خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 25 ذي القعدة 1441 هـ

25  ذو القعدة 1441

الموضوع: “دحو الأرض” فرصة معنوية

الخطبة الأولى:

لم يترُكْ دينُنا الحنيفُ مناسبةً إلا ليُحَوِّلَها فرصةً لارتقاءِ الإنسانِ في مَدارِجِ الكمالِ، ومِن تمامِ لطفِ اللهِ بنا أنْ جعلَ لنا أعلاماً للهدايةِ يُوجِّهوننا نحوَ تَنَشُّقِ نسائمِ الخيرِ والبركةِ؛ فها هي الأحاديثُ المرويةُ عن المعصومين (ع) تُعينُنا على استثمارِ تلك الفرصِ الإلهيةِ التي لا يَتَكَرَّرُ بعضٌ منها سوى مرةٍ واحدةٍ سنوياً كيومِ “دحوِ الأرضِ” وقد لا تتكررُ إلا مرةً في العُمرِ، فالأعمارُ بيد الله، وعلى الإنسانِ وحدَهُ تقعُ مسؤوليةُ اقتناصِها، فعن رسول الله (ص): Sإنَّ لِرَبِّکُمْ في أیامِ دَهْرِکُمْ نَفَحاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَها لَعَلَّهُ أن یصیبَکُمْ نَفْحَةٌ مِنْها فَلا تَشْقَوْنَ بَعْدَها أبداًR ( الجامع الصغیر، ج 1، ص 95)،  فما هو “دحوُ الأرضِ”؟

عبادَ الله، “دحو الأرض” هو اليومُ الخامسُ والعشرون من ذي القعدة، والذي انبسطتِ فيه الأرضُ وامتدَّت من تحت الكعبةِ، وقد أشارت إليه الآيةُ الثلاثون من سورة النازعاتِ بقوله تعالى: Pوالأرضَ بعدَ ذلك دحاهاO (سورة النازعات، 30)؛ قال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية ( رحمه الله ) في تفسيرها: “أي بسطها ومهدها بحيث تصبح صالحة للسكن والسير”.

وقد اتّفق المفسِّرون على أنّ من معاني الدحوِ أن أخرجَ منها الماءَ والمرعى، وشقَّق فيها الأنهار‏، وجعل فيها الجبال والرمال‏َ، والسبلَ والآكام‏َ… ‏ومهَّدَها لسُكنى أهلها ومعيشتهم فيها‏.. وأخرجَ منها ماءها بتفجير عيونها‏، وإجراء أنهارها‏، وإنبات نباتها ليقتات به الناس والدواب‏..‏وفي هذه الآية من الإعجازِ العلميِّ للقرآنِ ما أثبتَته العلومُ الجغرافيةُ الحديثةُ لاحقاً، ولا مجال للتفصيلِ فيها.

عبادَ الله، إنّ يوم دحو الأرض رمزٌ لرحمة الله بعبادهِ ورأفتِهِ بهم، وإحياءُ هذهِ المناسبةِ تعبيرٌ عن تقديرِ نِعَمِ اللهِ وشكرِه عليها؛ فهو بهذا المعنى يومُ الرحمةِ الإلهيةِ، فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السَّلام) قَالَ: Sأَوَّلُ رَحْمَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَقَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَلَهُ عِبَادَةُ مِائَةِ سَنَةٍ صَامَ نَهَارَهَا وَقَامَ لَيْلَهَاR (وسائل الشيعة، ج10، ص 451).

فإن كانَت الحملاتُ العالميةُ لحمايةِ البيئةِ لم يمضِ على انطلاقها سوى عقودٍ من الزمنِ، فإنّ الإسلامَ سبقَها بأكثرَ من ألف عامٍ في الاهتمامِ بالأرضِ وثرواتِها الطبيعيةِ، ومنحَها بُعداً روحياً وحثَّ على صومِ ذلك اليومِ وأداءِ العباداتِ والمستحباتِ الكثيرةِ فيها؛ فعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ: Sكُنْتُ مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَ الرِّضَا ( عليه السَّلام ) لَيْلَةَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ .فَقَالَ لَهُ: لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ ( عليه السَّلام )، وَوُلِدَ فِيهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَفِيهَا دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ كَمَنْ صَامَ سِتِّينَ شَهْراً R (وسائل الشيعة، ج10، ص449).

