خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 15 محرم 1442 هـ

15  محرم الحرام 1442

الموضوع: من عوامل النجاة الدنيوية والأخروية

الخطبة الأولى:

منْ يتأمَّلْ الدنيا وأحوالَها وما يجري فيها من المكارِه على أهلها، يعلمْ أنّها “دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَالْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا”، ولا ينجو فيها إلّا من وردَ شرائعَ الدينِ الذي جعلَهُ “أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ”.

وقد بَيَّنَ أئمّتُنا المعصومون (ع) في أحاديثِهم وسائلَ للنجاةِ في الدارَينِ معاً، وسأُسَلِّطُ الضوءَ على إحدى تلك الرواياتِ في هذا البابِ؛ فعن الإمامِ الحسنِ عليه السلامُ: “دَخَلتُ على أميرِ المؤمِنينَ عليه السلام و هُو يَجُودُ بنَفسِهِ لَمّا ضَرَبَهُ ابنُ مُلجَمٍ ، فجَزِعتُ لِذلكَ ، فقالَ لي : أتَجزَعُ ؟ فقُلتُ : و كيفَ لا أجزَعُ و أنا أراكَ على حالِكَ هذهِ؟! فقالَ عليه السلام: ألا اُعَلِّمُكَ خِصالاً أربَعَ إن أنتَ حَفِظتَهُنَّ نِلتَ بهِنَّ النَّجاةَ ، وإن أنتَ ضَيَّعتَهُنَّ فاتَكَ الدّارانِ؟ يا بُنَيَّ، لا غِنى أكبَرُ مِن العَقلِ، ولا فَقرَ مِثلُ الجَهلِ، ولا وَحشَةَ أشَدُّ مِن العُجبِ، ولا عَيشَ ألَذُّ مِن حُسنِ الخُلقِ” (مستدرك سفينة البحار، ج7، ص385).

عبادَ الله، في ضوء ذلك الحديثِ، يظهرُ أنّ حقيقةَ النجاةِ ليست سوى السعادة في الدنيا والآخرة، والتي لا تعني الفراغَ من البلايا والهموم والغموم، والتنعُّمَ بالرّفاهِ والغنى، بل إنّها بلوغُ الراحةِ والطمأنينةِ الأبديةِ بحُسنِ الخِتامِ حتى ولو قضى طالبُها عمرَهُ في المشقّةِ والضنك؛ أَلا ترون أهلَ النجاةِ من الشهداءِ، وما قاسَوهُ في جهادِ أعدائهم!

وقد ذكرَ علي (ع) أربعَ وسائلَ للنجاةِ: أوّلُها العقلانيةُ في مقاربةِ الأمورِ؛ فالعقلُ ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، وإنما يُداقُّ اللهُ العبادَ في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا.

والثانيةُ تلافي الخواءِ الفكريِّ، بالتعامل مع الجهلِ كأدنى درَكاتِ الفقرِ والعملِ على مكافحته. والجاهلُ في الحديث هو غيرُ العاقلِ.

والثالثةُ اجتنابُ العُجبِ؛ فهو يحولُ دونَ سعيِ الإنسانِ لتطويرِ نفسهِ والمراوحةِ مكانَهُ، بل إنه يودي بصاحبه للهلاك.

وأمّا الأخيرةُ فهي حسنُ الخُلقِ، لأنها تخلقُ حالةً من التوازُنِ الروحيِّ والنفسيِّ في صاحبه، لِيَهنَأَ بالعيشِ ويُهنِئَ مَن حولَه به.

الخطبة الثانية:

في هذه الخطبة، سأتطرَّقُ لعنوانَين فرَضا نفسَيهِما على الساحةِ المحليةِ والإقليميةِ؛ الأوّلُ حولَ الحكومةِ السوريةِ الجديدةِ، والثاني حول الموقفِ من تطبيعِ إحدى الدول العربية علاقاتِها علناً من الكيان الصهيوني.

بعدَ أداءِ الحكومةِ السوريةِ الجديدة اليمينَ الدستوريةَ أمام سيادةِ الرئيسِ الدكتور بشارِ الأسدِ، فإننا نتقدمُ من سوريا قيادةً وشعباً وجيشاً بالتهنئنة بهذه المناسبة، سائلينَ الله عز وجلّ أن يأخذَ بيدِ المسؤولين فيها كي يتجاوزوا بهذا البلدِ الصامدِ المقاومِ هذه الظروفَ الصعبةَ التي فرضها الوباءُ على المنطقةِ والعالَمِ، فضلاً عن الضغوط الاقتصاديةِ الحسّاسةِ والقاسيةِ، من خلال وضعِ البرامجِ الاقتصاديةِ والماليةِ الناجعةِ وتطبيقِها للتخفيفِ من وطأةِ المشكلاتِ والتصدّي للعقوباتِ الظالمةِ كي تحققَ الانتصارَ الاقتصاديَّ بعد الانتصاراتِ الميدانيةِ.

