آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 14 صفر 1442 هـ

الموضوع: زيارة الأربعين تجلٍّ إيمانيٌّ توحيديٌّ

الخطبة الأولى:

ونحن على أعتابِ أربعينيةِ الإمامِ الحسينِ (ع)، سنخصِّصُ هذه الخطبةَ لزيارةِ الحسين (ع) وتجلياتها في زيارةِ الأربعين.

لم يرِدْ حثٌّ على زيارة أحدٍ من المعصومين (ع) كما جرى مع الحسين (ع)، حتى صارت زيارته في الأربعين من عناوينِ الإيمانِ؛ فقد قال الإمام العسكري عليه السلام: “عَلاماتُ المُؤمنين خَمس: صَلاةُ إحدى وَخَمسينَ وزِيارَةُ الأربَعينِ وَالتَّختُمُ بِاليَمِينِ وَتعفيرُ الجَبينِ والجَهرُ بِبِسمِ اللَّهِ الرّحمنِ الرحيم”.  (وسائل الشيعة، ج14، ص478)

إنّ الصلةَ الوثيقةَ بين الإيمان وزيارة الحسين (ع)، تعكسُ حقيقةَ الإيمان وذلك بخلق  رابطةٍ إيمانيةٍ عمليةٍ مع الله وأوليائه على الأرض. وما زيارة الحسين (ع) إلا تجسيدٌ لذلك الأصل؛ فلا يمكن تنزيلُ الألطاف الإلهية إلا بجاذبيةِ ولي الله لها، ولا يمكن التنعُّمُ بها إلا بالارتباط بذلك الوليِّ، الذي تنزل بركات الله في قوس النزول من خلاله، وتصعد الحسنات إلى الله عبره.

ولكن لتلك الصلة مع ولي الله شرطاً أساسياً ألا وهو المعرفة بحقه؛ فأنّى للسالك إلى الله أن يهتدي للطريق الأقومِ دون معرفةِ الدليل الموثوقِ! من هنا نفهم معنى العبارة الواردة في الحديث “من زاره عارفاً بحقه”.

فلا غروَ أن يبالغَ إمامُنا الصادقُ (ع) في الدعاء لزوار جده الحسين (ع)؛ روى مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ “اسْتَأْذَنْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقِيلَ لِي ادْخُلْ فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُهُ فِي مُصَلَّاهُ فَجَلَسْتُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ فَسَمِعْتُهُ وَ هُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ وَ هُوَ يَقُولُ: يا مَنْ خَصّنا بالْكَرامَةِ؛ وَوَعَدَنا بالشّفاعَةِ؛ وحمّلنا الرسالة، وجعلنا ورثة الأنبياء، وختم بنا الامم السالفة، وَخَصّنا بالوَصيّةِ؛ وأعْطانا عِلمَ ما مَضى وعِلْمَ ما بَقيَ، وَجَعَلَ أفْئدَةً مِنَ النّاسً تَهْوِي إلَيْنا، اغْفِرْ لي ولإخْواني وَزُوّارِ قَبر أبي الحسين صبلوات الله عليهم.

الّذين أنْفَقُوا أمْوالَهُمْ وَأشخَصُوا أبْدانَهم رَغْبَةً في بِرّنا، وَرَجاءً لِما عِنْدَكَ في صِلَتِنا، وسُروراً أَدْخَلُوهُ عَلى نَبِيّكَ محمد (ص)، وَإجابَةً مِنهُمْ لأمْرِنا، وَغَيظاً أدْخَلُوهُ عَلى عَدُوّنا.

أرادُوا بذلِكَ رِضوانَكَ، فَكافِئْهُمْ عَنّا بالرّضْوانِ، واكْلأُهُم باللّيلِ وَالنّهارِ، واخْلُفْ عَلىُ أهالِيهم وأولادِهِمُ ” (الكافي، ج4، ص582).

ولا ريبَ أنّ دعاء المعصوم بحق أحدٍ يعني نزول الرحمة عليه؛ فهنيئاً لمن زاره (ع) من قربٍ وبعدٍ:

أشِرْ لِلحُرِّ من قُربٍ وبُعدٍ             فإنّ الحرَّ تكفيهِ الإشارة

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: “مَنْ زَارَ الْحُسَينَ عليه السلام مِنْ شِيعَتِنَا لَمْ يرْجِعْ حَتَّى يغْفَرَ لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ وَ يكْتَبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا وَ كُلِّ يدٍ رَفَعَتْهَا دَابَّتُهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ وَ مُحِي عَنْهُ أَلْفُ سَيئَةٍ وَ تُرْفَعُ لَهُ أَلْفُ دَرَجَةٍ. (كامل الزيارات، ص257).

الخطبة الثانية :

في مثلِ هذه الأيّامِ من كلِّ عامٍ، كانت حالةٌ من الحماسِ تغمُرُ الدنيا أجمعَ، حينَ كانت الملايينُ من البشرِ تستعدُّ للتوجُّهِ نحوَ كربلاءَ لزيارةِ الإمام الحسين (ع) يومَ الأربعين. لقد كانت مسيرةُ الأربعين، في الحقيقةِ، بمثابةِ مناورةٍ دوليةٍ سنويةٍ لإبرازِ المودّةِ والعشقِ مع الإيمان.

