آخر الأخبار

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب (ع) 21 صفر 1442 هـ

الموضوع: تجنّب النميمة والتوجُّه لإصلاح ذات البين

الخطبة الأولى:

الإنسانُ اجتماعيٌّ بطبعه، وهو -في تعامُلِهِ مع الآخرين- قد يواجِهُ حالاتٍ من النزاع والتنافُرِ، ما يفرِضُ عليهِ التعامُلَ معها بحكمةٍ وروِيَّةٍ من خلالِ إصلاحِ ذاتِ البَينِ والتخفيفِ من التوتُّراتِ.

في المُقابِلِ، هناك فئةٌ من الناسِ تغلِبُ على شخصيتِها كَوامِنُ الشرِّ ونزعاتُ السوءِ، فتُوري نارَ الخلافِ وتزيدُ من حدّةِ الاحتقانِ بين أبناء المجتمعِ. وتُطلَقُ على تلك الفئةِ اسمُ النمّامين الذين ينقلونَ الكلامَ بين طرفين لغرضِ الإفسادِ.

وقد كانوا عُرضةً للذمِّ والقدحِ على لسانِ القرآن الكريمِ ورواياتِ المعصومين (ع)، حتى قال تعالى: Pوَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍO (سورة الهُمَزة،1)

وسئل ابن عباس عن الآية ومقصودِها، فقال: “هم المشاوؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة الناعتون للناس بالعيب”، ولعلّه أخذها من الحديثِ النبويِّ، حين سَأَلَ رسول الله (ص): “ألا أُنبّئكُم بشراركم؟ قالوا: بلى. فقال: “المشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء المعايب” (الكافي، ج2، ص369).

وهناك آياتٌ أخرى في هذا البابِ منها قوله تعالى: Pوَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ Q هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ Q  مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍO (سورة القلم، الآيات 10-13)

وإليكم بعضاً من آثار النميمةِ السيِّئةِ:

  • حرمانُ النمّام من الجنة؛ فعن الباقر (ع): “الجنة محرمة على القتّاتين المشائين بالنميمة” (الكافي، ج2، ص369).
  • تسليط عذاب القبر الدائم عليه؛ فعنه (ص): “ومن مشى في نميمة بين اثنين سلّط الله عليه في قبره ناراً تحرقه إلى يوم القيامة” (وسائل الشيعة، ج12، ص308).
  • النمّام أسوأ خلق الله وأشرُّهم؛ فعن الصادق (ع): “إنّ من أكبر السحر النميمة، يفرّق بين المتحابّين ويجلب العداوة على المتصافيين، ويسفك بها الدماء و يهدم بها الدور، ويكشف بها الستور، والنمّام أشرُّ مَن وطأ على الأرض بقدم” (مستدرك الوسائل، ج10، ص156).

نستعيذُ بالله من النميمةِ وأهلها…

وقد وجَّهَنا المعصومون (ع) لأساليبَ في مواجهةِ تلك الآفةِ المرذولةِ، منها عزلُ النمّامِ ومقاطعتُهُ، بتكذيبهِ والتشكيكِ بصحةِ أقوالهِ، لئلّا يجدَ من يسمعُ لقولهِ، فيرتدِعَ عن ارتكابِ فعله الشائن؛ فعن علي (ع): “أَكذِب السعاية والنميمة؛ باطلةً كانت أو صحيحةً” (غرر الحكم، 2442).

ورفع رجل إلى أمير المؤمنين (ع) كتاباً فيه سعاية، فنظر إليه أمير المؤمنين (ع) ثمّ قال : “يا هذا، انْ كُنْتَ صادِقاً مَقَتْناكَ وَإنْ كُنْتَ كاذِباً عاقَبْناكَ، وَإنْ أحْبَبْتَ الْقِيلَةَ أقَلْناكَ، قال: بَلْ تُقيلُني يا أميرَ الْمُؤْمِنينَ” (الاختصاص، ص142).

عبادَ الله، أمّا إصلاحُ ذات البين، فهو من الخصال الحميدةِ التي حثّ عليها الإسلام وجعلها من ضرورات المجتمع الإيمانيّ الذي يقوم على مبدأ الأخوّة بين المؤمنين، ولزومِ المبادرةِ لرفع الخلافِ بينهم، حتى قرنَ تعالى ذلك الأصلَ بإصلاح ذات البين؛ إذا يقول: Pإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَO (سورة الحجرات، 10).

فإصلاح ذات البين قمة السعادة؛ فعن علي (ع): “من كمال السعادة، السعي في إصلاح الجمهور” (غرر الحكم، 4703).