وإننا نعلمُ بأنّ نَيلَ المَطالبِ لا يتَأَتَّى بالتمنِّياتِ، بل يستدعي العملَ الجادَّ المخلِصَ المبدِعَ والجهدَ المضاعَفَ للحكومةِ كي تُحبِطَ مخطَّطَ العدوِّ في خنق سوريا اقتصادياً. ولعلّ تَبَنِّيَ نموذجِ الاقتصادِ المقاوِمِ هو الأمثَلُ لتحقيقِ الأهدافِ المُتَوَخَّاةِ؛ ناهيكُم عن تجربةِ الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ مع حصارِ أربعةِ عقودٍ في هذا الصدَدِ والتي يمكنُ الاستفادةُ منها.

وكونوا على يقينٍ بأنّ أحلامَ العدوِّ في إخضاعِ سوريا المقاومةِ بالإرهابِ الاقتصاديِّ، سيذهبُ أدراجَ الرياحِ، كما ذهبَت بإرهابها التكفيريِّ.

أيها المؤمنون والمؤمناتُ، أمّا المحورُ الثاني لحديثي فيدورُ حول الموقف من مبادرةِ الذلِّ والعارِ الإماراتيةِ بإعلانِ تطبيع العلاقاتِ مع الكيانِ الصهيونيِّ الغاصبِ.

إنّ مثلَ تلكَ الخطوةِ لا يمكنُ أن توصَفَ إلا بالذليلةِ الخانِعةِ، وإلا فما معنى إقامة علاقاتٍ رسميةٍ مع جهةٍ تفتقِدُ لكافةِ مُقَوِّماتِ الدولةِ الشرعيةِ كالكيانِ الصهيونيِّ الذي احتلَّ واغتصبَ أرضاً ليست له بعد أن قتلَ أهلَها وهجَّرَ الملايينَ من الفلسطينيين الذين لا يزالون يحتفظون بصكوكِ ملكيةِ أراضيهم ومفاتيحِ بيوتهم على أملِ استعادتِها!

نعم، إنّ تلك الخطوةَ الإماراتيةَ خيانةٌ كبرى بحق المسلمين لا سيما الفلسطينيين، كما صرّحَ بذلك إمامُنا الخامنئيُّ (دام ظله) في كلمته الأخيرةِ، لأنها فتحت الأبوابَ الموصَدةَ بوجه الصهاينة للدخول إلى المنطقةِ وتلك خيانةٌ عظمى.

ولا يتوهَّمَنَّ المطبِّعون بأنّ مبادرتَهم تلك ستُرضي أمريكا وربيبَتَها إسرائيل عنها، بل ستكشِفُ الأيامُ القادمةُ أنّ أوزارَ تلك العلاقةِ أشدُّ وطأةً من فوائدِها المزعومةِ.

ولْيعلَمِ الجميعُ بأنّ مثلَ تلك التنازلاتِ لن تَفُتَّ في عضُدِ حركاتِ المقاومةِ الفلسطينيةِ والشعوبِ الحرّةِ، بل ستزيدُها تصميماً على التمسكِ بنهج المقاومةِ بقياداتها الحكيمةِ وعلى رأسِها إمامُ المقاومين سماحةُ الوليِّ الامام الخامنئي (دام ظله) حتى تحريرِ فلسطين من البحر إلى النهر.

وعلينا أن نتعاملَ مع تلك الخطوةِ التطبيعيةِ كجزءٍ من مشروعٍ صهيوأمريكيٍّ أكبرَ يستهدِفُ الإسلامَ وأهلَهُ سواءٌ من خلال حرقِ المصحفِ الشريفِ أو نشر الصور الكاريكاتوريةِ المسيئة للرسول الأعظمِ (ص)

أيها المؤمنون والمؤمنات، Pيُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَO (سورة الصف، 8)، ولنا في مدرسةِ عاشوراءَ وسيدِ الشهداءِ قدوةٌ وأسوةٌ؛ فقد تعلَّمنا فيها كيف ننتصرُ مظلومينَ، وكيف يستطيع الوحيدُ مع الثلةِ المخلصةِ التي معهُ أن يحاصِرَ مئاتِ الألوفِ من أهلِ الباطلِ بدلَ أن يحاصروها.

وتبقى لمصيبة الحسين (ع) حرارةً في القلوب لا تطفأ أبداً؛ قال ابن نما : ثم إنّ عمر بن سعد أقام بقية يوم عاشوراء والثاني إلى الزوال، ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فنادى في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن معه من الصبيان ، وعلي بن الحسين ( عليهما السلام ) مريض بالدرب. (مثير الأحزان، ص46).

قال السيد ابن طاوس : وقلن : بحق الله ألا ما مررتم بنا على مصرع الحسين ، فلما نظر النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن .

 

قال : فوالله لا أنسى زينب ابنة علي وهي تندب الحسين ( عليه السلام ) وتنادى بصوت حزين وقلب كئيب: وامحمداه، صلى عليك مليك السماء، هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، واثكلاه، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء. وامحمداه ، وهذا حسين بالعراء، تسفي عليه ريح الصباء، قتيل أولاد البغايا واحزناه، واكرباه عليك يا أبا عبد الله، اليوم مات جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله). يا أصحاب محمد! هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا .

قال السيد ابن طاووس: ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين ( عليه السلام ) ، فاجتمع عدة من الأعراب حتى جروها عنه. (لواعج الأشجان، ص197).