وبالرغمِ من القيودِ الصحية التي تحيط بالزيارة الأربعينيةِ هذا العامَ، بسبب ظروف كورونا، فإنّ القلوب لا تزال تهفو لأدائها. نعم، إنّه العشقُ الحسينيُّ الذي غَرَسَهُ اللهُ في القلوبِ حتى لم يقتصرْ على أهل الأرضِ، بل شمَلَ أهلَ السماءِ أيضاً. بل إنّ اللهَ تعالى ذاتَهُ مُحِبُّ الحسينِ (ع)، حتى وردَ في الحديثِ القدسيِّ: “إنّ الحسينَ حبيبي”. فمَن نشأَ في الأجواءِ التوحيديةِ لا يمكنهُ إلا أن يعشقَ الحسينَ (ع) بغضِّ النظرِ عن الحدودِ الزمانيةِ والمكانيةِ.

أيها المؤمنون والمؤمنات، لقد أوصى إمامُنا القائدُ الخامنئيُّ (دام ظله) هذا العامَ أن تُناجوا إمامَكم الحسينَ (ع) من منازلكم بالشكوى إليه من حرمانِ توفيق زيارته يومَ الأربعين بسبب الظروف الصحية القاهرة.

والشكوى في هذه الحالة ليس بمعنى توجيهِ العتابِ للإمام الحسين (ع) على قطع طريق الزيارة، بل توجيه الأسئلة لأنفسنا عمّا ارتكبنا من ذنوب واقترفنا من تقصير كي نُحرَمَ توفيقَ الزيارةِ؟!

فالإمامُ الحسينُ (ع) مظهرُ الرحمةِ الإلهيةِ الواسعةِ لا يصدُرُ عنه سوى كلِّ خيرٍ، ولا يمكنُ أن يحرِمَنا عن الزيارةِ.

إذاً، علينا أن نتوبَ إلى الله كي نصبحَ قابلينَ للزيارةِ…

أما كيفيةُ مخاطبةِ الإمام الحسين (ع) وبثِّ الشكوى إليه، فلا بروتوكولاتِ خاصّةً بها؛ فما عليكم سوى الإفصاحِ عمّا يجيشُ في صدوركم وما يعتمِلُ في صدوركم دون حرجٍ؛ فهو أمينُ الله في أرضهِ يكتُمُ أسرارَكم، ويعينُكم على السيرِ في طريق التوبة إلى الله تعالى.

أيها المؤمنون والمؤمنات، في هذه الأيام تسيرُ قافلةُ أهل البيت (ع) متوجهةً نحو كربلاءَ والمدينةِ، ومن المشهور عند الشيعة أنّ الأربعين هو اليوم الذي زار فيه الصحابيّ الجليل قبر الإمام الحسين عليه السلام، وفي نفس ذلك المكان والزمان حصل لقاء بينه وبين أهل البيت عليهم السلام عندما رجعوا من الشام لزيارة الإمام الحسين عليه السلام. ولنستمع إلى تفاصيل تلك الزيارة التاريخية:

“عن عطيّة العوفيّ قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاريّ زائراً قبر الحسين عليه السلام، فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات, فاغتسل ثمّ اتّزر بإزار وارتدى بآخر. ثمّ فتح صرّة فيها سُعدٌ  فنثرها على بدنه, ثمّ لم يخطو خطوة إلّا ذكر الله تعالى, حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه..

فألمستُهُ فخرّ على القبر مغشيّاً عليه, فرششت عليه شيئاً من الماء، فلمّا أفاق قال: يا حسين ثلاثاً ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه.

ثمّ قال: وأنّى لك بالجواب, وقد شحطت أوداجك على أثباجك, وفرّق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنّك ابن خاتم النبيّين, وابن سيّد المؤمنين, وابن حلیف التقوی وابن فاطمة سيّدة النساء، وما لك لا تكون هكذا.

وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين, وربّيت في حجر المتّقين, ورضعت من ثدي الإيمان, وفطمت بالإسلام, فطبت حيّاً وطبت ميّتاً, غير أنّ قلوبَ المؤمنين غير طَيّبةٍ بفراقك, ولا شاكّةٍ في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا.

ثمّ جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطيّة: فقلت له يا جابر فكيف ولم نهبط وادياً ولم نعلُ جبلاً, ولم نضرب بسيف والقوم قد فرّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأوتمت أولادهم وأرملت أزواجهم؟ فقال (لي): يا عطيّة سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “من أحبّ قوماً حُشر معهم, ومن أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم”.

قال عطيّة: فبينما نحن كذلك وإذا بسواد قد طلع من ناحية الشام، فقلت: يا جابر هذا سواد قد طلع من ناحية الشام، فقال جابر لعبده:

انطلق إلى هذا السواد وأتنا بخبره، قال فمضى العبد، فما كان بأسرع من أن رجع وهو يقول: يا جابر قم واستقبل حرم رسول الله، هذا زين العابدين عليه السلام قد جاء بعمّاته وأخواته، فقام جابر يمشي حافي القدمين مكشوف الرأس إلى أن دنا من زين العابدين عليه السلام.

فقال الإمام عليه السلام: “أنت جابر؟” فقال: نعم يا بن رسول الله، فقال: “يا جابر ها هنا والله قُتلت رجالنا, وذُبحت أطفالنا, وسُبيت نساؤنا وحُرقت خيامنا”. (لواعج الأشجان، ص240)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


The maximum upload file size: 2 MB.
You can upload: image, document.