آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 7 صفر 1442 هـ

الموضوع: من عوامل هلاك الإنسان

الخطبة الأولى:

من ينظرْ أحوالَ الدنيا وتقلُّباتِها بعينِ القلبِ الواعيةِ، يدرِكْ حجمَ التهديداتِ التي تُحيقُ بهِ فيها. والعاقلُ مَن علِمَ مَدَى خطرِها، كالسابحِ في مياهِ البحرِ المائجةِ؛ فعن إمامنا الكاظم (ع): “الدنیا بحر عمیق قد غرق فیها عالم کبیر” (الكافي، ج1، ص16).

ومن ثَمَّ، عليه التزامَ سبيلِ الحذرِ والاحتياطِ في التعامل معها بمعرفة عواملِ الهلاك خشيةَ الوقوعِ في مَهاوي الرَّدَى.

ولإمامِنا الحسنِ المجتبى (ع) حديثٌ يستعرِضُ جذورَ التهلُكةِ في الدنيا؛ حيث يقول (ع): “هَلاكُ النّاسِ في ثَلاثٍ : الكِبرُ و الحِرصُ و الحَسَدُ ؛ فالكِبرُ هَلاكُ الدِّينِ و بهِ لُعِنَ إبليسُ ، و الحِرصُ عَدُوُّ النَّفسِ و بهِ اُخرِجَ آدَمُ مِن الجَنَّةِ ، و الحَسَدُ رائدُ السُّوءِ و مِنهُ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ” (بحار الانوار، ج75، ص111).

ولا ريبَ أنّ المرادَ من الهلاكَ في الحديثِ هو المعنويُّ منه لا الماديُّ. ولا يَجُرُّ للهلاكِ المعنويِّ سوى تراكُمِ الملوِّثاتِ الأخلاقيةِ في الإنسانِ حتى لَتُغطّي على قلبهِ حُجُباً فوقَ حُجُبٍ فيَضِلَّ ويَخزى والعياذُ بالله. وكما قال الشاعرُ:

وإنَّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بقِيَتْ       فإنْ هُمُ ذهبَتْ أخلاقُهم ذهبوا

من هنا، ركَّزَ الإمامُ المجتبى (ع) على ثلاثةِ أمورٍ أخلاقيةٍ، مُردِفاً كلّاً منها بنموذجٍ عمليٍّ لتقريبِ معنى الهلاكِ في الدنيا والتحذيرِ منها.

وأمّا أُولاها، فهو الكِبرُ باعتبارِ الإنسانِ نفسَهُ أكبرَ وأعلى من الآخرين دونَ وجهِ حقٍّ ولا استحقاقٍ. وما أهلكَ إبليسَ ودعاهُ للتمرُّدِ على أمر ربِّه إلا كِبرُهُ حينَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بَخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ. فأَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ، لاَ يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. (نهج البلاغة، الخطبة 192)

وأمّا العاملُ الآخَرُ، فهو الحرصُ بالحثِّ على شيء من أمورِ الدنيا وطلب الزيادة عمّا يكفي. وهو رهنٌ بإرادةِ الإنسانِ شدّةً وضعفاً. وكانت تلك الآفةُ سبباً لخروج آدمَ من جنتهِ الخاصّةِ.

والحرصُ المذمومُ هو ما كانَ متعلِّقُهُ حطامَ الدنيا وزخارفَها الزائلةَ، بينما الحرصُ المحمودُ ما كان موضوعَهُ المعنوياتُ والتقرُّبُ إلى اللهِ وخدمةُ عبادِهِ، حتى جاء في وصف الله تعالى لرسوله: Pحَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌO (سورة التوبة، 128)

والسبب الثالثُ في هلاك الناس في الدنيا، فهو الحسدُ الذي يودي بصاحبهِ نحو المصير السيِّئِ، ناهيكُم عن تدميرِ حياتِهِ، كما جاء في الحديث: “اَلْحَسَدَ يَأْكُلُ اَلْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ” (الكافي، ج8، ص45).

وهل للإنسانِ وسيلةٌ سوى الحسناتِ لنيلِ الفلاح والسعادةِ؟ وكم يبذلُ من جهودٍ في سبيلِ تحصيلِها عملاً وطاعةً وخيراً! فإذا بالحسدِ يهدِم جميعَ ذلك كلِّهِ لأنه في الحقيقةِ تعبيرٌ عن الاعتراض على ما قسَمَهُ الله لعباده بالعدل. وكفى بالحسدِ خطراً أنه كان السبب لارتكاب أول كبيرةٍ على الأرض بقتل نفسٍ بغيرِ حقٍّ كما في قصة هابيل وقابيل.

