آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 23 محرم 1442 هـ

23  محرم الحرام 1442

الموضوع: لماذا لُقِّبَ الإمامُ علي بن الحسين (عليه السلام) بزين العابدين؟

الخطبة الأولى:

على أعتابِ ذكرى استشهادِ الإمامِ السجادِ (عليه السلام) نقدّم خالصَ العزاءِ لمولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) وعمتِهِ الحوراءِ زينبَ (سلام الله عليها)، ثم لمراجعنا العظام لا سيما إمامنا الخامنئي (دام ظله)، ولكم كذلك أيها المؤمنون الموالون الكرام.

عبادَ الله

لِمعصومينا الأطهارِ (عليهم السلام) ألقابٌ متنوِّعةٌ، لا تخفى الحكمةُ الكامنةُ خلفَها بالتأمُّلِ في الرواياتِ المنقولةِ عنهم في هذا البابِ. ولإمامِنا زينِ العابدين (عليه السلام) مع لقبِهِ أحاديثُ طفحَت بها الكتبُ ما سارَت به الرُّكبانُ.

كان الزهري إذا حدّث عن عليّ بن الحسين(عليه السلام) قال: حدّثني «زين العابدين» عليّ بن الحسين، فقال له سفيان بن عيينة: ولِمَ تقول له زين العابدين؟ قال: لأنّي سمعت سعيد بن المسيب يحدّث عن ابن عباس أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: “إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين؟ فكأنـّي أنظر إلى ولدي عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب يخطر (يخطو) بين الصفوف”. (علل الشرائع، ج1، ص230)

أما إمامُ المذهبِ المالكيِّ، مالك بن أنس؛ فيذكر: “سمي زين العابدين لكثره عبادته”. (بحار الأنوار، ج11، ص18)

وقد نعاه عمر بن عبد العزیز بعد رحيله بالقول: “ذهب سراج الدّنیا وجمال الدّنیا وزین العابدین” (أعيان الشيعة، ج4، ص44).

وقيل كان سبب لقبه بزين العابدين: إنه كان ليلة في محرابه قائماً في تهجده. فتمثل له الشيطان في صورة ثعبان ليشغله عن عبادته، فلم يلتفت إليه فجاء إلى إبهام رجله فالتقمها، فلم يلتفت إليه فآلمَه، فلم يقطع صلاتَه، فلما فرغ منها وقد كشف الله له فعلم أنه شيطان فسبه ولطمه وقال له: اخسأ يا ملعون! فذهب وقام إلى إتمام ورده فسمع صوت لا يرى قائله وهو يقول: “أنت زين العابدين حقاً” ثلاثا فظهرت هذه الكلمة واشتهرت لقباً له عليه السلام. (كشف الغمة، ج2، ص260)

عبادَ الله، إذا أردنا أن نتصوّرَ نفحاتٍ من عمقِ عبادةِ إمامِنا السجادِ (عليه السلام) ونظرتِهِ العرفانيةِ، فما علينا سوى قراءةِ ما ورد في كتابِ “آداب الصلاة” للإمامِ الخمينيِّ (رض) حين يقول:

“اعلم أن لأهل المعرفة وأصحاب القلوب على قدر قوة معرفتهم للمقام المقدس الربوبي واشتياقهم إلى مناجاة حضرة الباري عز اسمه مراقبة ومواظبة لأوقات الصلاة التي هي ميقات المناجاة وميعاد الملاقاة مع الحق ، ولا يزالون يراقبون ذلك فالمجذوبون لجمال الجميل والعاشقون للحسن الازلي والمشغوفون به والسكارى من كأس المحبة والمصعوقون من قدح ألست الذين فرغوا عن الكونين وأعرضوا عن جميع أقاليم الوجود وتعلقوا بعز قدس جمال الله فلهم دوام الحضور وليسوا مهجورين عن الذكر والفكر والمشاهدة و المراقبة لحظة واحدة…”

وإنّ ذلك المستوى الرفيعَ من العبادة الدائمة والعبودية المستمرة بحضرةِ الربوبيةِ، إتمامٌ للحجّةِ من زين العبادِ على العبادِ يومَ القيامةِ؛ فعن الباقر (عليه السلام): “إن أبي علي بن الحسين ما ذكر لله عز وجل نعمة عليه إلا سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله عز وجل فيها سجود إلا سجد، ولا دفع الله عز وجل عنه سوءاً يخشاه أو كيد كائد إلا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد، ولا وُفّق لإصلاحٍ بين اثنين إلا سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسمي السجاد لذلك”  (علل الشرائع، ج1، ص233).