كما أنه أفضل أنواع الصدقة؛ فعن الصادق (ع): “صدقة يحبّها اللّه: اصلاحٌ بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا” (الكافي، ج2، ص209).

والمبادِرُ لإصلاح ذات البين مبارَكٌ في مسعاه؛ فعن رسول الله (ص): “من مشى في صلح بين اثنين صلّى عليه ملائكة الله حتى يرجع وأعطي ثواب ليلة القدر” (وسائل الشيعة، ج13، ص163).

وبالرغمِ من أهميةِ أمر إصلاح ذات البين، فلا ينبغي خوضه إلا بعد دراسةٍ متأنِّيةٍ عقلانيةٍ لظروف الطرفين وشروطهما النفسية والعاطفية والفكرية، فضلاً عن مراعاةِ الحساسياتِ التي تحيط بهما، والاستعانةِ بذوي الخبرةِ والتجربةِ والرأي، لبلوغ النتائج المتوخّاةِ.

الخطبة الثانية:

عشنا أمسِ يوماً عظيماً من أيامِ الله؛ ألا وهو يوم أربعين الحسين (ع)، والذي يعدُّ الوحيدَ الذي يقامُ لشخصٍ كالإمام الحسين (ع) في تاريخ الإسلام، لم يثبتْ لأحدٍ سواه. الأمرُ الذي يجعلُ من يوم الأربعين حدثاً فريداً وعظيماً في آنٍ معاً؛ حيث تتّجه أنظارُ العالمِ فيه نحو الحسين (ع).

كانت زيارة الأربعين تستقطب طوالَ السنوات الماضية الملايينَ من الزوار في كربلاءَ؛ يستضيفهم خلالها أبناءُ الشعبِ العراقيِّ الشقيقِ العزيز والكريم، في ظاهرةٍ أقربَ للإعجازِ، إلا أن ظروف كورونا هذا العامَ حالَت دونَ استقبال الزوار غير المحليين، ما حزَّ في نفوس العراقيين قبل أولئك الزوار أنفسِهم.

طبعاً، لم تقتصر القيودُ الكورونائيةُ على كربلاءَ والحرمِ الحسينيِّ فحسبُ، بل شملَت مقام أخته زينب الكبرى (ع)؛ فخلَت شعائرُ أربعين هذا العام من الزوار من خارج البلاد إلا بعضَ الحالاتِ.

مع ذلك كلِّه، فإننا على يقينٍ بأنّ إغلاق الطرق نحو كربلاء من خارج العراق، لم توصِد أبوابَ الحرم أمامَ قلوب العاشقين حول العالم، فطافت قلوبهم حول الضريح لتذرفَ دموعَ الولاء والمودة والإخلاص، مجدِّدةً بيعتها وعهدها مع مولاها، مُردِّدةً بأصوات أفئدتها: لبيك يا حسين… ولا شكّ أنّ الملَكَ فطرس أدى واجبه الموكَل به بإيصال تلك التلبيةِ لسيد الشهداء (ع) عملاً بالتعهد الذي قطعه على نفسه حين ولادة الحسين (ع) أمام جده (ص)، حين قال؛ “لَهُ عَلَيَّ مُكَافَاةٌ أَلاَّ يَزُورَهُ زَائِرٌ إِلاَّ أَبْلَغْتُهُ عَنْهُ وَ لاَ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ مُسَلِّمٌ إِلاَّ أَبْلَغْتُهُ سَلاَمَهُ وَ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهِ مُصَلٍّ إِلاَّ أَبْلَغْتُهُ صَلاَتَهُ ثُمَّ اِرْتَفَعَ” (بحار الأنوار، ج43، ص243).

أيها المؤمنون والمؤمنات، نعم، إن ما يربط المؤمنين الموالين بحسينهم أزليٌّ لا يزولُ؛ فزيارته رمزٌ لحلقة الوصل التي تربط الأمة الإيمانية بإمامها، فلو انكسرت تلك الحلقةُ -ولن تنكسرَ- لهَوَت الأمة نحو الهلاك.

ألم تروا البارحةَ إمامَنا الخامنئي (دام ظله) في الأربعين، ومن قبلُ في عاشوراء، وقد جلس وحيداً يستمع لمصيبة جده الحسين (ع) إحياءً لذكره ومجلسه، تأكيداً على أهميةِ المحافظة على حلقة الوصل تلك مهما اشتدت الخطوبُ، تجسيداً لكلام صاحب العصر والزمان الإمام المهدي (عج): “فلأندبنك صباحاً و مساءً”.

