خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 8 محرم 1442 هـ

8 محرم الحرام 1442

الموضوع: حب الإمام الحسين (ع) هو الخير الإلهيُّ

الخطبة الأولى:

عظَّمَ اللهُ أجورَنا وأجورَكم بمصابنا بأبي عبدِ اللهِ الحسينِ (ع)، وجعلَنا وإيّاكُم من السائرين على نهجِهِ، والطالبين بثارِهِ مع إمامٍ هدىً ظاهرٍ ناطقٍ بالحقِّ من ذريّتِهِ، وصاحبِ العزاءِ الحقيقيِّ الذي نرفعُ إليهِ أَحَرَّ آياتِ المواساةِ، كما نعزِّي مراجعَ التقليدِ العِظامِ لا سيّما سماحة إمامِنا القائدِ الخامنئيِّ (دام ظله) وكافّةَ المؤمنينَ بذِكرى واقعةِ كربلاءَ الأليمةِ.

لِكُلِّ مَحَبَّةٍ في عالَمِ الوجودِ مَزايا وحدودٌ إلا حُبَّ الحسينِ (ع)؛ فقد تجاوزَ حدودَ التصوُّراتِ وفاقَ مستوياتِ التوقُّعاتِ، حتى عَزَّ لهُ شبيهٌ أو نظيرٌ.

وكيف لا يكونُ كذلك، وقد خَصَّهُ الباري عزّ وجلَّ نفسَهُ به؛ فقال تعالى في الحديثِ القدسيِّ: “إنّ الحسينَ حبيبي”!

نعم، إنّ لحُبِّ الحسينِ (ع) نبعاً إلهيّاً، شاءَت إرادةُ اللهِ أن يرويَ البشرُ عطشَهُم للكمالِ بورودِ ذلك المَنهَلِ العَذْبِ حتى قيامِ الساعةِ؛ إذْ كُلُّ خيرٍ مَبدَؤُهُ حبُّ الحسينِ (ع) ومُنتَهاهُ. وما كانَ أوّلُهُ وآخِرُهُ إلهيّاً، فهوَ الخيرُ كُلُّهُ؛ فقد وردَ في الحديثِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ “مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ حُبَّ الْحُسَيْنِ (ع) وَحُبَّ زِيَارَتِهِ وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ السُّوءَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ بُغْضَ الْحُسَيْنِ وَبُغْضَ زِيَارَتِهِ”  (كامل الزيارات، ص154).

عبادَ اللهِ، إنْ أردْنا معرفةَ حقيقةِ الحسينِ (ع) وسِرَّ خلودِهِ، فعلينا تثبيتَ محبَّتِهِ في قلوبِنا، ولا يمكنُ ذلكَ إلا بمحَبّةِ اللهِ الذي بذلَ الحسينُ (ع) مُهجَتَهُ في سبيلهِ. ومن هنا ربطَ إمامُنا الصادقُ (ع) حبَّ الحسينِ بحبِّ زيارتهِ؛ فهُما مَعدِنُ الخيراتِ والبركاتِ الإلهيةِ، والعكسُ بالعكسِ كما في الحديثِ.

فالخيرُ الإلهيُّ ليسَ خيراً محصوراً بذاتهِ فحسبُ، بل أرضٌ خِصبةٌ لاجتذابِ أنواعِ الخيراتِ وأصنافِ البركاتِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى للإنسانِ وعلى رأسِها البلوغُ بهِ لمقامِ المعرفةِ والولايةِ.  فكلُّ واحدٍ منّا يرغبُ أن يُرزَقَ الشهادةَ والمغفرةَ والتوبةَ وكمالَ الإيمانِ والجنّةَ والرحمةَ، ولكنْ أنّى لنا ذلك؟

يأتي الجوابُ من خلال مودّةِ آلِ محمدٍ (ص) وذلك في الحديث النبويِّ: “قَالَ النَّبِيُّ(ص): مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيداً، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ مَغْفُوراً،  أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ تَائِباً. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ مُؤْمِناً مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ.  أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْجَنَّهِ ثُمَّ مُنْكَرٌ وَ نَكِيرٌ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ فِى قَبْرِهِ بَابَانِ إِلَى الْجَنَّة، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزَارَ مَلَائِكَهِ الرَّحْمَة،  أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ عَلَى السُّنَّة وَالْجَمَاعَة.

أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَة مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَهِ اللَّهِ،  أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ كَافِراً، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشَمَّ رَائِحَهَ الْجَنَّة” (تفسير القرطبي ص 5841).

أمّا إن أردنا اختصارَ الطريقِ أكثرَ، فما علينا سوى التوجُّهِ نحوَ رحمةِ الله الواسعةِ وبابِ نجاةِ الأمةِ؛ الإمامِ الحسينِ (ع). وكما قال العالم الجليلُ الشيخُ جعفرُ التستريُّ “فالنبيُّ (ص) والأئمةُ (ع) كلُّهم أبوابُ الجنان، لكنّ بابَ الحسين أوسعُ، وكلُّهم سفنُ النجاة ولكنّ سفينةَ الحسينِ مَجراها في اللجج الغامرة أسرعُ، ومَرساها على السواحل المنجية أيسرُ، وكلُّهم مصابيحُ الهدى، لكنّ الاستضاءةَ بنور الحسين أكثرُ وأوسعُ، وكلُّهم كهوفٌ حصينةٌ، لكنّ منهاجَ كهفِ الحسين أسمحُ وأسهلُ” (الخصائص الحسينية، ص10).

