آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 30 محرم 1442 هـ

30  محرم الحرام 1442

الموضوع: العلاقة المتبادلة بين الإيمان والعمل الصالح

الخطبة الأولى:

الإنسانُ، في سلوكياتِهِ الفرديةِ والاجتماعيةِ، حصيلةُ أفكارِهِ وعقائدِهِ؛ فلا يمكنُ أن يَصدُرَ عنه سلوكٌ دونَ فكرٍ مسبَقٍ، إلا من عطَّلَ فكرَه أو تَعَطَّلَ لديه، فَمَثَلُهُ كالنائمِ أو الممسوسِ أو المَغشِيِّ عليه، لا يجري عليه القلمُ كما يُقالُ.

وتشيرُ الأحاديثُ الشريفةُ بأنّ الإيمانَ منظومةٌ متكاملةٌ من عناصرَ عقَديةٍ وسلوكيةٍ مترابطةٍ، تتبلورُ في الإنسانِ حتى تجعلَ منه مؤمناً بكلِّ معنى الكلمةِ؛ فلا انفكاكَ بين الإيمانِ والسلوكِ قطُّ.

ولا ريبَ في أنّ نمطَ الحياةِ انعكاسٌ للسلوكياتِ الفرديةِ والاجتماعيةِ؛ فالمجتمعُ مرآةٌ لها. وأفرادُهُ يعيشون كما يفكرون.

نعم! قد تفرض الظروف على البعضِ في بعض الحالات ألّا يعملوا وفقَ قناعاتِهم وما يعتقدون، إلا أنّ هذا الاستثناءَ لا يمَسُّ بأصلِ القاعدةِ؛ فعن علي (عليه السلام): “فبالإيمان يستدل على الصالحات. وبالصالحات يستدل على الإيمان” (نهج البلاغة، الخطبة 156).

والصلةُ وثيقةٌ بين الإيمان ونمطِ الحياةِ؛ فعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : “الإيمان والعمل أخوان شريكان في قرن، لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه”. (كنز العمال، 85). وعنه ( صلى الله عليه وآله ): “لا يقبل إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان” (مجمع الزوائد، ج1، ص35).

كما أنّ السلوكياتِ الاجتماعيةَ أهمُّ مؤشِّرٍ على عمقِ الإيمانِ؛ فعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ): “ألا أنبئكم لم سمي المؤمن مؤمناً؟ لإيمانه الناس على أنفسهم وأموالهم” (بحار الأنوار، ج72، ص142)

ولا بأسَ، أخيراً، من نقلِ هذه الروايةِ التي تؤكد حقيقةَ العلاقة المتبادَلةِ بين الإيمان والعمل الصالح:

“عَنْ أَبِي عَمْرٍو الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْعَالِمُ أَخْبِرْنِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: مَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئاً إِلَّا بِهِ، قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَعْلَى الْأَعمَالِ دَرَجَةً وَ أَشْرَفُهَا مَنْزِلَةً وَأَسْنَاهَا حَظّاً قَالَ: قُلْتُ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِيمَانِ أَقَوْلٌ هُوَ وَعَمَلٌ أَمْ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ عَمَلٌ كُلُّهُ  وَالْقَوْلُ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ إِلَى أَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ حَالاتٌ وَدَرَجَاتٌ وَطَبَقَاتٌ وَمَنَازِلُ، فَمِنْهُ التَّامُّ الْمُنْتَهَى تَمَامُهُ وَمِنْهُ النَّاقِصُ الْبَيِّنُ نُقْصَانُهُ وَمِنْهُ الرَّاجِحُ الزَّائِدُ رُجْحَانُهُ، قُلْتُ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَتُمُّ وَيَنْقُصُ وَيَزِيدُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ فَرَضَ الْإِيمَانَ عَلَى جَوَارِحِ ابْنِ آدَمَ وَقَسَمَهُ عَلَيْهَا وَفَرَّقَهُ فِيهَا فَلَيْسَ مِنْ جَوَارِحِهِ جَارِحَةٌ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَتْ مِنَ الْإِيمَانِ بِغَيْرِ مَا وُكِّلَتْ بِهِ أُخْتُهَا” (الكافي، ج2، ص33)

الخطبة الثانية :

تاريخُ البشريّةِ ميدانٌ للصراعِ بين جبهتَي الحقِّ والباطلِ؛ فَلْيراقِبِ الإنسانُ نفسَهُ وَلْيَختَرْ جانبَ الصوابِ، وإلّا فقد ذهبَتْ كرامتُهُ أدراجَ الرياحِ، قد خسِرَ الدنيا والآخرةَ، والعياذُ باللهِ.

