خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 18 ذي القعدة 1441 هـ

الموضوع: كيف نأمَنُ مَكرَ الشيطانِ؟

الخطبة الأولى:

لقد حَذَّرَنا ربُّنا من كيدِ الشيطانِ وحبائلِهِ، حتى وصفَهُ في كتابِه الكريمِ بالعدوِّ الذي لا يؤمَن مَكرُهُ؛ فقال تعالى: Pإِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا  إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِO (سورة فاطر، الآية6).

فهو بِمَثابَةِ الفيروسِ المنحوسِ الذي ينبغي التعامُلُ معهُ بالتزامِ إجراءاتٍ وِقائيّةٍ وعلاجيّةٍ؛ فَمَن كانت مَناعَتُهُ قويةً استعصى على الشيطانِ أمرُ إغوائهِ، والعكسُ بالعكسِ.

ولكنْ، كيفَ نقوّي المناعةَ تِجاهَهُ؟ عن الإمامُ الصّادقُ (عليه السلام): Sمَن لَم يَكُن لَهُ واعِظٌ مِن قَلبِهِ، و زاجِرٌ مِن نَفسِهِ، و لَم يَكُن لَهُ قَرينٌ مُرشِدٌ، استَمكَنَ عَدُوُّهُ مِن عُنُقِهِR (الأمالي للصدوق، ص 526)

فالقلبُ نقطةُ الارتكازِ في هذهِ المواجهةِ؛ وهو مخزن الحبّ الإلهيِّ ودارُ حقِّهِ تعالى وحَرَمُهُ، وكما جاء في الحديث Sالْقَلْبُ حَرَمُ اللَّهِ فَلَا تُسْکِنْ حَرَمَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِR (جامع الأخبار، ص28). فإن خلا من اللهِ، أضحى عُرضَةً لحملاتِ الشيطانِ وتعشيشِهِ فيه، والعياذُ بالله.

وَلْيُواظِبِ الإنسانِ على تطهيرِ قلبهِ من كلِّ شائبةٍ بتركيبِ أجهزةِ الإنذارِ المبكِّرِ فيه، والمتمَثِّلةُ بالوعظِ الداخليِّ المستمرِّ تذكيراً ونصيحةً وتنبيهاً، كما جاء في الحديث “واعظٌ من نفسِهِ”.

فإذا طهُرَ القلبُ وتَطَهَّرَ، فقد تأدَّبَ برسمِ الحدودِ مع الشيطانِ من خلال الالتزام بأوامر الله ونواهيه، ومن ثَمَّ المبادرةُ لحمايةِ تلك الحدودِ بتطبيقِها عملياً. والقلبُ الذي تلوَّثَ بحبِّ ما سِوى الله، خارجٌ عن حدودِ الأدبِ؛ فقد شرَّعَ حدودَهُ للشياطينِ والشهواتِ التي تعملُ فيها كالفيروساتِ، فتصيبُه بالمرضِ. وقد سئل إمامُنا الصادقُ (عليه السلام) عن القلب السليم، فأجاب: Sهُوَ الْقَلْبُ الَّذِي سَلِمَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَاR (مجمع البيان، ج7، ص305).

ولتقويةِ مناعةِ القلبِ وتأديبِهِ وسائلُ منها تعزيزُ حالةِ الخشيةِ من الله داخلياً وذلك على أساسِ العلم بالله ومعرفةِ عظمتِهِ؛ فقد ورد في الحديث Sقال الله تعالى لعيسى(عليه السلام) أدِّب قلبك بالخشيةR.

ومن الضروريّ خلقُ ذلك الواعظِ الداخليِّ في القلبِ، قبلَ التفكيرِ بواعظٍ خارجيٍّ؛ فتصوّروا إنساناً رئته تالفة، ويعيش على كبسولة الأوكسجين؛ هذا الإنسان حياته في خطر، إذا انتهى الأوكسجين، انقطع عنه المدد. والحل الصحيح هو في وضع جهاز داخله بشكل دائم، يعطيه الأوكسجين.

المؤمن كذلك يحتاج إلى رئة باطنية، تذكره بما ينبغي تذكيره به. وهذا ممكنٌ من خلال الدعاءِ وقيامِ الليل. والحمد لله أورثَنا أئمتُنا كنوزاً من الأدعيةِ والمناجَياتِ والأعمالِ التي تطفَحُ بها كتبُنا.