وعن سفيان بن عيينة عن أبي الزبير قال كنا عند جابر فدخل عليه علي بن الحسين فقال كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فدخل عليه الحسين بن علي فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه ثم قال يولد لابني هذا ابن يقال له علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم سيد العابدين فيقوم هو. (تاريخ دمشق، ص26)

الخطبة الثانية :

لم يَزَلْ أعداءُ الإسلامِ، عبرَ التاريخِ، يأتونَ بِما يُؤكِّدُ عُمقَ عداوتِهِم للدينِ الحنيفِ ومقدَّساتِهِ، وإن اختلَفَت أساليبُهم؛ الأمرُ الذي يُبَيِّنُ الحكمةَ وراءَ حَثِّ القرآنِ الكريمِ المستمِرِّ على لزومِ إيلاءِ الاهتمامِ بقضيّةِ معرفةِ العدوِّ وتمييزِهِ والتسلُّحِ بالبصيرةِ.

واليومَ، يشهدُ العالَمُ حلقةً أخرى من مسلسلِ حقدهِم الدفينِ بارتكابِهم جريمةَ حرقِ المصحفِ الشريفِ والمَسِّ بشخصيّةِ الرسولِ الأكرمِ (ص) سعياً منهم -كما يزعمون- للوقوفِ في وجهِ انتشارِ الإسلامِ وتوسُّعِهِ عالميّاً. ولكنْ خسِئوا وخابوا في ما يرومون؛ Pيُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَO (سورة التوبة، 32 )

وقد أصدرَ إمامُنا الخامنئيُّ (دام ظله) بياناً أدان فيه بأشد العبارات إعادة نشر رسوم مسيئة للرسول الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مجلة شارلي ايبدو الفرنسية. وأشار سماحته إلى السياسات المعادية للإسلام من قبل الصهاينة والحكومات المتغطرسة، وكذلك أهدافها الرامية إلى حرف أذهان الشعوب والحكومات في غرب آسيا عن المخططات القذرة التي ترسمها لهذه المنطقة، وأضاف: يجب على الشعوب المسلمة المحافظة على اليقظة في قضايا هذه المنطقة الحساسة، وألا تنسى أبداً عداء السياسيين والقادة الغربيين للإسلام والمسلمين.

ومن السذاجةِ، والحالُ هذهِ، أن يُؤخَذَ بعضُ المسلمين بشعاراتِ الأعداءِ البَرّاقةِ الكاذبةِ، متناسينَ أحقادَهم على الإسلامِ الذي لن ينسوا ما لقوا منه من صفعاتٍ كما وصف الإمامُ الخمينيُّ (رض). فالعدوُّ كالشيطانِ لن يَكُفَّ عن عداوته أبداً؛ ألا تسمعون قولَه تعالى: Pيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِO (سورة الممتحنة، 1)

أيها المؤمنون، ولا زلنا في أجواءِ مصائب أهل البيت (عليه السلام) في مسيرةِ السبيِ؛ فعن الخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) بإسناده عن أبي خالد ، عن زيد ، عن أبيه ( عليه السلام )، إن سهل بن سعد قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار ، قد علقوا الستور والحجب والديباج ، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول؛ فقلت في نفسي، لعل لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن.

فرأيت قوما يتحدثون ، فقلت : يا هؤلاء ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟ قالوا: يا شيخ نراك غريباً، فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحملت حديثه. فقالوا: يا سهل ما أعجبك السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تخسف بأهلها. قلت: ولم ذاك ؟ فقالوا : هذا رأس الحسين عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله)، يهدى من أرض العراق إلى الشام ، وسيأتي الآن . قلت: وا عجباه أيهدى رأس الحسين والناس يفرحون ، فمن أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له : باب الساعات.

فسرت نحو الباب، فبينما أنا هنالك، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان؛ وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله. وإذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء ، فدنوت من إحداهن فقلت لها : يا جارية من أنت ؟ فقالت : سكينة بنت الحسين . فقلت لها : ألك حاجة إلي؟ فأنا سهل بن سعد ، ممن رأى جدك وسمعت حديثه . قالت : يا سهل قل لصاحب الرأس أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا ، فنحن حرم رسول الله .قال : فدنوت من صاحب الرأس وقلت له : هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار ؟ قال : وما هي؟ قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك، ودفعت له ما وعدته. (لواعج الأشجان، ص220)