ولَنا في تاريخِنا دروسٌ وعِبَرٌ؛ فَكَمْ سجَّلَت صفحاتُهُ حوادثَ وأحداثاً أليمةً انطَلَت فيها على البعضِ، أفراداً وحتى حكوماتٍ، مكائدُ أهلِ الباطلِ، فأُخِذوا بمَظاهِرِهم البرّاقةِ وابتساماتِهم الخدّاعةِ، لافتقاد البصيرةِ، وضعفِ تمييزِ العدوِّ من الصديق، فاختلَطَت عليهم الأمورُ وتاهوا، فآلَ أمرُهُم في النهايةِ للذلِّ والهوانِ، بعدَ أن ضيّعوا عزّتهم واستقلالَهم وشرفَهم.

وما المظلوميةُ التي لحِقَت برسولِ الله (صلى الله عليه وآله) والإمامِ علي (عليه السلام) وأبنائه المعصومين (عليهم السلام) إلا نماذجُ عمليةٌ لتلك الوقائعِ؛ فمنْ تخلَّوا عن مواقعهم في جبل الرُّماةِ بأُحُدٍ استعجالاً للغنائم الزائلةِ، هُم أنفسُهُم حينَ انبَهَروا بالمصاحِفِ مرفوعةً على أَسِنَّةِ الرماحِ بِصِفّين، فَهُمْ -وإن اختلَفوا أشخاصاً- يتّحِدونَ في انتمائهم لزمرةِ فاقدي البصائرِ في اللحظاتِ المِفصَلِيّةِ. وما جَرَّ المصائبَ على الأمّةِ سِواهُم، حتى قال عليٌّ (عليه السلام) مُقَرِّعاً إياهم: “فَيَا عَجَباً عَجَباً وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ” (نهج البلاغة، الخطبة 27).

ولا تزالُ الأيامُ محكَّاً لجوهرِ البصيرةِ واختباراً لتمييزِ العدوِّ من الصديقِ، والعِبرةُ بخواتيمِ الأمورِ.

فهذهِ مِحنةُ التطبيعِ مع الكيانِ الصهيونيِّ ميداناً آخرَ لاختبار المواقفِ الحقّةِ الراسخةِ من العدوِّ، Pأَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَO (آل عمران، 142).

غريبٌ أن يصلَ الأمرُ ببعض حكوماتِ المنطقةِ كي يعلنوا التطبيعَ رسمياً، بينما هناك مؤشِّراتٌ على انتظارِ أخرى دورَها للتوقيع مع الكيان الصهيوني! والأغرَبُ أن يتصوّر هؤلاءِ التطبيعَ باباً للسعادةِ، غافلينَ عن أنهم اختاروا أقصرَ الطرُقِ لفتح أبواب الشقاءِ والشرِّ على أنفسهم و حكوماتهم ودولهم!

وإذا أردنا أن نقدِّم تعريفاً قرآنياً لِما يُدعى التطبيعَ، لقُلنا: إنّ التطبيعَ هو التخلّي عن الحقِّ وثوابِتِهِ، والتهاونُ أمامَ الباطلِ لِمن فقدوا البصيرةَ والصبرَ، إمّا اغتراراً بزخارِفِ الدنيا وحطامِها أو خوفاً من بطشِ الأعداءِ أو تعباً من الاستقامةِ في طريق ذاتِ الشوكةِ.

إنّ أهل الحقِّ لا يخافون في الحقِّ لومةَ لائمٍ، ولا يستوحِشون طريقَ الحقِّ لقلّةِ سالكيه؛ شعارُهم في ذلك قولُه تعالى: Pفَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌO (سورة هود، 112).

وعلينا أن نعلَمَ بأن التطبيعَ لن يُرضِيَ الأعداءَ الذين لن يقبَلوا بأقلَّ من التخلّي الكامل عن ديننا وقيمنا وهويتنا، يقول تعالى: Pوَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرO (سورة البقرة، 120).

إنّ التطبيعَ الإماراتيَّ البحرينيَّ ليس سوى تعبيرٍ مخفَّفٍ عن الاستسلام والخنوعِ، لا السلامِ والصلحِ.

أمّا الأدهى والأمَرَّ، أن يتَنَطَّحَ بعضُ من ينتسِبون للدين كي يبرِّروا التطبيعَ باسمِ الدينِ، والدينُ منهم بَراءٌ؛ فهذا خطيبُ الحرمِ المكيِّ صار من دعاةِ التطبيعِ بعدَ أن كان يدعو لفلسطينَ وأهلِها. أفٍّ لكم ولمتاجرتكم بالدين وجرأتِكم على الله ورسوله!