وَ رُوِيَ عَنْ الإمام مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ( عليه السَّلام ) أَنَّهُ قَالَ : Sفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَمَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ كَفَّارَةَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَ هُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ أُنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى آدَمَ (عليه السَّلام)R (وسائل الشيعة، ج10، ص450)

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْقَلِ، قَالَ: Sخَرَجَ عَلَيْنَا أَبُو الْحَسَنِ – يَعْنِي الرِّضَا ( عليه السَّلام ) – فِي يَوْمِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَالَ: صُومُوا، فَإِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِماً. قُلْنَا: جُعِلْنَا فِدَاكَ، أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ قَالَ: يَوْمٌ نُشِرَتْ فِيهِ‏ الرَّحْمَةُ، وَدُحِيَتْ فِيهِ الْأَرْضُ، وَنُصِبَتْ فِيهِ الْكَعْبَةُ، وَهَبَطَ فِيهِ آدَمُ (عليه السَّلام)R (وسائل الشيعة، ج10، ص450).

وأرجو أن نجعلَ من هذا اليومِ مناسبةً لوضعِ برامجَ للحفاظِ على البيئةِ والسلامةِ والصحةِ لا سيما في ظروف كورونا الراهنة.

الخطبة الثانية:

على أعتابِ ذكرى استشهادِ إمامِنا الجوادِ (ع) في آخِرِ شهرِ ذي القعدة، نتقدّم منكم بأحرِّ التعازي، ونسألُهُ تعالى أن يجعلَنا من السائرينَ على نهجِهِ في الدنيا، والفائزين بكرامةِ شفاعتِهِ في الآخرةِ.

أيها المؤمنون والمؤمنات، في ما يتعلَّقُ بتطوُّراتِ الأحداث في المنطقةِ، هناكَ نقطتانِ لا بدّ من تناولِهما؛ إحداهُما على مستوى محورِ المقاومةِ بشكلٍ عامٍّ، والأُخرى على مستوى هذا البلدِ الصامدِ سورية.

إنّ المُتابعةَ الدقيقةَ لمشروعِ العدوِّ الصهيوأمريكيِّ في الهيمنةِ على المنطقةِ، تكشِفُ قيامَ إستراتيجيتِهِ على العملِ لعزلِ دولِ محورِ المقاومةِ خارجياً مع باقي دول العالم وداخلياً مع شعوبها.

وكُلّما رأينا الأعداءَ، لا سيّما الأمريكان والصهاينة، قد فقدوا أعصابَهم وصاروا يُرعِدونَ ويُزبِدونَ تهديداً وتضييقاً، اعلَموا أنّها علاماتُ عجزِهم عن احتواءِ محورِ المقاومةِ.

وحُقَّ لهُم أن يصرُخوا من ألَمِ الفشَلِ، وهُم يرونَ بأُمِّ العَينِ المَسارَ التصاعُدِيَّ لمحورِ المقاومةِ على مختلفِ الأصعِدةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والعسكريةِ وغيرِها رغمَ أنفِ أمريكا والكيانِ الصهيونيِّ؛ فها هي الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانيةُ تعزِّزُ علاقاتِ التعاون الإستراتيجيِّ مع الأطرافِ الدوليةِ الفاعلةِ، وتوقِّعُ اتفاقياتٍ اقتصاديةً وتجاريةً كبرى معها، فضلاً عن علاقاتِها المُميَّزةِ مع روسيا وتحالفِها الإستراتيجيِّ مع الشقيقةِ سورية.

إنّ تلك التطوّراتِ تبعثُ على خوفِ الأمريكانِ وسُخطِهِم، وهم يشهَدونَ حَلَقاتِ حصارِهم على محورِ المقاومةِ تتآكَلُ وتتفَكَّكُ؛ إذ كان العدوُّ يتوَخَّى عزلَ دول محور المقاومةِ وتشديدَ الخناقِ على شعوبِها كي تتنازلَ عن مبدأِ المقاومةِ وتخضعَ للمشروعِ الصهيونيِّ، فإذا بهِ يُصعَقُ مِن وَقعِ الصدمةِ حينَ اكتشفَ ولا يزالُ يكتشِفُ عُمقَ ترسُّخِ إرادةِ شعوبِ المنطقةِ في المقاومةِ والصمودِ ورفضِ الخضوعِ والاستسلامِ للضغوطِ والتهديداتِ الصهيوأمريكيّةِ.

أيها المؤمنون والمؤمنات، من عواملِ قوةِ محورِ المقاومةِ تمتُّعُ أنظِمَتِها بقاعدةٍ شعبيةٍ واسعةٍ تُراهِنُ عليها في مواجهةِ التحدِّياتِ والضغوطِ؛ فليسَ غريباً، والحالُ هذه، أن لا تَأْلُوَ جهداً في سبيلِ ترسيخِ العلاقةِ معها وتعزيزِ النسيجِ الوطنيِّ والوحدةِ الداخليةِ من خلالِ تنظيمِ الانتخاباتِ.