فالحذرَ الحذرَ، عبادَ الله، من الوقوعِ في حبائل الشيطان والانخداعِ بألاعيبِهِ. عصمَنا الله وإياكم من الزلل، وسدَّدَ كُلّاً منّا ومنكم بالقول والعمل.

الخطبة الثانية :

مفهومُ النصرِ أوسعُ وأعمقُ من اختزالِه بالغلَبةِ الظاهريةِ؛ فقد علَّمَتنا تجارُبُ التاريخِ أنّ هناكَ مَن نالَ شرفَ الشهادةِ على يدِ عدوِّهِ فانتصر.

ولنا في عاشوراءَ أسطَعُ برهانٍ ودليلٍ على انتصارِ الدمِ الحسينيِّ على السيفِ اليزيديِّ؛ فقد رُمِيَ السيفُ اليزيديُّ في مَزابِلِ التاريخِ وطواهُ النِّسيانُ، بينما خُلِّدَ الدمُ الحسينيُّ الطاهر على مَدى الأزمانِ، ليرتفِعَ الخِطابُ الحسينيُّ منارةً تهدي الأجيالَ والأحرارَ نحو قِيمِ الشهامةِ والبسالةِ والشجاعةِ والإباءِ والإيثارِ والتضحيةِ في سبيل الله.

نعم! إنّ النصرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بالمعاييرِ المادّيّةِ، بل بمَدى تحقُّقِ الهدفِ وخلودِ الرسالةِ واستمرارِ النهجِ، وإن كان الثمنُ أوصالاً مقطَّعةً وأجساماً مُرَمَّلةً ورؤوساً مرفوعةً على أسِنَّةِ الرماحِ.

وحين يرى الرساليُّ مَسارَ الأمورِ بعينِ الله، يصبحُ لسانُ حالِهِ كما قالت عمّتنا زينبُ (ع): “ما رأيتُ إلا جميلاً”؛ فقد استهانَت بالخُطوبِ والرزايا في سبيل اللهِ.

والتاريخُ يعيدُ نفسَهُ؛ فهذا محورُ المقاومةِ اليومَ لم تزِده شدةُ الضغوطِ والتضحياتُ الجِسامُ إلا ثباتاً وتمسكاً بمبادئه في الاستقلال والعزة والكرامة دونَ أدنى شعورٍ بالإحباطِ والانهزاميةِ، حتى لو رأى الأجسادَ السليمانيةَ مقطَّعةً إرباً إرباً. وإذا سُئِلَ المقاومونَ عن ردِّ فعلِهم لَأجابوا بلسانِ الواثقِ بالنصر: ما رأينا إلا جميلاً، لإيمانهم بقُربِ تحقُّقِ الوعدِ الإلهيِّ، وما أولئك الشهداءُ إلا بشائرَه ببلوغِ الهدفِ الذي سالَت على سفوحِهِ الدماءُ. ويكفينا منه حتى الآن ما لحِقَ بالعدوِّ من ذِلَّةٍ ومَهانَةٍ، وما نالَ المقاومين من عزةٍ وكرامةٍ.

أيها المؤمنون والمؤمناتُ، ونحن نُحْيي هذه الأيامَ ذكرى الدفاعِ المقدَّسِ الذي خاضَته الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانيةُ في مواجهةِ العدوانِ الصدّاميِّ، نستذكِرُ معانيَ النصرِ الحقيقيِّ الذي تحقَّقَ بدماء الشهداءِ ببلوغِ الهدفِ الذي جاهدوا في سبيله. ناهيكُم عمّا لحِقَ بالأمريكانِ الذين دعموا المعتدينَ من هزيمةٍ حين فقدَت مصداقيتَها بين الشعوب وصارت تحسِبُ ألفَ حسابٍ لقوةِ الجمهورية الإسلاميةِ ومحورِ المقاومةِ قبل ارتكابِ أيِّ حماقةٍ، في أجلى تعبيرٍ عن الانتصار الذي بشَّرَ به إمامُنا الخمينيُّ (رض) حين قال: “لن تتجرَّأَ أمريكا على ارتكاب أيِّ حماقةٍ” و”سوف نسحقُ أمريكا تحت أقدامنا”.