ولا تخفى أهميةُ الصديقِ الصدوقِ كعاملٍ خارجيٍّ لتأديب القلبِ، ومنعِ تمكينِ الشيطانِ منه. فنجدُ في الرواياتِ ما تحُثُّ على مصاحبةِ من يذكّركم الله رؤيتُه. فإن تغافلَ الإنسانُ أو غفل عن زاجرٍ من نفسه ولم يكن له قرينٌ مرشدٌ، استمكن عدوّه من عنقه وهو الشيطان.

الخطبة الثانية:

في هذهِ الأيّامِ، لا يزالُ الأعداءُ يُبْدونَ من تَصَرُّفاتِهِم كُلَّ قبيحٍ قدْ يُدْمي في ظاهِرِهِ قلوبَ المؤمنين والمجاهدين، لكنَّهُ في الحقيقةِ تعبيرٌ عن يأسِهِم وإحباطِهِم وعجزِهِم تِجاهَ محورِ المقاومةِ وتَصاعُدِه واقتدارِه.

فقد تَجَرَّأَت صحيفةٌ سعوديةٌ على مَقامِ مرجعيّةِ سماحةِ آيةِ الله العظمى السيدِ السيستانيِّ (حفظه الله) بِرَسمٍ كاريكاتوريٍّ مُشينٍ، في استِهانةٍ بمَشاعِرِ الملايينِ من المسلمين الشيعةِ؛ سواءٌ من مقلِّدي سماحتِهِ أو غيرِهِم مِمَّن يُكِنُّونَ لهُ كلَّ الاحترامِ والتقديرِ، فضلاً عن استِخفافِ تلك الجريدةِ بعقيدةِ المسلمين من أتباعِ مدرسةِ أهلِ البيتِ (ع) الذين يرَون في مراجعِ التقليدِ جسوراً تربِطُهُم بإمامِ زمانِهِم (عج) في ضوءِ الحديثِ المشهورِ: Sفأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمرِ مولاه، فللعوامِّ أن يقلّدوهR (وسائل الشيعة، ج27، ص131).

إنّ ذلك العملَ المُدانَ والمُستنكَرَ تعبيرٌ عن حجمِ الغَيظِ والحقدِ الذي يَجيشُ في صدرِ العدوِّ الوهّابيِّ وأربابِه تِجاهَ تلك المرجعيةِ. ولكنْ، ما السِّرُّ وراءَ ذلك؟

إنّ صُراخَ العدوِّ على قدرِ وَجعِهِ، وإهانتُهُ بحجمِ إحباطِهِ؛ فقد تلقَّى ضرباتٍ موجِعَةً على مستوى العراقِ والمنطقةِ ومحورِ المقاومةِ من المرجعيةِ بشكلٍ عامٍّ؛ وخاصّةً من مرجعيتَي سماحةِ آية الله العظمى الإمامِ الخامنئي (دام ظله) وآيةِ اللهِ العظمى السيستانيِّ (حفظه الله)، ما لن ينساها أبداً.

وأنّى لأعدائنا في مثلَّثِ الشرِّ الأمريكيِّ الصهيونيِّ الرجعيِّ أن ينسوا مشروعَهم الداعشيَّ الإرهابيَّ التكفيريَّ بتمويلِ البترودولار السعوديِّ الوهّابيِّ وقد دُمِّرَ بإشارةٍ من الإمامِ الخامنئيِّ وبفتوىً من المرجعِ السيستانيِّ، لتذهبَ أحلامُ الأعداءِ أدراجَ الرياحِ بعدَ أن خابَ سعيُهُم في تقسيمِ العراقِ وبثِّ الفتنةِ بينَ مُكَوِّناتِهِ وتحويلِهِ لحديقةٍ خلفيةٍ للمحتلّين الأمريكانِ! بل صارَ العراقُ مَعقِلاً من مَعاقِلِ مواجهةِ الهيمنةِ الأمريكيةِ وحجراً أساساً في محورِ المقاومةِ.

أيها المؤمنون، إنّ خطوةَ الصحيفةِ السعوديةِ الأخيرةَ تأتي استكمالاً لحربِ الإرهابِ الاقتصاديِّ النفسيِّ الذي يشنُّهُ العدوُّ الصهيوأمريكيُّ على محورِ المقاومةِ وشعوبِها.