ولعلّ في تجربةِ الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ منذ انتصارِ ثورتِها نموذجاً مشرقاً في التمسّكِ بالانتخاباتِ الشعبيةِ ولو في أَشَدِّ الظروفِ؛ حيث نُظِّمَت أحياناً تحتَ القصفِ أثناءَ سنواتِ الحربِ المفروضةِ. وهو ما حوَّلَ بلادَنا لأكثرِ الأنظمةِ شعبيةً.

وهنا في سورية الصمودِ التي سيتوجَّهُ أبناؤها في الأسبوعِ القادمِ لصناديقِ الاقتراعِ لانتخابِ ممثِّليهم في مجلس الشعبِ، في تعبيرٍ عن تمسُّك الشعبِ بسيادتهِ ونظامِهِ المقاومِ المشروعِ ووحدتِه الوطنيةِ.

أيها الشعبُ السوريُّ الصامدُ العزيزُ، اعلموا أنكم بمشاركتكم الواسعةِ الفعّالةِ في انتخاباتِ مجلسِ الشعبِ ستثبتون للعالَم أجمعَ إرادتَكم الصَّلبةَ في الدفاعِ عن بلادكم وصَونِ سيادتِهِ ووحدَتِهِ وحريتِهِ وتمسُّكِكم بنظامِكم المقاومِ الشرعيِّ الذي يحمي حقوقَكم وثوابتَكم. وحينَ تؤدّون واجبكم الدينيَّ والوطنيَّ على أوسعِ نطاقٍ بالتصويتِ لممثليكم في المجلس، تكونون وجَّهْتُم صفعةً قاسيةً في وجهِ أعدائكم الذين حاولوا طوالَ سنواتِ الحربِ نشرَ الفوضى وضربَ سيادةِ القانونِ في بلادكم. ولكنّهم فشلوا في تلك السنواتِ التي نُظِّمَت فيها عدةُ انتخاباتٍ، وسيتأكَّدُ فشلُهم في الانتخابات القادمةِ حين يرونَ تلك الأعراسَ الجماهيريةَ والمشاركةَ الشعبيةَ الواسعةَ. في الوقتِ الذي تغيبُ فيه أبجديةُ الانتخاباتِ البدائيةِ عن القاموسِ السياسيِّ لدى أتباعِ الأمريكانِ في المنطقةِ من آل سعودٍ وغيرِهِم. وتلك حكايةٌ أخرى عن الدجَلِ الأمريكيِّ لا داعيَ لإضاعةِ الوقتِ فيها.

أيها الشعبُ السوريُّ المقاومُ، إننا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ كما وقفْنا ولا نزالُ نقفُ بكلِّ فخرٍ واعتزازٍ إلى جانبكم في ميادينِ المقاومةِ العسكريةِ والاقتصاديةِ، فإننا معكم في الميدانِ السياسيِّ أيضاً وأنتم مقبلون على انتخابات مجلس الشعبِ.

وهنا يفرضُ علينا واجبُ الأُخوَّةِ أن أنقلَ إليكم خلاصةَ تجربتنا في الانتخاباتِ ببلادنا عسى أن تفيدَكم. إنّ مثلَ تلك الانتخاباتِ من أهمِّ عواملِ تعزيزِ الوحدةِ الوطنيةِ وتوثيقِ الصِّلَةِ بين النظامِ والشعبِ. والمشاركةُ في الانتخاباتِ واجب الشعبِ وحقُّ المسؤولين، ولكن بعد صدورِ نتائج الانتخاباتِ تقعُ على عاتقِ الأعضاءِ المنتخَبين وحدَهم مسؤوليةُ الوفاءِ بوعودهم وتحسينِ مستوى حياةِ المواطنين.

إنّ جعلَ المبادئِ العُليا، وعلى رأسها المقاومةُ، أساسَ انتخابِ ممثليكم يزيدُ من قوةِ البلادِ؛ فالمقاومةُ والصمودُ والوحدةُ هي التي حمت البلادَ وأمَّنَت تنظيمَ الانتخاباتِ والتعبيرَ عن الرأيِ بحريةٍ، وخصوصاً في هذه الظروفِ الراهنةِ التي تستلزِمَ تَبَنِّيَ الاقتصادِ المقاوِم والمقاومةَ الاقتصاديةَ معاً حتى يتمَّ التحرُّكُ نحوَ تعزيزِ الإنتاجِ الداخليِّ والاكتفاءِ الذاتيِّ، وهو ما يؤكِّدُ عليه إمامُنا الخامنئيُّ (دام ظله) وقادةُ محورِ المقاومةِ.