نعم! أنّ طريقَ الحقِّ ذاتُ الشوكةِ، وهناك أثمانٌ باهظةٌ يجب أن تُدفعَ، ولكن علينا أن نعلمَ -كما قال إمامنا الخامنئيُّ (دام ظله)- بأنّ تكاليفَ الاستقامةِ على الحقِّ أقلُّ بكثيرٍ من تكاليفِ الرضوخِ للباطلِ.

وما النصرُ إلا صبرُ ساعةٍ؛ والسبيلُ له واضحٌ لا لُبسَ فيه، أَلا وهو المقاومةُ. ولْيعلمِ الجميعُ بأنّ من اختارَ خيارَ المقاومةِ سبيلاً لن يقبلَ الهوانَ ببيعِ كرامته وعزته ودينه.

وكما كانت فلسطينُ معياراً لتمييزِ جبهةِ الشرفِ والإخلاصِ والثباتِ عن جبهةِ الباطلِ، فستبقى كذلك في أيامِ التطبيعِ العِجافِ.

وستثبتُ الأيامُ صوابيةَ خيارِ المقاومةِ، وفشلَ خيارِ التطبيع والاستسلامِ، فانتظِروا إنّا معكم من المنتظرين. وما النصرُ إلا من عند الله القوي العزيز. Pوَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَO (سورة آل عمران، 139).

أيها المؤمنون، يصادف هذه الآیام ذكرى استشهاد طفلة الحسين (عليه السلام) رقية التي تجسد رمز التضحية الحسينية بأغلى ما يملك في سبيل الحق، ولكن ذلك لا يمنع من التأثر بمصابها الذي يهد الجبال الرواسي؛ ألا ساعد الله قلب زينب على ذلك!

نعم ان مولاتنا السيدة رقيه بنت الامام الحسين(عليهما السلام) التي كانت بنتا صغيرة له (عليه السلام) و توفيت عند رأس أبيها بخربة الشام وعند عمتها زينب وأم كلثوم، وعند الإمام الباقر(عليه السلام) الذي له من العمر أربع سنين أو سنتان و نصف حسب اختلاف الروايات. ودفنت بخربة الشام.

قال المحدث القمي: “وفي كامل البهائي نقلا من كتاب الحاوية أن نساء أهل بيت النبوة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم ويقلن لهم إن آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا ، وكان الحال على ذلك المنوال حتى أمر يزيد بأن يدخلن داره ، وكان للحسين ( عليه السلام ) بنت صغيرة لها أربع سنين قامت ليلة من منامها وقالت : أين أبي الحسين ( عليه السلام ) فإني رأيته الساعة في المنام مضطرباً شديداً . فلما سمع النسوة ذلك بكين وبكى معهن سائر الأطفال وارتفع العويل ، فانتبه يزيد من نومه وقال: ما الخبر؟

ففحصوا عن الواقعة وقصوها عليه، فأمر بأن يذهبوا برأس أبيها إليها، فأتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها، فقالت: ما هذا؟  قالوا: رأس أبيك . ففزعت الصبية وصاحت فمرضت وتوفيت في أيامها بالشام .

وروى في بعض التأليفات بوجه أبسط وفيه: فجاؤوا بالرأس الشريف إليها مغطى بمنديل دبيقي، فوضع بين يديها وكشف الغطاء عنها، فقالت: ما هذا الرأس؟ قالوا : إنه رأس أبيك . فرفعته من الطست ، حاضنة له وهي تقول: يا أبتاه! من ذا الذي خضبك بدمائك؟ يا أبتاه! من ذا الذي قطع وريدك؟ يا أبتاه! من ذا الذي أيتمني على صغر سني؟ يا أبتاه! من بقي بعدك نرجوه؟ يا أبتاه! من لليتيمة حتى تكبر؟ – وذكر لها من هذه الكلمات إلى أن قال : – ثم إنها وضعت فمها على فمه الشريف وبكت بكاءً شديداً حتى غشى عليها، فلما حركوها فإذا هي قد فارقت روحها الدنيا. فلما رأى أهل البيت ما جرى عليها أعلوا بالبكاء واستجدوا العزاء وكل من حضر من أهل دمشق، فلم ير ذلك اليوم إلا باك وباكية” (موسوعة شهادة المعصومين (ع)، ج 2، ص 386).