

ولقد علَّمَتنا التجاربُ أنّ الشعبَ السوريَّ الصامدَ يظهرُ معدنُهُ عند الشدائدِ مقاومةً وثباتاً، ولن يسمحَ لقوى العدوانِ أن تحققَ أهدافها المشؤومةَ، وستكرِّرُ سورية انتصارها في الميدانِ الاقتصاديِّ كما انتصرَت ميدانياً، لتكونَ عقوباتُ أمريكا حسرةً عليها.

أما النقطةُ الأهمُّ التي نستنتجها من تلك العقوباتِ؛ فهي أنّ الإدارةَ الأمريكيةَ تُقِرُّ بعجزِها الميدانيِّ العسكريِّ في فرضِ شروطها على محور المقاومةِ؛ الأمرُ الذي يشيرُ لمدى الأزمةِ التي تعيشها على مختلفِ الأصعِدةِ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً كما ظهرت جلِياً خلال أزمة كورونا والتمييزِ العنصريِّ.

نعم! كلُّ المؤشِّراتِ تدلُّ على قُربِ تحقُّقِ بشارةِ إمامِنا الخامنئي (دام ظله) بأفول أمريكا. وما تلك الإجراءاتِ الأمريكيةِ الأخيرةِ سوى صوتِ قرقعةِ تكسُّرِ هياكلِ إمبراطوريةِ الشرِّ، والتي لن يقلِّلَ من وَقْعِها الضجيجُ الإعلاميُّ المُثارُ حولها. وإنها لبشارةٌ للمؤمنين تثبيتاً لقلوبهم، وما النصرُ إلا من عند الله القوي العزيز.