أيها المؤمنون والمؤمنات، إن على حلقة الوصل تلك أن تبقى للأبد، استعداداً لخلق العالم الجديد على يد المصلح العالمي، وقد بدأت إرهاصاتُه بالظهور الذي سيدشِّنُه صاحبُ الأمر بمجلس جده الحسين (ع) وندائه ورفع لوائه، بل إن بيانه الرسميَّ الأول سيبدأ بالتعريف عن نفسه للعالم عبر الانتساب للحسين (ع) واستعراض مظلوميته واستشهاده عطشاناً وغريباً!

ولن ينالَ شرفَ الالتحاق بفسطاطه وتلبية ندائه، إلا من نادى من قبلُ: لبيك يا حسين، حتى يستأهل النداء: لبيك يا صاحب الزمان.

نعم، إن شعار (لبيك يا حسين) في عصر الغيبة، هو مقدمة للظهور وتحديد للعهد والبيعة، بالتعبير عن الاستعداد لنصرته واستقباله والانضواء تحت لوائه.

إن زيارة الأربعين حضورياً وعن بُعدٍ معاً، ما هي إلا عملية تأهيلٍ مجتمعيٍّ لتحقيق الظهور والتمهيد له؛ فالمجتمعُ المهدويُّ لا يتحقق إلا بمعرفة معالم النهضة الحسينية، ولهذا سيرفع صاحب العصر نداءه معرِّفاً عن نفسه كما يلي:

“ألا يا أهلَ العالَم، أنَا الإمام القائِم. ألا يا أهلَ العالَم، أنَا الصَّمصامُ المُنتَقِم. ألا يا أهلَ العالَم، إنَّ جَدِي الحُسَين قَتَلُوهُ عَطشاناً. ألا يا أهلَ العالَم، إنَّ جَدِي الحُسَين طَرَحُوهُ عُرياناً، ألا يا أهلَ العالَم، إنَّ جَدِي الحُسَين سَحَقُوهُ عُدواناً” (الإرشاد، ج2، ص384).

فاللهَ، اللهَ في ما بقي من أيام شهر صفر؛ باستثمارها للتزود بالزاد الحسيني كي نستفيد منها في سائر أيام حياتنا.

ولا ننسى أن نردد تعابيرَ مولانا صاحب العصر والزمان (عج) في السلام على جده الحسين (ع) إذ يقول في زيارة الناحية بكل حسرة وتأسف ولوعة:

“السَّلامُ عَلَى الحُسَينِ الَّذي سَمَحَت نَفسُهُ بِمُهجَتِهِ ، السَّلامُ عَلى مَن أطاعَ اللّه في سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، السَّلامُ عَلى مَن جُعِلَ الشِّفاءُ في تُربَتِهِ ، السَّلامُ عَلى مَنِ الإِجابَةُ تَحتَ قُبَّتِهِ ، السَّلامُ عَلى مَنِ الأَئِمَّةُ مِن ذُرِّيَّتِهِ ، السَّلامُ عَلَى ابنِ خاتَمِ الأَنبِياءِ ، السَّلامُ عَلَى ابنِ سَيِّدِ الأَوصِياءِ ، السَّلامُ عَلَى ابنِ فاطِمَةَ الزَّهراءِ…”

فَلَمّا رَأَينَ النِّساءُ جَوادَكَ مَخزِيّا ، ونَظَرنَ سَرجَكَ عَلَيهِ مَلوِيّا ، بَرَزنَ مِنَ الخُدورِ ، ناشِراتِ الشُّعورِ ، عَلَى الخُدودِ لاطِماتٍ ، لِلوُجوهِ سافِراتٍ ، وبِالعَويلِ داعِياتٍ، وبَعدَ العِزِّ مُذَلَّلاتٍ، وإلى مَصرَعِكَ مُبادِراتٍ. وَالشِّمرُ جالِسٌ عَلى صَدرِكَ ، مولِغٌ سَيفَهُ عَلى نَحرِكَ، قابِضٌ عَلى شَيبَتِكَ بِيَدِهِ، ذابِحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ، قَد سَكَنَت حَواسُّكَ ، وخَفِيَت أنفاسُكَ ، ورُفِعَ عَلَى القَنا رَأسُكَ، وسُبِيَ أهلُكَ كَالعَبيدِ، وصُفِّدوا فِي الحَديدِ، فَوقَ أقتابِ المَطِيّاتِ، تَلفَحُ وُجوهَهُم حَرُّ الهاجِراتِ، يُساقونَ فِي البَراري وَالفَلَواتِ، أيديهِم مَغلولَةٌ إلَى الأَعناقِ، يُطافُ بِهِم فِي الأَسواقِ …”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


The maximum upload file size: 2 MB.
You can upload: image, document.