الخطبة الثانية :

لقد أفرزَت أيّامُ عاشوراءَ هذا العامَ أَهَمَّ خيرٍ إلهيٍّ وهوَ الانتصارُ على جائحةِ كورونا دون التنازلِ عن إحياء ذكرى الحسينِ (ع)، بل من خلالِ الالتزامِ الواعي بتوجيهاتِ المرجعيةِ والولايةِ بتطبيقِ إجراءاتِ السلامةِ العامّةِ والتدابيرِ الصحيةِ في البرامجِ والمجالسِ الحسينيةِ حقيقياً وافتراضياً.

نعم، لقد حقَّقتُم إنجازاً تاريخياً في الإحياءِ المنضبِطِ لمجالسِ عاشوراءَ؛ وهو أمرٌ عجِزَت عنهُ حكوماتٌ ودولٌ كبرى. فقد أثبَتُّم أنّ مجالسَ الحسينِ (ع) بَوتَقةٌ لثنائيةِ الوعيِ والنعيِ، والعلمِ والدينِ، والالتزامِ والحماسةِ، والتقليدِ والإبداعِ.

لقد كانت قلوبُكم العامرةُ بحبِّ الحسينِ (ع) هيَ الفضاءاتِ الرحبةَ لإحياءِ ذكرِ سيدِ الشهداءِ (ع) وإظهارِ الحزنِ والمحبةِ له عملاً بسيرةِ المعصومين (ع) الذين كانوا يستثمرون كلَّ فرصةٍ لذرفِ الدموع عليه حباً له؛ “عنْ أَبِي بَكَّارٍ قَالَ أَخَذْتُ مِنَ التُّرْبَة الَّتي عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِي (ع) فَإِنَّهَا طِينَهٌ حَمْرَاءُ فَدَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا (ع) فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ فَأَخَذَهَا في كَفِّهِ ثُمَّ شَمَّهَا ثُمَّ بَكَى حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهُ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ تُرْبَة جَدِّي” (مستدرك الوسائل، ج11، ص334)

ومن هنا، أتقدمُ بالشكرِ والتقديرِ من كافةِ الهيئاتِ والمواكبِ والحسينياتِ والجوامعِ والمراكزِ الدينيةِ والثقافيةِ على التزامهم بتوصياتِ المراجع والولي الفقيه بالتزام الإجراءات الصحية الاجتماعية الوقائية في إحياء ذكرى عاشوراء، والأملُ بهم كبيرٌ باستمرارِ الالتزام خلال الأيامِ القادمةِ.

أيها المؤمنون، وتبقى مصيبتُنا بالحسينِ (ع) وأهلِ بيتهِ (ع) وأنصارِهِ عظيمةً، حتى لم يسلمْ طفلُهُ الرضيعُ من الذبحِ، فتأثَّرَ من هَولِ الفاجعةِ مولانا صاحبُ العصر والزمانِ (عج) الذي نعاهُ في زيارته بقوله: “السلام على عبد الله الرضيع المَرْمِيِّ الصريع المتشحِّط دماً المذبوح من الوريد إلى الوريد”

إذ لمّا اشتدَّ العطشُ بمعسكرِ الحسينِ (ع) جفّ صدر أمّ عبد الله الرضيعِ من اللبن ولم يبق في مخيّم الحسين ماءٌ ليشرب منه، فكان يصرخ من العطش والظمأ حتّى إنَّهم قالوا إنّه قد أغمي عليه من العطش، ولهذا جاءت به عمّته زينب إلى والده الحسين قائلةً: أخي أبا عبد الله، خذ رضيعك فقد جفّ صدر أمّه من اللّبن، واطلب له ماءً من هؤلاء القوم.

فأخذه الإمام الحسين بين يديه وجعل يناغيه ويلاطفه، وتقدّم به نحو القوم عارضاً عليهم أن يأخذوه إليهم ويسقوه شربة ماء، ثمّ يعيدوه إليه، فاختلف القوم فيما بينهم حتّى ضجّوا ضجّةً واحدة، فالتفت ابن سعد إلى حرملة فقال: وما أصنع؟ قال ابن سعد: ويلك إرمِ الطفل بسهم. يقول: فأحكمت السهم في كبد القوس وتحيّرت أين أرمي الرضيع وبينا أنا كذلك إذ لاحت لي رقبته كإبريق فضّة فرميتُه فذبحتُه من الوريد إلى الوريد…أي واسيّداه وارضيعاه.

قيل لحرملة: يا حرملة أما رقّ قلبك؟ قال: بلى، قيل: أين؟ قال: لمّا أحسَّ الطفل بحرارة السهم أخرج يديه من القماط واعتنق رقبة والده الحسين وجعل يرفرف بين يدي والده كالطير المذبوح. ساعد الله قلب الحسين .

وضع الحسين يده تحت نحره، لمّا امتلأت دماً رمى بها نحو السماء وقال: اللهمَّ لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح، قالوا: ما سقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.

ثمّ رجع به الإمام إلى المخيّم واستقبلته ابنته سكينة قائلة: أبه لعلّك سقيتَ أخي ماءً وجئتنا ببقيّته قال: فأخرجه الإمام من تحت الرداء و قال: بنيّة خذي أخاكِ مذبوحاً من الوريد إلى الوريد.

عندها صاحت سكينة: وا أخاه وا رضيعاه، واجتمع المخيّم على هذه المصيبة العظيمة.