نعم! صحيحٌ أنّ عوائلَ الشهداءِ والجرحى والمصابين تحمَّلوا الصِّعابَ والشدائدَ كما في محورِ المقاومةِ من سوريا ولبنان وفلسطين والعراقِ، ولكنْ يبقى جوابُهم عن تلك الأثمانِ الباهظةِ بالقول: ما رأينا إلا جميلاً…

ولعلَّ أعظمَ انتصارٍ لأبناءِ محورِ المقاومةِ رفضُ المساومةِ على عزتهم وشرفهم وكرامتهم.

أيها المؤمنون والمؤمنات، أمّا المطبِّعون والمُسارِعون للتطبيع مع الكيانِ الصهيونيِّ، فعليهم أن يعلموا بأنّ فرضَ مزيدٍ من الضغوطِ على الفلسطينيين والتسويةَ مع الكيان الغاصبِ بالتوقيع على معاهداتِ التطبيعِ الذليلةِ لن يحقِّقَ لهم النصرَ؛ فقد أخطؤوا العنوانَ، وأيَّ خطأٍ لا يُغتَفَرُ ارتكبوا! فالنصرُ الحقيقيُّ في ميادينِ المقاومةِ والصمودِ في سوريا ولبنان والبحرين وفلسطين والعراقِ على يدِ الشعوبِ الأبِيَّةِ، لا في حدائقِ البيتِ الأبيضِ وَسطَ مَظاهِرِ الذلّةِ والمَهانَةِ.

إنّ شعوبَ منطقتنا أشرفُ من أن تلوِّثَ تاريخَها بالتسويةِ مع العدوِّ الصهيونيِّ. ولَئِنْ منعَتها شدةُ الحصارِ والتضييقِ من التعبيرِ عن رفضها للتطبيعِ بشكلٍ واضحٍ، إلا أنّ الأيامَ القادمةَ سوف تؤكِّدُ أنه لا يَصِحُّ إلا الصحيحُ. ومن باعَ شرفَهُ للكيان الصهيوني تطبيعاً لا يمثِّلُ إلا نفسه، وسيندمُ على فِعلَتِهِ ولاتَ حينَ مَندَمٍ!

أيها المؤمنون والمؤمنات، إننا من هنا نعلن للعالم أجمعَ أننا أمةُ الإمام الحسين (ع)؛ شعارُنا في محور المقاومة كان ولا يزال وسيبقى “هيهات منا الذلة” حتى ولو طبَّعَ العالمُ كلُّه مع الكيان الصهيوني.

أيها المؤمنون والمؤمنات، نعيش أيامَ مصائبِ أهل البيت (ع) في طريق السبيِ في الشامِ، وكم كانت صعبةً وشاقّةً عليهم لا سيما على مولاتنا زينب (ع) التي كانت متكفِّلةً بقافلة النساء والأطفالِ .فساعد الله قلب زينب (س) حينما حضرت مجلس يزيد وشاهدت رأس أخيها الامام الحسين(ع) في ذلك المجلس بحضور الأطفال و النساء.

وجاء في التاريخ: ثمّ وُضع رأس الحسين عليه السّلام بين يدي يزيد، وأمر بالنساء أن يجلسن خلفه، لئلا ينظرنَ إلى الرأس. و كان يفتخر عليهم … ثم دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين ( رضي الله عنه ) وهو يقول : لقد كان أبو عبد الله حسن المنطق ! فأقبل إليه أبو برزة الأسلمي أو غيره ، فقال له : يا يزيد ! ويحك ! أتنكت بقضيبك ثنايا الحسين وثغره ! أشهد لقد رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يرشف ثناياه وثنايا أخيه ويقول : أنتما سيدا شباب أهل الجنة ، فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له نار جهنم وساءت مصيرا أما إنك يا يزيد لتجيء يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمد ( صلى الله عليه وآله ) شفيعه، قال: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج  . (بحار الأنوار، ج45، ص132).

فهاهنا يتذكر الإنسان المؤمن ما ينطق به إمام العصر(ع) حينما يريد أن يسلم على جده الحسين (ع) في زيارته الناحية:

السلام علي المقطع الأعضاء . السلام علي الشيب الخضيب

السلام علي الخد التريب . السلام علي الثغر المقروع بالقضيب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


The maximum upload file size: 2 MB.
You can upload: image, document.