ولكنْ، الحمد لله الذي جعلَ أعداءَنا من الحمقى؛ فقد فضحوا نواياهم بأنفسِهم، وأنّهم لا يريدونَ الخيرَ والاستقرارَ للمنطقةِ، بل يعمَلون لإثارةِ الفوضى فيها. وإلا فماذا يعني اقتراحُهُم الأخيرُ بإرسالِ ما تُدعى مساعداتٍ إنسانيةٍ لسوريا دونَ التنسيقِ مع النظامِ الشرعيِّ المنتخَبِ فيها؟ ألا يعني ذلك أنّهم يريدون دعمَ أدواتِهم الإرهابيةِ من جديدٍ؟ وماذا يعني مَساسُهُم لمقامِ المرجعيةِ في العراق؟ ألا يعني استهدافَهم لصَمّامِ أمنِ ذلك البلدِ ورمزِ وحدتِهِ واستقرارِهِ؟ وماذا يعني تشديدُ ضغوطِهِم على لبنانَ؟ ألا يعني محاولتَهم إثارةَ الفتنةِ فيه؟

ولكنْ، أقولُ لأولئك الأعداءِ: إنّ المنطقةَ لأبنائها الأحرارِ المقاومين المُتجَذِّرينَ في أرضهم التي سَقَوها بدمائهم الطاهرةِ التي ستُحرِقُ الغُزاةَ والمحتلّين والرجعيّين. ولن تنفعَكم لا قواعدُكم العسكريةُ ولا أسلحتُكم ولا عقوباتُكم ولا مشاريعُكم لضمِّ أجزاءَ من الضفةِ وغورِ الأردن. فالمصيرُ الوحيدُ الذي ينتظِرُكم هو الهزيمةُ والخروجُ من المنطقةِ التي لن تكونَ آمنةً لكم كما لم تكن كذلك لمن سبقكم من المحتلين.

أمّا لجوؤكم للحصارِ على الشعوبِ وسيلةً لإخضاعِها، فهو جَهدُ العاجزِ؛ فمن ضحّى بدمِهِ في سبيلِ الدفاعِ عن أرضهِ وعِرضِهِ وكرامتِهِ، يربَأُ بنفسِهِ الخنوعَ مقابِلَ كِسرةِ خبزٍ. وما النصرُ إلا صبرُ ساعةٍ. وهذا النصرُ قريبٌ بالإيمانِ والتوكلِ على اللهِ والبصيرةِ والإرادةِ.

ختاماً، بقي أن أذكِّركم -أيها المؤمنون والمؤمنات- بضرورةِ الالتزامِ بالإجراءاتِ الصحيةِ الوقائية والتباعُدِ وعدمِ الاختلاطِ لاحتواء فيروسِ كورونا المنحوسِ؛ فهي الوسيلةُ الأنجعُ للتعاملِ مع هذا الوباءِ.

فالحكومةُ والجهاتُ المعنِيةُ في هذا البلدِ العزيزِ قامت بواجباتِها ولا تزالُ تبذُلُ جهودَها مشكورةً في هذا الصدَدِ، إلا أنّ الرِّهانَ الأولَ والأخيرَ عليكم أيها المواطنون ومَدى وعيِكم والتزامِكم وتعاونِكم؛ فالوباءُ لم ينتهِ بعدُ، بل هناك دولٌ بدأت تشهدُ موجةً ثانيةً منه.

لذا، أكرِّرُ دعوتي للجميعِ بالالتزام الجادِّ بالتوصياتِ الصادرةِ من الجهاتِ الصحيةِ والعملِ على تطبيقِها وقايةً وعلاجاً؛ فهي السبيلُ للانتصارِ على ذلك الوباءِ.

وهنا، لا بدّ لي من التعليقِ على تناهى لسمعي مؤخَّراً بأنّ بعضَ الزوّارِ الكرامِ حين تُوزَّعُ عليهم الكمّاماتُ مقابلَ الحرَمِ، يتناولونها ويقبِّلونها ليضعوها في جيوبهم قائلين: بركة السيدةِ!

أيها الأعزاءُ: إنّ الكَمّاماتِ تُوزَّعُ عليكم كي تغطُّوا بها أنوفكم وأفواهَكم وقايةً لكم ولِمن حولَكم؛ عملاً بواجبنا تجاهَ السيدةِ زينب (ع) في خدمةِ زوارِها وعلى رأسها المحافظةُ على صحتهم. فالكمّامةُ للحماية لا للبركةِ. ومكانُها الوجهُ لا الجيبُ. فيُرجى الالتزامُ بهذهِ الإجراءاتِ كرامةً لصاحبةِ هذا المقامِ.